آلام غير كافية

ها لقد بلغت الروح التراقي في الوطن العربي الكبير الفسيح من الماء إلى الماء كما يقولون، فبدءاً من المملكة المغربية والجمهورية الجزائرية المهددتين بكارثة لم تقع فيهما بعد، غير أن الخطر قائم بالتأكيد، فمن هناك يبدأ الجهل والتعصب الأعمى والطمع الجنوني بالسلطة أو بالإحتفاظ بها حتى وإن لم يبق في البلاد حجر على حجر ـ كما يقولون أيضاً ـ وتُسحق أرواح الملايين لا الألوف تحسب من الأبرياء حتى تكاد تباد طائفة دينية بأكملها أو تطرد من بيوتها التي تقطنها منذ مئات السنين وتُدفع بالقوة إلى هجرة تعسفية باسم الدين والخلق العظيم.
تونس وحدها نجت حتى الآن مؤقتا مما حدث ويحدث في شقيقاتها ليبيا الممزقة مروراً بمصر ـ أم الدنيا ـ المهددة بمعارضة دائبة إلى فلسطين المنكوبة منذ ما يقارب المئة عام وأعني منذ اقتحام الجيش البريطاني إياها في أواخر الحرب العالمية الأولى إلى اغتصاب أرضها على يد الصهاينة ونشوء ما سُمي بدولة إسرائيل فإلى سوريا حيث يكافح النظام الحاكم بكل طاقاته وطاقات أنصاره للاحتفاظ بالسلطة ضد معارضة ثائرة تكافح أيضا بكل طاقاتها للقضاء على النظام الحاكم بأمره منذ أكثر من أربعين عاماً إلى العراق المهدد بخطر كبير غير مسبوق وهو ظهور معارضةٍ من نوع آخر ممثلةٍ بدولةٍ دينية إسلامية ـ كما يقول أصحابها ـ تكاد تغدو أمراً واقعاً لا مفر منه يفتتُ بلاد الشام إلى دويلات صغيرة يأكلها الفقر والرعب والتعصب بل والتخلف أيضاً.
وحدها مملكة الأردن ودول الخليج العربي قد نجت نسبياً من هذا المشهد الفاجع ـ ما عدا اليمن بالطبع المهدد بنشاط للحوثيين يكاد لا يهدأ في إزعاج النظام الحاكم الجديد هناك فماذا حدث إذن، وما عساه يحدث من بعد إذا ظل هذا النزيفُ الدمويّ والخرابُ الروحي ـ المادي مستمرين سنوات أخرى بلا طائل يُذكر؟.
لا شك أن هذه الأوطان العزيزة جداً على قاتليها ومحبيها بحاجة إلى التغيير بعد هذا التاريخ المرير من الإستبداد الممتد منذ نشوء الدولة الأموية إلى أيامنا هذه أي منذ أكثر من ألف عام إلا من فترات قصيرة نادرة لخلفاء حكموا حقاً بالعدل والرحمة مثل عمر بن عبد العزيز وقلةٍ غيره. ويجب أن يكون هذا التغيير عميقاً وجذرياً كي يُسمح لنا بمكان في قطار الحضارة الحديثة المتطورة دونما انقطاع يُذكر، وبهذا المعنى يمكن القول إن ما يُسمى بالربيع العربي أشبه ما يكون بزلزالٍ عنيفٍ قلب الأرض على ساكنيها وأحدث تغييراً لن تظهر نتائجه المتقدمة إلا بعد نصف قرن أو قرن بأكمله من التخبط وإعادة الاعمار وصولاً إلى نظام ديمقراطي بحق. ومن يدري فقد تطول مدة إعمار النفوس أكثر من إعمار الخراب المادي فالعالم المتقدم حقاً في الغرب أو الشرق يواصل تقدمه الحضاري بسرعة البرق أحياناً فكيف في الإمكان اللحاق بالعالم المتقدم هذا ونحن ما زلنا كما نحن عليه منذ مئات السنين؟.
لا نقول هذا لكي ندافع عن الأنظمة المستبدّة باسم الاستقرار والأمن المستتب إذ لا بد اولاً من إزاحة هذه الأنظمة جانباً ذلك لأن الإستبداد أضخم وأعند عقبة في طريق التقدم وعلى الأخص إذا كان هذا الإستبداد مصحوبا بالتخلف في حقول الصناعة والزراعة والثقافة وغيرها من حقول التقدم.
نعم نحن مع التغيير شريطة أن يكون تغييراً متواصلاً نحو الأمام وعندئذ لا بد من تحمل الآلام التي تصاحب عادة المراحل الأولى للتغيير فهل نحن مستعدون حقاً لتحملها؟..
إننا لم نتألم بعد كما يبدو بما فيه الكفاية!…

شوقي بغدادي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية