‭ ‬شخصية‭ ‬جلجامش‭ ‬في‭ ‬مسرحية‭ ‬للسويدي‭ ‬آبة‭ ‬لينده

حجم الخط
1

■‭ ‬في‭ ‬مسرحية‭ ‬‮«‬جلجامش‮»‬‭ ‬للسويدي‭ ‬آبة‭ ‬ليندة‭ ‬Ebbe Linde  ‬اهتمام‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬بشخصية‭ ‬الطاغية‭ ‬العادل،‭ ‬وليس‭ ‬بالصورة‭ ‬الرمزية‭ ‬لجلجامش،‭ ‬أو‭ ‬بالمبدأ‭ ‬الأساسي‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬الأسطورة‭ ‬تمثله،‭ ‬وهو‭ ‬الخلود‭. ‬

كان‭ ‬جلجامش‭ ‬كائنا‭ ‬محتارا‭ ‬وضائعا‭ ‬بين‭ ‬عدة‭ ‬خيارات،‭ ‬وأفرط‭ ‬في‭ ‬التسلط‭ ‬وكان‭ ‬ديكتاتورا‭ ‬لا‭ ‬يأبه‭ ‬بحدود‭ ‬الزمان‭ ‬أو‭ ‬المكان‭ ‬خلال‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬أنانياته‭ ‬الشخصية‭ (‬كما‭ ‬ورد‭ ‬على‭ ‬لسان‭ ‬المساعد‭ ‬ـ‭ ‬أحد‭ ‬أفراد‭ ‬الكورس‭). ‬وكان‭ ‬براغماتيا،‭ ‬وبرر‭ ‬فساده‭ ‬وسوء‭ ‬إدارته‭ ‬بتكاسل‭ ‬الإنسان‭ ‬البسيط‭ ‬وفشله‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬مستقبله‭. ‬وبرأيه‭: ‬‮«‬إن‭ ‬القوي‭ ‬يصبح‭ ‬ملكا‭ ‬والضعيف‭ ‬عبدا‮»‬‭.  ‬وأكد‭ ‬أن‭ ‬‮«‬ما‭ ‬يميز‭ ‬سومر‭ ‬عن‭ ‬الشعوب‭ ‬المجاورة‭ ‬هو‭ ‬الإرادة‭ ‬والعمل‮»‬‭. ‬وهذا‭ ‬بخلاف‭ ‬الأسطورة‭ ‬التي‭ ‬ترد‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬لمشيئة‭ ‬الخالق‭ ‬وللقدر‭. ‬‮«‬فالناس‭ ‬سواسية‭ ‬والقدر‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يحدد‭ ‬المصائر‭ ‬بدون‭ ‬أن‭ ‬يفرق‭ ‬بين‭ ‬عبد‭ ‬وسيد‭ ‬أو‭ ‬ميت‭ ‬ونائم‭ ‬كما‭ ‬ذكر‭ ‬أوتونبشتم‭ ‬في‭ ‬نصيحته‭ ‬لجلجامش‮»‬‭  (‬طه‭ ‬باقر‭).‬

‬مركز‭ ‬الوجود‭ ‬ومغزاه‭ ‬عند‭ ‬العراقي‭ ‬القديم‭ ‬عرضة‭ ‬للإرادات‭ ‬الفردية‭ ‬المتنازعة‭ ‬المليئة‭ ‬باحتمالات‭ ‬الفوضى

وفي‭ ‬السياق‭ ‬نفسه‭ ‬يقول‭ ‬ثوركلد‭ ‬جاكوبسن‭ : ‬إن‭ ‬مركز‭ ‬الوجود‭ ‬ومغزاه‭ ‬عند‭ ‬العراقي‭ ‬القديم‭ ‬عرضة‭ ‬للإرادات‭ ‬الفردية‭ ‬المتنازعة‭ ‬المليئة‭ ‬باحتمالات‭ ‬الفوضى،‭ ‬وهو‭ ‬يجابه‭ ‬قوى‭ ‬فردية‭ ‬جبارة‭ ‬لا‭ ‬تتبع‭ ‬إلا‭ ‬رغباتها،‭ ‬ويتضح‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬استعمال‭ ‬آبة‭ ‬ليندة‭ ‬أسلوب‭ ‬بناء‭ ‬المشاهد‭ ‬وتصوير‭ ‬المواقف‭ ‬وليس‭ ‬تطوير‭ ‬الشخصيات‭ ‬لتحريك‭ ‬الدراما‭ ‬وإغنائها‭. ‬ولذلك‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تلاحظ‭ ‬عدة‭ ‬فروق‭ ‬مهمة‭ ‬بين‭ ‬المسرحية‭ ‬والأسطورة‭ ‬السومرية‭. ‬وفي‭ ‬المقدمة‭ ‬أن‭ ‬ليندة‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يألو‭ ‬جهدا‭ ‬للإعراب‭ ‬عن‭ ‬دور‭ ‬التاريخ‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬الحبكة‭. ‬فقد‭ ‬تعامل‭ ‬مع‭ ‬العقل‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬أنه‭ ‬سطح‭ ‬عاكس،‭ ‬بمعنى‭ ‬أنه‭ ‬مرآة‭ ‬تعكس‭ ‬الأفكار‭ ‬ولا‭ ‬تصنع‭ ‬الأحداث‭. ‬وكان‭ ‬يعزو‭ ‬للعمل‭ ‬والكد‭ ‬والتعب‭ ‬قيمة‭ ‬إلهية،‭ ‬ويعتقد‭ ‬أن‭ ‬الإنسان‭ ‬لا‭ ‬يفنى‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬آثاره‭ ‬وليس‭ ‬بوجوده‭.‬

وبهذا‭ ‬المعنى‭ ‬يقول‭: ‬

أنظروا‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬المشاهد‭ ‬والقباب‭ ‬المزخرفة،

التي‭ ‬ستستمر‭ ‬في‭ ‬البقاء‭ ‬منتصبة،‭ ‬تزلزل‭ ‬الأرض‭.‬

يا‭ ‬شعبي‭! ‬في‭ ‬آثار‭ ‬ساعات‭ ‬الكدّ‭ ‬هذه،

تشيِّد‭ ‬أنت‭ ‬البناء‭ ‬الأشمخ‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬

في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬الأسطورة‭ ‬كانت‭ ‬خلاصة‭ ‬للحكمة‭ ‬التي‭ ‬وصلت‭ ‬إليها‭ ‬التجربة‭ ‬البشرية،‭ ‬ولذلك‭ ‬كان‭ ‬عنوان‭ ‬الملحمة‭ ‬الرسمي‭ ‬‮«‬هو‭ ‬الذي‭ ‬رأى‭ ‬كل‭ ‬شيء‮»‬‭ (‬طه‭ ‬باقر‭). ‬ويجب‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬التجربة‭ ‬في‭ ‬الأسطورة‭ ‬كانت‭ ‬خاصة‭ ‬بالنخبة‭ ‬كالملوك‭ ‬والجبابرة‭ ‬والسحرة،‭ ‬حتى‭ ‬أن‭ ‬فض‭ ‬أي‭ ‬نزاع‭ ‬أو‭ ‬حل‭ ‬مشكلة‭ ‬يكون‭ ‬بالاعتماد‭ ‬على‭ ‬القدرات‭ ‬الفردية‭. ‬وليس‭ ‬للشعب‭ ‬أي‭ ‬دور‭ ‬فاعل‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬نقل‭ ‬إنه‭ ‬غير‭ ‬موجود،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬تغييب‭ ‬أي‭ ‬دور‭ ‬للدولة‭. ‬لقد‭ ‬اهتمت‭ ‬الأسطورة‭ ‬برأس‭ ‬المجتمع،‭ ‬واختارت‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هجينا،‭ ‬نصفه‭ ‬إنسان‭ ‬ونصفه‭ ‬الآخر‭ ‬إله‭. ‬ولم‭ ‬تعول‭ ‬إطلاقا‭ ‬على‭ ‬العقل‭ ‬ولا‭ ‬البديهة،‭ ‬ووضعت‭ ‬كل‭ ‬أوراقها‭ ‬في‭ ‬خانة‭ ‬واحدة‭ ‬وهي‭ ‬العضلات،‭ ‬وكانت‭ ‬تتحكم‭ ‬بها‭ ‬الغرائز‭ ‬والإرادة‭ ‬أو‭ ‬الرغبة‭ ‬بالامتلاك‭. ‬إن‭ ‬أي‭ ‬قراءة‭ ‬للملحمة‭ ‬ستنتبه‭ ‬لدور‭ ‬البطل‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬المأساة،‭ ‬باعتبار‭ ‬أن‭ ‬القدرات‭ ‬الخارقة‭ ‬لا‭ ‬يمكنها‭ ‬تبديل‭ ‬القدر‭ ‬المكتوب‭ ‬سلفا‭. ‬وبهذا‭ ‬المعنى‭ ‬تقول‭ ‬سيدوري‭: ‬

‭ ‬لما‭ ‬خلقت‭ ‬الآلهة‭ ‬البشر‭ ‬قدرت‭ ‬الموت‭ ‬على‭ ‬البشرية

واستأثرت‭ ‬هي‭ ‬بالحياة‭ (‬طه‭ ‬باقر‭).‬

ويؤكد‭ ‬جلجامش‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‭ ‬بقوله‭:‬

أجل‭ ‬في‭ ‬مضجعي‭ ‬يقيم‭ ‬الموت‭ (‬طه‭ ‬باقر‭).‬

وتتوقف‭ ‬المسرحية‭ ‬مطولا‭ ‬عند‭ ‬النزال‭ ‬بين‭ ‬الأبطال‭ ‬والطبيعة‭. ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬مقسومة‭ ‬لثلاثة‭ ‬مشاهد،‭ ‬كل‭ ‬منها‭ ‬يرفع‭ ‬الستار‭ ‬عن‭ ‬مواجهة‭ ‬بين‭ ‬طرفين‭ ‬متكافئين‭. ‬الأول‭ ‬هو‭ ‬صراع‭ ‬جلجامش‭ ‬مع‭ ‬أنكيدو،‭ ‬وهو‭ ‬صراع‭ ‬رمزي،‭ ‬يحمل‭ ‬خلفه‭ ‬رغبة‭ ‬السلطة‭ ‬باستئناس‭ ‬من‭ ‬يهدد‭ ‬امتيازاتها‭. ‬وغني‭ ‬عن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬أنكيدو‭ ‬في‭ ‬المسرحية‭ ‬كان‭ ‬خطرا‭ ‬على‭ ‬خزينة‭ ‬الدولة‭. ‬والثاني‭ ‬هو‭ ‬صراع‭ ‬أنكيدو‭ ‬مع‭ ‬الحمى‭ ‬وتعرضه‭ ‬للهلاك‭. ‬وأعتقد‭ ‬أن‭ ‬الموت‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬هو‭ ‬سبب‭ ‬وليس‭ ‬نتيجة‭. ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬الموت‭ ‬في‭ ‬مسرحية‭ ‬ليندة‭ ‬مرضا‭ ‬سياسيا،‭ ‬واستسلام‭ ‬أنكيدو‭ ‬لإغراء‭ ‬المرأة‭ ‬الفاتنة‭ ‬يحمل‭ ‬في‭ ‬طياته‭ ‬معنى‭ ‬الهزيمة،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يسميه‭ ‬فرويد‭ ‬الخصاء‭. ‬ويمكن‭ ‬هنا‭ ‬التذكير‭ ‬بمعادلة‭ ‬فرويد‭ ‬المعروفة‭: ‬إن‭ ‬ممارسة‭ ‬الحب‭ ‬تفترض‭ ‬خسارة‭ ‬الرجل‭ ‬لعضوه‭ ‬أو‭ ‬خصائه‭. ‬وفي‭ ‬المسرحية‭ ‬عدة‭ ‬قرائن‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬المعنى،‭ ‬فأنكيدو‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬ضعف‭ ‬وانكشاف‭ ‬يعاتب‭ ‬حبيبته‭ ‬آيلة‭ ‬ويقول‭ ‬لها‭:‬

ملعونة‭ ‬روحك‭ ‬التي‭ ‬أطفأت‭ ‬روحي‭ ‬

ثم‭ ‬يضيف‭ ‬بلهجة‭ ‬حانقة‭ ‬وواضحة‭:‬

لقد‭ ‬منحت‭ ‬الدمار،‭ ‬وستكون‭ ‬حياتك‭ ‬دماراً‭ ‬

ثم‭ ‬يختم‭ ‬عتابه‭ ‬بقوله‭:‬

ستحملين‭ ‬ازدراء‭ ‬محبيك‭.‬

ولكن‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يربط‭ ‬هذا‭ ‬الموت‭ ‬بالهزيمة‭ ‬والسقوط‭ ‬مثل‭ ‬جلجامش‭ ‬الذي‭ ‬يندب‭ ‬صديقه‭ ‬بقوله‭:‬

أنا‭ ‬الآن‭ ‬ملك‭ ‬على‭ ‬الأشباح‭ ‬وفضلات‭ ‬الخيل

وعلى‭ ‬البريق‭ ‬الخادع‭ ‬القصير‭ ‬للحظات‭ ‬المساء‭.‬

ثم‭ ‬يتخلى‭ ‬عن‭ ‬تاجه‭ ‬وصولجانه،‭ ‬ويرسم‭ ‬مشهدا‭ ‬لبقايا‭ ‬معركة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تجد‭ ‬مثله‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬حربية‭ ‬معروفة‭ ‬كـ»الهزيمة‮»‬‭ ‬لألكسندر‭ ‬فادييف‭ ‬أو‭ ‬‮«‬القوزاق‮»‬‭ ‬لتولستوي‭.‬

وقد‭ ‬تفاقمت‭ ‬الدراما‭ ‬بعد‭ ‬استسلام‭ ‬أنكيدو‭ ‬لأحضان‭ ‬آيلة‭ ‬باتجاه‭ ‬المأساة،‭ ‬مثلما‭ ‬جرى‭ ‬مع‭ ‬آدم‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬حادثة‭ ‬التفاحة‭ ‬والاستسلام‭ ‬لإغراء‭ ‬حواء‭. ‬وبالنتيجة‭ ‬هبط‭ ‬أنكيدو‭ ‬لعالم‭ ‬الأرواح‭ ‬وتبعه‭ ‬جلجامش‭ ‬لمملكة‭ ‬الظلام‭. ‬ومن‭ ‬حسن‭ ‬الحظ‭ ‬أن‭ ‬الظلام‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬الشر‭ ‬والمكائد‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يشير‭ ‬لفساد‭ ‬وتفكك‭ ‬المجتمع‭. ‬وبعبارة‭ ‬أوضح‭ ‬لاندحار‭ ‬الأخلاق‭ ‬وندرة‭ ‬الموارد،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬الموارد‭ ‬الذاتية‭ ‬للعاطفة‭. ‬وبتعبير‭ ‬أوبارتوتو‭: ‬لقد‭ ‬فقدنا‭ ‬الخدمات‭ ‬الإنجيلية‭ ‬وتحولنا‭ ‬إلى‭ ‬عبيد‭ ‬لدى‭ ‬مديري‭ ‬المكاتب‭. ‬

ويبقى‭ ‬المشهد‭ ‬الثالث‭ ‬والأخير،‭ ‬وهو‭ ‬خاص‭ ‬بتفسير‭ ‬علاقة‭ ‬الإنسان‭ ‬مع‭ ‬عطاء‭ ‬الطبيعة‭ ‬والوعي‭ ‬أو‭ ‬منحة‭ ‬وفوائد‭ ‬المعرفة‭. ‬ومن‭ ‬الواضح‭ ‬أنها‭ ‬معرفة‭ ‬تاريخية‭ ‬تتحدد‭ ‬بالصراع‭ ‬على‭ ‬الموارد،‭ ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬المأساة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬الأسطورة‭ ‬يخفت‭ ‬صوتها‭ ‬ليرتفع‭ ‬صوت‭ ‬الكوارث‭ ‬والنزاعات‭. ‬وتحتدم‭ ‬الحبكة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬لتعبر‭ ‬عن‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬اللحظات‭ ‬دموية‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬البشر،‭ ‬وهي‭ ‬الحروب‭ ‬التي‭ ‬يقر‭ ‬الملك‭ ‬جلجامش‭ ‬علنا‭ ‬بأنها‭ ‬صراع‭ ‬بين‭ ‬حب‭ ‬السيطرة‭ ‬وغريزة‭ ‬الامتلاك‭ ‬والبقاء‭. ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬تفسير‭ ‬المسرحية‭ ‬للموت‭ ‬والغياب‭ ‬تفسيرا‭ ‬استعماريا،‭ ‬ويحمل‭ ‬صلف‭ ‬الإمبريالية‭ ‬بحب‭ ‬التوسع‭ ‬والتملك‭. ‬ويدخل‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المضمار‭ ‬امتلاك‭ ‬المعرفة‭ ‬ووسائل‭ ‬الإدراك‭ ‬وأدوات‭ ‬تعميم‭ ‬وتدوين‭ ‬الذاكرة‭. ‬ويمكنك‭ ‬القول‭: ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬ينتهي‭ ‬بصناعة‭ ‬تاريخ‭ ‬عاطفي‭ ‬للإنسان،‭ ‬وهو‭ ‬تاريخ‭ ‬تحدوه‭ ‬رغبات‭ ‬الأقوياء‭ ‬وشعورهم‭ ‬المتزايد‭ ‬بالرهبة‭ ‬والضعف،‭ ‬ولذلك‭  ‬يقول‭ ‬أرشكيجال‭:‬

ليست‭ ‬الآلهة‭ ‬واضعة‭ ‬الشريعة،‭ ‬إنها‭ ‬مصلحة‭ ‬المجمع،

الآلهة‭ ‬نفسها‭ ‬تقف‭ ‬تحت‭ ‬طائلة‭ ‬شريعة‭ ‬المجمع‭.‬

وإذا‭ ‬كانت‭ ‬رحلة‭ ‬جلجامش‭ ‬الأخيرة‭ ‬في‭ ‬الظاهر‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬صديق‭ ‬عمره‭ ‬أنكيدو،‭ ‬فهي‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬للتعرف‭ ‬على‭ ‬عدوه‭ ‬القوي‭ ‬الذي‭ ‬سلبه‭ ‬الحق‭ ‬بتقرير‭ ‬مصير‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬رعاياه‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬الرحلة‭ ‬يخالف‭ ‬ليندة‭ ‬الأسطورة‭ ‬بثلاث‭ ‬نقاط‭ ‬مهمة‭.‬

1-‭ ‬يصنف‭ ‬عشتار‭ ‬بين‭ ‬آلهة‭ ‬الهلاك‭ ‬أو‭ ‬الموت‭ ‬مع‭ ‬أنها‭ ‬إلهة‭ ‬للحب‭ ‬والخصوبة‭ ‬عند‭ ‬البابليين‭. ‬ويواجه‭ ‬الإنسان‭ ‬بهذا‭ ‬الخصوص‭ ‬مشكلة‭ ‬محيرة،‭ ‬لماذا‭ ‬اختارت‭ ‬أسطورة‭ ‬سومرية‭ ‬أصلا‭ ‬اسم‭ ‬عشتار‭ ‬وليس‭ ‬إنانا،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬مفروض‭. ‬وكيف‭ ‬تسنى‭ ‬للأسطورة‭ ‬أن‭ ‬ترسم‭ ‬صورتها‭ ‬في‭ ‬الظلام‭ ‬وبين‭ ‬الأرواح؟

2-‭  ‬ثم‭ ‬إنه‭ ‬يقفز‭ ‬من‭ ‬فوق‭ ‬أسطورة‭ ‬الطوفان‭. ‬ومن‭ ‬المعروف‭ ‬أن‭ ‬الغمر‭ ‬بالماء‭ ‬سلاح‭ ‬ذو‭ ‬حدين،‭ ‬فهو‭ ‬رمز‭ ‬للتعميد،‭ ‬وهو‭ ‬تعميد‭ ‬وجودي‭ ‬يشمل‭ ‬كامل‭ ‬كوكب‭ ‬الأرض‭. ‬بمعنى‭ ‬أنه‭ ‬يبارك‭ ‬للأرض‭ ‬بالنشوء‭ ‬والخلق،‭ ‬لكنه‭ ‬أيضا‭ ‬ينذر‭ ‬بكارثة‭ ‬شاملة‭ ‬تهدد‭ ‬حياة‭ ‬كل‭ ‬المخلوقات‭ ‬بدون‭ ‬تمييز‭ ‬بين‭ ‬نبات‭ ‬وحيوان‭ ‬وبشر‭. ‬وكما‭ ‬يقول‭ ‬جاكوبسن‭: ‬الماء‭ ‬هو‭ ‬مصدر‭ ‬الفعل‭ ‬والحركة‭ ‬ومصدر‭ ‬الأشياء‭ ‬الجديدة‭.‬

3-‭ ‬و«أيضا‭ ‬إنه‭ ‬يؤسس‭ ‬لدولة‭ ‬قومية‭ ‬لها‭ ‬نشاط‭ ‬سياسي،‭ ‬بينما‭ ‬الأسطورة‭ ‬تهتم‭ ‬بدولة‭ ‬المدينة،‭ ‬وهي‭ ‬طبقية‭ ‬بامتياز‭ ‬وتتكون‭ ‬من‭ ‬الغابات‭ ‬والسهول‭ ‬التي‭ ‬تحيط‭ ‬بها‭ ‬ومن‭ ‬الساحات‭ ‬والأسواق‭ ‬التي‭ ‬تحيط‭ ‬بالمعبد‭ ‬حيث‭ ‬تستريح‭ ‬الآلهة‭ ‬وتسخر‭ ‬البشر‭ ‬لخدمتها‮»‬‭. ‬بتعبير‭ ‬آخر‭ ‬إن‭ ‬في‭ ‬المسرحية‭ ‬نشاطا‭ ‬سياسيا‭ ‬بينما‭ ‬الأسطورة‭ ‬لا‭ ‬ترى‭ ‬إلا‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭. ‬

4-‭ ‬وأخيرا‭ ‬إنه‭ ‬يوظف‭ ‬الشخصيات‭ ‬التقليدية‭ ‬التي‭ ‬وردت‭ ‬في‭ ‬المسرح‭ ‬الكلاسيكي‭ ‬أو‭ ‬مسرح‭ ‬الحكمة‭ ‬لا‭ ‬الأسطورة‭ ‬مثل‭ ‬الراوي‭ ‬والجوقة‭ ‬والكورس‭ ‬والقيثارة‭… ‬وأستطيع‭ ‬أن‭ ‬أجد‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬النقطة‭ ‬إشارة‭ ‬واضحة‭ ‬لمؤثرات‭ ‬من‭ ‬شكسبير‭ ‬ولاسيما‭ ‬‮«‬العاصفة‮»‬‭. ‬فهي‭ ‬عمل‭ ‬طبقي‭ ‬بامتياز،‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬بتفسير‭ ‬الصــراع‭ ‬على‭ ‬أســاس‭ ‬الطبــائع،‭ ‬ولكن‭ ‬أيضا‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬المهنة‭ ‬والــــثروة‭ ‬أو‭ ‬مكانة‭ ‬الإنســان‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭. ‬ويبدو‭ ‬أن‭ ‬ليندة‭ ‬وشكسبير‭ ‬وظفا‭ ‬العنــاصر‭ (‬مصادر‭ ‬الطبيعة‭ ‬والنفس‭ ‬البشرية‭) ‬على‭ ‬قدم‭ ‬سواء،‭ ‬للإعراب‭ ‬عن‭ ‬مشكلة‭ ‬الإنسان‭ ‬مع‭ ‬مصيره‭. ‬ولا‭ ‬أظن‭ ‬أن‭ ‬المقصود‭ ‬هنا‭ ‬هو‭ ‬القدر‭ ‬ولكن‭ ‬الظرف‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وقوانين‭ ‬المرحلة‭ ‬أو‭ ‬التاريخ‭.‬

٭‭ ‬كاتب‭ ‬سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية