‏المعركة الجديدة في سوريا: لا أحد يريد مساعدة الأسد في إعادة بناء ما دمره

حجم الخط
0

انطاكيا -“القدس العربي”:
ركزت الولايات المتحدة وأوروبا في تدخلهما بسوريا على مكافحة “تنظيم الدولة”، وغضوا الطرف عن نظام الأسد ، ومع أنهم حققوا نجاحا عسكريا ضد “خلافة البغدادي “، إلا أن معركة أخرى يمكن أن تطفو على السطح، في أي وقت، وبشكل آخر، وهي اعادة إعمار ما خلفته آلة الحرب المدمرة .
ويتوقع كثير من المراقبين أن عملية إعادة بناء البلاد ستكون المعركة الجديدة في سوريا، ولكن وكما تساءلت صحيفة “لوموند” الفرنسية في موضوع نشرته مؤخرا: “كيف يمكن أن نتصور إعادة الإعمار في ظل هذه الظروف؟”، إذ لن تقوم موسكو ولا طهران بإعادة بناء ما دُمر. ثم إن عدم وجود بديل سياسي لا يشجع الغربيين على الدفع لدعم الأسد ولا اللاجئين للعودة.

ثلث مبان سوريا مدمرة كليا او جزئيا ..

ووفقا الإحصاءات ، فإن ثلث مباني سوريا ومنازلها دُمَرت أو تضررت جزئيا على الأقل، وكل الأرقام التي قُدَمت، على ضخامتها وهولها، لا تعكس الصورة الحقيقية والكاملة للكارثة. ولأن الثورة فشلت في اسقاط النظام، فإن رئيس النظام السوري بشار الأسد الذي ثار عليه معظم السكان، عمل على توطيد معسكر الموالين من حوله، بالاعتماد على جيش النظام الذي نجا من الانهيار، خلافًا لتوقعات عديدة. وهنا، يتحدث بعض الخبراء عن القوة الامنية التي يجري إعادة هيكلتها ، تحت النفوذ الروسي والإيراني،بدلا من الاهتمام بالإعمار، فبعد أن فقد الجيش نصف قوته البشرية من الجنود، صمدت نخبة الضباط ، مما سمح بظهور نظام عسكري وأمني جديد، كما زاد تأثير المجتمع العلوي الذي خرج منه معظم ضباط وقادة الاجهزة الامنية والعسكرية، وهذا النظام الأمني والعسكري هو ما يوجه اليه الأسد معظم إنفاقه المالي لا الإعمار، الذي لا يزال أمراً هامشيا بالنسبة لقادة النظام في دمشق ، وهم في نفس الوقت غير قادرين على تحمل أعباءه المالية .

‏وفي هذا السياق، رأى المحرر في مجلة “ذي أتلانتيك” الأمريكية، كريشناديف كالامور، أن “أنصار بشار الأسد في موسكو لا يستطيعون دفع تكاليف إعادة الإعمار، وخصومه في الغرب قادرون، ولكن لا يرغبون في ذلك”. إذ إن روسيا، التي تدخلت في الصراع في عام 2015 وتحرص على الحفاظ على نفوذها الإقليمي الجديد، لا تستطيع تحمل تكلفة إعادة الإعمار. فاقتصادها في حالة يُرثى لها، ويزداد سوءًا بسبب العقوبات التي فرضت عقب غزوها لشبه جزيرة القرم الأوكرانية في عام 2014 وتدخلها في الانتخابات الأمريكية لعام 2016 وانخفاض أسعار النفط. ومع هذا، يبدو ان موسكو، تحاول دون جدوى، دفع المجتمع الدولي لتحمل التكاليف والعبء المالي الضخم لعملية إعادة البناء. ولكن الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون رفضوا بشدة تحمل عبء إعادة الإعمار في غياب تغييرات سياسية ذات معنى. وتحدثوا أنه “لن يكون هناك إعادة بناء من دون انتقال سياسي”، وهذا يترك 18 مليون شخص يواجهون مستقبلاً غامضاً.
‏من الناحية النظرية، يمكن أن تؤدي جهود إعادة الإعمار الناجحة إلى عودة ملايين النازحين السوريين إلى ديارهم. ولكن، وفقا لتقديرات مراقبين: “طالما بقيت أجزاء من البلاد طاردة للحياة، فمن المحتمل أن تزداد أزمة اللاجئين في أوروبا في السنوات الأخيرة سوءًا، مما قد يعرض أجيالا أخرى من السوريين للعيش في مخيمات اللاجئين تحت رحمة البلدان المضيفة، وفي كثير من الأحيان معادية”.
‏وعلى هذا، يبقى نظام الأسد العقبة الرئيسية أمام إعادة تأهيل سوريا، فلا يملك “لا المال ولا القدرة الإدارية والسياسية على بناء البلاد”، كما أوضح دبلوماسي غربي في تصريحات اعلامية.

توسع التصدعات الداخلية في دمشق جراء الأزمة المالية

ولعل الأخطر من كل هذا، وفقا لتقديرات بعض المطلعين في داخل سوريا الذين تحدثت إليهم “القدس العربي”، أن ما يواجه إعادة الإعمار من مآزق لن يؤدي إلا إلى توسع التصدعات الداخلية القائمة، وهو ما ينغَص الوضع على المستثمرين في الحرب.
‏فليس ثمة ما يوحي بأن الوضع حُسم والحرب انتهت ونظام الأسد انتصر، فالدمار والخراب يعمَان البلد، وحتى الموالين للنظام، وفي معاقله، ضاقوا ذرعا بالوضع الكارثي، فلم يجنوا من ثمار هذا “النصر” الذي يتحدث عنه نظامهم إلا المرارة وسوء الاوضاع الاقتصادية، وربما أظهروا بعض التململ والاستياء علانيَة.
ربما تبدو عملية إعادة البناء أعقد من الحرب نفسها وحسمها عسكريا، فروسيا وإيران اللتان دعمتا النظام لتحقيق “الانتصار العسكري”، ليستا قادرتين ولا راغبتين في صرف دولار واحد على إعادة البناء، وكل تركيزهم الآن على جني مكاسب تدخلهم العسكري لإنقاذ النظام وليس بناء البلد الذي دمروه. لكن حتى في هذا قد لا يتحقق لهم كثير مما يتوقعوه، لأنهم قد لا يقدرون على كسب المعركة الجديدة : إعادة إعمار ما هدموه !

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية