انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي دعوة للتضامن مرة مع مدير الديوان الوطني لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، ومرة أخرى مع سولكينغ… وما حدث يترك المتابع محتاراً في النتيجة والمغزى من تضامن كهذا دعا إليه مثقفون من جهة ومحبو الفنان من جهة أخرى، وهذا على خلفية فاجعة ملعب 20 أوت…
وبالفعل، تحققت الوقفة التي دعا لها المتضامنون مع مدير لوندا بـ”فيسبوك” والتي لم يبين المبادرون للوقفة أمام مقر لوندا أسبابها وتركوها للمفاجأة ولجر أكبر عدد ممن سيجدون أنفسهم متعاطفين مع الرجل الأول في لوندا. التعاطف مع أحد المسؤولين المباشرين على تنظيم حفل فشل فشلاً ذريعاً بسقوط أرواح بريئة. تم التنديد بإقالة السيد بن شيخ، مدير الديوان، باعتباره أعاد للفنان مكانته وحقوقه وحفظ كرامته. لا اعتراض على هذا، إلا أنه لم يأت في أوانه. ولوندا تحمل على رقبتها أرواحاً بشرية مع كل من تسبب من قريب أو بعيد في تنظيم كارثي كهذا. ثم على من تلقى المسؤولية؟ ضد مجهول؟ حرام أن ترمى التهم جزافاً عليه لمجرد أنه مجهول. يصبح المواطن الضحية نكرة إن لم تنصفه العدالة.
لكن وبالرغم مما يمكن قوله على سولكينغ، إلا أنه سارع بحذف كل منشوراته على “إنستغرام” حداداً وترحما على الأموات، ورد على من دعوا للتضامن معه أنه أولى أن نتضامن مع أسر الضحايا، نظراً لما تركه الحادث من مآس. لكن كان على الفنان أن لا يقبل إحياء حفله في ظل السياق السياسي وسخط المجتمع على إفساد المؤسسات الممنهج طوال عقدين من الزمن. كان عليه، وهو يتحاشى الظهور مع الوزيرة المستقيلة، أن يكون ذلك موقفاً راسخاً يجعله يرفض المجيء والغناء. لكن على ما يبدو، إغراء لوندا له جعلته يقبل، كمن “حلف على اللحم وغمس في المرق”، كما يقول المثل الشعبي.
أصبح التضامن موضة مع من عاثوا في البلاد فساداً، وفي كل مرة يطلع عفريت المجموعات المتضامنة مع الوزيرة الفلانية، ومع المدير الفلاني. هل يحتاج هؤلاء إلى تضامن أم هي إبداعات الموالين للبلاطات، والرغبة في رش نكهات يسيل لها اللعاب، على سياسات فاحت رعونة ونتانة؟ أم هي مصيبة التعاطف مع الجلاد قد أصابتنا؟ العجب ممن تضامنوا مع ما أصاب الفهد الأصفر ونسوا وجع أسر سيذكرهم الدخول الاجتماعي بهول فقد الأحبّة. متى سيصبح الإنسان أولوية الجميع وتشال كرامته من الأوحال؟
تونس… الاحتفاء بالكتب في مسرح قرطاج
مسرح قرطاج تزيّن بالكتب عشية حفل المطرب الكبير لطفي بوشناق، صاحب الأداء المتميز والمبادئ الكبرى التي تجاهلناها وسط دعايات الانفتاح على الآخر ووسط استعداد للتطبيع مع الشيطان في جو سياسي مشحون بالقرف، ولعل الكتاب يعيد بعضاً من المبادئ ويفتح على إنسانية البشر، لعل القراءة تفرمل توحش البشر وتغلب نزعة الافتراس فيهم، لعل ولعل وعسى، مبادرة قامت بها المؤسسة الوطنية لتنمية المهرجانات الثقافية والفنية بوزارة الشؤون الثقافية التونسية، حيث وزعت خمسة آلاف كتاب مجاناً، بهدف تشجيع الشباب على المطالعة والتعريف بالإنتاج الفكري التونسي. مبادرة ركزت عليها العديد من الصحف والمنابر الإعلامية والمواقع الإلكترونية، وتستحق فعلاً هذه الإشادة لمبادرة لا تحدث إلا نادراً. لا يمكن أن تجتمع الكتب والمطالعة وتفتح الفكر إلا مع فنان بحجم لطفي بوشناق. ارتباط حفله بالكتب تذكير بأنه فيلسوف مثقف ملتزم في زمن غير الزمن الذي يريده، كما يمكن قراءة رغبة الفنان في الاعتزال بأن يبقي على مبادئه قبل أن يجرفها السيل، وكذلك لحساسيته المفرطة تجاه الوضع السياسي العربي الواقع تحت أقدام القوى الكبرى المتربصة به، والماضية في تمريغ الأنوف في الأوحال… فخيرهم من أن يأخذوا المناصب ويترك للشعوب الوطن، لكنهم أخذوا المناصب وتركوا الأوطان لغير شعوبهم.
والاحتقان ضد العنف بالشوارع
شيء غير عادي يحدث في تونس، “تونس ولات غابة ماعادش يتعاش فيها”، هكذا علّق بعض رواد مواقع التواصل الاجتماعي مستغربين حالات العنف التي أدت إلى وفيات منذ أيام، حيث قاموا بالدعوة إلى إطلاق حملة واسعة في كافة الولايات لمحاربة الإجرام متسارع الوتيرة في الأيام الأخيرة وتطهير البلاد من حاملي السلاح، وتشديد العقوبة على كل من يسرق أو يهدد حياة المواطنين بالسلاح الأبيض. انتشرت صورة الشاب قيس صفراوي صاحب السبعة عشر ربيعاً الذي قتل بطعنات خنجر بعد مشادات مع الجاني الذي كان برفقة مجموعة قضت على الشاب وأحدثت جروحاً بأخ الضحية… ومهما كانت الأسباب.. الحب أو غيرة مراهقين، فالنتيجة كارثية على الأسر والمحيط. وفي الفترة نفسها لقيت سيدة حامل حتفها وسط العاصمة تونس بعد تعرضها لاعتداء هي الأخرى. تونس، وفي ظل غليان المشهد السياسي وانفتاحه على أكثر القضايا المحظورة والمثيرة للسخط والجدل، كترشح رئيس جمعية شمس للمثليين… تونس الحريات… تونس الواقفة بقوة القانون أمام الأعراف وفتاوى الفقهاء والدين. تونس البلد الذي مازال أخضر بعيون السواح. تونس بالرغم من التذمر مما يحدث، كحال كل بلدان الجوار، يبقى فيها شيء يحول الكثير من الندوب والمنغصات إلى تحديات.
كارثة السيول في المغرب… درس الجغرافيا
ترحم واسع على مواقع التواصل الاجتماعي وتعزية للشعب المغربي بعد حادثة السيول التي أودت بحياة سبعة أشخاص بإقليم تارودانت، بمنطقة “ايمي نتيارت”، وتحديداً ملعب “تزيرت”، وهذا بعد مداهمة السيول لهم، التي قيل إن المنطقة لم تشهدها منذ ستينيات القرن الماضي، فبالرغم من هروب من كانوا بالملعب إلا أنّ السيول هدمت بيتاً كان على سطحه الضحايا الذين كانوا يتابعون المباراة. إن المياه التي تملأ جوف الأرض، وقوة الأمطار بمثل هذه المناطق الهشة، تحيلنا إلى عدم الاهتمام بالرصيد الثقافي وخبرة المسنين لمواجهة مثل هذه الكوارث، وتهيئة ملعب وسط تدفق السيول من كل مكان. وإن جفت مياه النهر لسنوات طويلة فقد تحيا في لحظة من اللحظات محدثة خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات، وإذا نسي المخطط العمراني حتمية الجغرافيا أو أهملها فالوديان لا تخطئ مجراها.
السيول تجرف معها الهشاشة كأنها تمر في تنظيف طبقي، كأنها لعنة على الفقراء الذين لا حول لهم ولا قوة. غضب الطبيعة قد يذكّر المسؤولين وأصحاب القرار بقبيلة “اداو نضيف” وبتيزيرت غزيرة المياه وبأحوال الجغرافيا لجماعات نسيها التاريخ… لعل الذكرى تنفع المسؤول، والرحمة تنفع الضحايا.
٭ كاتبة من الجزائر