آمال وأحلام فقراء قطاع غزة المحاصر تذبح على أعتاب الحدود

حجم الخط
0

غزة – «القدس العربي»: على أقصى الحدود الجنوبية الشرقية لقطاع غزة يقع معبر تجاري إسرائيلي يسمى «كرم أبو سالم» منه تدخل إسرائيل وفق حسابات محددة بضائع بكميات قليلة لسكان قطاع غزة، وفي نهاية حدود القطاع الجنوبية مع مصر، كانت هناك حتى أشهر قليلة ماضية مئات الأنفاق أسفل الأرض، تتعدى حدود القطاع، لتمر إلى الجانب المصري، وكانت تستخدم في إدخال بضائع بغير حساب إلى المحاصرين.
ومع تغير الأوضاع الميدانية والسياسية في مصر، وفي ظل إطباق إسرائيل مجددا لقبضة الحصار وتشديد الإجراءات العسكرية، تحولت حياة الغالبية العظمى من سكان غزة الى جحيم.
الغالبية من سكان غزة باتوا في خانة الفقراء، فمن الشمال عدلت إسرائيل منذ تشرين الاول/أكتوبر الماضي عن قرار أتخذته كان يسمح بتمويل السكان بكميات قليلة من مواد البناء، ومن الجنوب أطبق الجيش المصري على غير عادته طوال السنوات الماضية الحصار، فردم الأنفاق وحال دون وصل إحتياجات غزة المتبقية من مواد البناء والمواد الخام.
وحسب أخر أرقام قدمها الجيش المصري فقد أعلن عن قيامه منذ بدء العملية العسكرية في سيناء بردم أكثر من 1700 نفق تهريب.
ولم تمر سوى أيام على تلك القرارات والخطوات الميدانية العملية حتى أطبق الحصار أكثر على غزة وبدأ السكان وكأنهم يعيشون أيامه الأولى.
ففي الجانب الإسرائيلي لم يحتج الساسة سوى الى إصدار أمر للقيادة العسكرية، لتحول دون وصول مواد البناءمن المعبر التجاري «كرم أبو سالم» الخاضع لتشديدات أمنية كبيرة، وفي الجانب المصري إحتاج تطبيق قرار ردم الأنفاق إلى الدفع بقوات أمنية وفرق سلاح الهندسة، فاستطاعت منذ الشهر الأول، وفور عزل الرئيس السابق محمد مرسي، في يوليو/تموز الماضي الحد من وصول البضائع وفي مقدمتها مواد البناء، إلى أن شلت العملية بالكامل في الشهر الثاني من الحملة، التي دمرت أكثر من 1000 نفق.
وبين ليلة وضحاها أصبح منير خضر عاطلا عن العمل، والتحق بركب عشرات آلاف عمال الإنشاء والبناء، ويقول أن نجله الأكبر تعذر عليه الإلتحاق بجامعته في الفصل الدراسي الحالي، بعد أن نفد ما بحوزته من أموال، وبات عاجزا القدرة حتى عن السلف من الآخرين. منير الآن يشغل وقته اليومي بالصحو من النوم متأخرا، والجلوس على قارعة الطريق القريبة من المنزل، يدخن السجائر، ويتبادل الحديث مع عدد من جيرانه، وهم من العاطلين عن العمل، قبل أن يعود مجددا للمنزل إما للنوم أو لتناول الطعام.
ويشير إلى تبدل الكثير من العادات الأسرية، فيقول أنهم محرومون الآن مثلا من شراء اللحوم لإرتفاع ثمنها، ومن شراء الملابس.
وحاله ليس بعيدا عن أحوال عشرات آلاف العمال الذين تعطلوا قسرا عن أعمالهم، لنفاد مواد البناء، فأحدهم ويدعى باسم حجازي وكان يعمل مقاول إنشاءات في شركة صغيرة، يسرد معاناة أسرته بحرقة، فالرجل منذ سبعة أشهر، لم يعمل إلا لشهر ضمن حملة لتشغيل البطالة.
«الآن مثلا لم اعد أستطيع زيارة الأقارب، ولا يمكن أن أشتري ما أريد، ولا أعرف كيف سأدبر أموري مستقبلا». ويأمل بأن تنهي مصر حملات ملاحقة عمليات التهريب وتسمح بإدخال مواد بناء إلى قطاع غزة، ويقول أن عجلة العمل ستعود للدوران من جديد.
وتشير تقارير لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين «الأونروا» إلى إرتفاع نسبة البطالة والفقر جراء إغلاق أنفاق التهريب، وأعلنت الوكالة الدولية أن الأسابيع الأخيرة شهدت تدهوراً حاداً في الأوضاع المعيشية لسكان قطاع غزة جراء إغلاق معبر رفح الحدودي، وردم الأنفاق.
ففي غزة يقولون أن هناك أكثر من 35 حرفة تتوقف على توفر «الأسمنت» بدءا من بأعمال البناء، ومرورا بأعمال السباكة والنجارة وإنتهاء بأعمال الدهان.
وطلب مفوض «الأونروا» من كل من إسرائيل ومصر رفع الحصار المفروض على غزة، وقال وهو يصف مرارة الحصار أنه «الأطول في التاريخ» وذكر مصر بالتزاماتها تجاه المرضى والطلاب الذين هم في حاجة ماسة الى السفر، في إشارة إلى ضرورة فتح معبر رفح البري.
وفي غزة قدرت حكومة حماس التي كانت تحكم قبل تشكيل حكومة التوافق الوطني نسبة الخسائر المالية جراء إغلاق الأنفاق بأكثر من 250 مليون دولار.
وحضر الغزيون أنفاق التهريب مع بداية إحكام إسرائيل حصارها عليهم قبل سبع سنوات، وهي على شكل ممرات أرضية، بينها الكبيرة التي كانت تدخل مواد البناء والعربات والوقود، والكثير من السلع.
وساهمت هذه الأنفاق في الفترة السابقة في إنعاش اقتصاد غزة، والحد من أعداد البطالة، وجعلت عجلة العمل تدور بشكل أنسى السكان شيئا من همومهم.
ففي الفترة السابقة ومن خلال تهريب مواد البناء من الأنفاق، شيدت في القطاع بنايات سكنية كثيرة، وانتعشت الأسواق بشكل عام مع توفر الأموال بين يدي العمال.
ومن منطقة الشريط الحدودي مع مصر حيث الأنفاق، كانت عشرات الشاحنات تنقل يوميا كميات كبيرة من السلع إلى أسواق غزة.
ومع بلوغ التشديدات المصرية ذروتها نفدت غالبية البضائع المصرية من الأسواق، وأختفت من أرفف المحال التجارية.
ومن المؤكد أن تتصاعد حدة الأوضاع الإنسانية والفقر في القطاع الساحلي، في ظل عدم وجود أفق لإنهاء مسببات الأزمة، رغم تمكن الفلسطينيين من تشكيل حكومة توافق حلت بدلا من حكومة حماس، التي كانت كل من مصر وإسرائيل ترفض التعامل معها، إلا ان إسرائيل لم تنه الحصار المفروض على غزة، بل شددت من قبضتها، وكذلك لم تفتح مصر معبر رفح البري الرئة والمتنفس الوحيد لسكان القطاع في السفر، وبقي على حاله مغلقا، يعاد فتحه على أيام متباعدة للحالات الإنسانية والمرضى والطلبة، بشكل لا يفي بحاجة الغزيين.

أشرف الهور

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية