آندي وارهول في معرض استعادي تحتضنه اسطنبول

حجم الخط
0

من الطبيعي أن لا تكون الصالة مزدحمة بزوار المعرض الإستعادي لفنان الـ»بوب آرت»، الأمريكي آندي وارهول، كون المعرض افتتح في 7 أيار/مايو الماضي، لكن العشرات كانوا يتنقلون بين الطابقين الرابع والخامس في متحف بيرا Pera Museum في قلب اسطنبول، قبل حوالي أسبوع من اختتامه.
انحاز الفنان الأمريكي آندي وارهول (1928-1987) منذ بداياته إلى فن الهامش، فكان بذلك أحد الأعلام البارزين والمؤسسيين لما سيعرف بـ «بوب آرت». بدأ حياته الفنية مبكراً بعد تخرجه في معهد كارنيغي للتكنولوجيا في حزيران/يونيو عام 1949، في وقت بالكاد بدأت فيه الأفكار التحررية المجتمعية، التي ستؤسس لمجتمع العولمة والقرية الكونية الواحدة بالمقاييس الغربية، خطواتها الأولى.
وصلت تلك الأفكار غايتها في منتصف ستينيات القرن الماضي، بثورة تحرر المرأة، التي سارت ناعمة ابتداء من التغيير الصارخ في مفهوم تصميم الأزياء في الحياة الأمريكية خاصة، وصولاً إلى النزق الممارس في الاحتجاجات والمتمثل في خلع حمالات الصدر تعبيراً عن رفض القيود، دون أن ننسى أن ذلك كان يجري بطابع سياسي غير مباشر، لكنه غير منفصل عن معمعة الرفض المعلن للحرب الأمريكية على فيتنام. كل ذلك جعل المرحلة ما بعد تراجع المكارثية في نهاية عقد الخمسينيات، تنتج فناً يواكب المرحلة، ابتداء من الغرافيتي على جدران الأحياء الفقيرة في نيويورك، مروراً بتصميم عبوات المنتجات الاستهلاكية اليومية.
سخَّر وارهول مفردات العالم الاستهلاكي «غير المحترمة» وغير المقدَّرة، التي توصف بالبالية و»المستهلكة» وأعاد صياغتها في قوالب غير تقليدية أعطتها معنى جديداً قريباً من الفن، مبتعداً بها عن النظرة الدونية التي كانت توصف بها قبل وارهول. والمفارقة هنا أنه كان يسخَر في فنّه من «الأيقونات العصرية»، ليجد بعد حين أن لوحاته أصبحت أيقونات أيضاً في العالم، ممهداً بذلك دون وعي لقدوم فن الملصق.
بدأ بتصميم زجاجة كوكا كولا، وبعدها علب حساء «كامبل» ثم انتقل في حياته المهنية إلى رسم الأحذية وتصميمها، وإلى رسم بورتريهات لمشاهير عصره (ميك جاغر، تيدي روزفلت، مارلين مونرو، لينين (بالأحمر، ثم بالأزرق)، فرويد، إينشتاين، كافكا، سارة برنار، مايكل جاكسون…)، دون ان ينسى نصيبه من الفن الخاص به كفنان، فمارس ما ليس بالتجاري، وغير المرتبط بـ»مبيعات» بورتريهات المشاهير، فرسم رؤوس الحيوانات، والأقنعة والوجوه الهندية.
يعتمد وارهول تقنيات فنية كلاسيكية، بالرسم بالزيت على القماش، أو بقلم الرصاص على الورق في بعض لوحاته، غير أن هذه التقنيات لم تعد تتسع لجنون فن الـ»بوب آرت»، فاعتمد تقنية الصورة، بإضفاء مؤثرات بصرية تنتمي لعصر ما قبل الكمبيوتر، وما قبل الفن الرقمي.
وهذا طبيعي، كون الفن الذي يرفض الأفكار المستقرة سيبحث عن طرق تعبيره الخاصة، وأدواته الخاصة بهذا التعبير، كثورة تقنية فنية رفضت البنى القائمة وحاولت أن تستعيض عن القديم بكل جديد، لكن دون أن ننسى أن وارهول درس الفن أكاديمياً، وأتقن كلاسيكياته، ومن هنا كان اختياره أن يتجاوز القواعد التي أتقنها، فلم يقلد فناناً، ولا أسلوباً، ولا فكرة، وهذا هو باختصار حال الفنانين الكبار في كل زمان ومكان. ومع ذلك لا نغفل أن الفن التجاري أخذه يميناً مرة، ويساراً مرة، مفضلاً عالم الأضواء والمال على الحالة الفنية الخالصة، ولا غرابة في هذا، كونه صرح مرات أنه لا يقرأ، ويكتفي بممارسة موهبته في الرسم فقط.
يبقى أن خيارات وارهول الفريدة وغير المطروقة أتاحت له الاختلاط بمشاهير الفن والسياسة، وعالم هوليوود المبهر، مجرباً التنقل بين معظم جوانب الفن، وطارت به شهرته إلى أنحاء الأرض الأربعة، ومازال العالم يحتفي به حتى بعد أكثر من ربع قرن على وفاته.

٭ كاتب وصحافي سوري

سيرة
• ولد الفنان باسم أندرو وارهولا عام 1928 في حي سوهو الفقير في مدينة بيتسبرغ بولاية بنسلفانيا، وكان الابن الأصغر لعائلة مكونة من ثلاثة أفراد.
• التحق في عام 1945 بمعهد كارنيجي للتكنولوجيا، وتخرج فيه 1949 بدرجة البكلوريوس في الفنون الجميلة قسم تصميم الصور.
• أثار ضجة كبيرة بعد رسم لوحته المشهورة «حساء كامبل» عام 1962، فدخل عالم المشاهير.
• أظهر مواهب أخرى في مجالات السينما والنشر والكتابة والتلفزيون والموسيقى، مستفيداً من قربه من الوجوه الهوليوودية، حيث رسم عام 1962 مارلين مونرو وإلفيس بريسلي، من بين نجوم كثيرين، وأنجز 12 بورتريهاً لـ»قطة هوليوود المدللة» إليزابيث تايلور، ممهداً لدخوله عالم السينما عام 1963 منتجاً لعدد من كلاسيكيات السينما الطليعية من بين 60 فيلماً أنتجها على مدى خمس سنوات، ومنها: النوم (1963) ، الإمبراطورية (1963)، كيس (1964)، وتشلسي والفتيات (1966).
• في 3 حزيران/يونيو 1968، دخل عليه رجل كان ظهر في فيلم لوارهول اسمه الرجل (1967)، وأطلق النار عليه فأصابه في صدره إصابة كادت تقتله.
• توفي في مدينة نيويورك يوم 22 شباط /فبراير 1987، بسبب مضاعفات أعقبت عملية جراحية لاستئصال المرارة.
• في عام 1988، أقيم مزاد علني لأعماله على مدى عشرة أيام، جمعت من خلاله مؤسسة وارهول للفنون البصرية أكثر من 20 مليون دولار.
• وفي عام 1989، أعلن في بيتسبرغ عن افتتاح متحف خاص لأعماله.

علي العائد

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية