متابعة لما كتبته في الأسبوع الماضي حول اقتراح منع النقاب الذي أثار جدلا كثيرا، أود أن أتطرق إلى موضوع آخر يشكل مظهرا آخر من مظاهر استعباد المرأة واضطهادها وتنميطها والتعدي على كرامتها، وهو موضوع الختان المنتشر في 29 بلدا، من بينها على الأقل سبع دول عربية تقف مصر والسودان على رأس القائمة، ويطال بآثاره المدمرة 130 مليون امرأة. إن فرض النقاب على المرأة وتغطية وجهها بحجة أنه فتنة، وإخضاعها لعملية الختان التي تشوه ما منحها الله بحجج بدائية مغرقة في التخلف مظهران متكاملان من عملية إخضاع المرأة ومسخها وتشويه نفسيتها.. وقد أكدت أكثر من مرة أني سأظل مدافعا عنيدا عن حقوق المرأة والنضال من أجل أن تصبح متساوية تماما مع الرجال في الحقوق والواجبات والفرص، والانطلاق نحو تحقيق الذات، إذ لا يمكن للمجتمعات أن تنهض وللتقدم أن يستقر وللنمو أن يتسع وللإبداع أن يزدهر، ونصف المجتمع مهمش خاصة في عصر العلوم والتكنولوجيا والمهارات الفنية والتقنية والتسابق بين براءات الاختراع، وليس على طريقة نضالات جميل بثينة «وأيّ جهادٍ غيرهن أريدُ». وما دامت المرأة لا تتحرر عقليا عن طريق العلم والثقافة والتجربة فستبقى سجينة داخل جسدها الذي يملكه والدها أو أخوها ويبيعه لزوجها إلى أن تنتقل إلى الدار الأخرى.
الجذور الفرعونية للظاهرة الغريبة
تعود هذه الظاهرة الغريبة إلى عصور موغلة في القدم. وقد اختلف العلماء على مصدر هذه الظاهرة الغريبة التي تتعلق بحرمان المرأة من المتعة الجنسية، كي تحافظ على عفتها. ومن المرجح أن تكون قد انطلقت من السودان أو من جنوب مصر. فهناك إشارات باللغة الهيروغليفية التي استخدمها قدماء الفراعنة إلى بنت غير مختونة على لوح موجود في المتحف المصري يعود للمملكة الوسطى بين عامي 1991-1786 قبل الميلاد. كما أن إحدى أوراق البردي التي تعود للعصر اليوناني في مصر عام 163 قبل الميلاد تحدثت عن ختان فتاة مصرية تدعى تاثيمس. وقد تحدث أكثر من مؤرخ أو طبيب يوناني في القرنين الخامس والسادس للميلاد عن عمليات الختان بالتفصيل.
إذن لنتفق على أن هذه العادة ليس لها ما يبررها من الناحية الإسلامية، وأنها إنتشرت قبل الإسلام في وادي النيل ومنها إلى مناطق أفريقية ثم آسيوية أخرى، وأصبحت عادة متبعة يمارسها الناس بدون أن يفكروا بعواقبها أو آثارها المدمرة أو التعقيدات الصحية التي تلازمها أو تنتج عنها. لقد استمرت هذه العادة الذميمة بدون تسليط الأضواء عليها وعلى أضرارها، إلى أن تناولتها الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة ضمن برامجها التعبوية والتنموية المتعلقة بحقوق المرأة، منذ سبعينات القرن الماضي. وقد قامت منظمة الصحة العالمية واليونسيف وصندوق الأمم المتحدة للسكان عام 1997 بالاتفاق على تعريف موحد لظاهرة ختان الإناث، يشمل كافة أنواعه المتعارف عليها، سواء الختان الجزئي أو الفرعوني. وقد اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2012 في دورتها السابعة والستين القرار 67/146 الذي يعتبر ختان الإناث انتهاكا لحقوق الإنسان المتعلقة بالمرأة. وقد بدأت منظمة الصحة العالمية تتخلى عن مصطلح ختان الإناث كي لا يرتبط بختان الذكور، وكأن العملية فقط ممارسة طبيعية تطبق على الجنسين وبدأت تستعمل مصطلح «تشويه الأعضاء التناسلية» للمرأة.
ووفقا لمنظمة الصحة العالمية لا يوجد هناك أي فائدة لختان الإناث، بل كله ضرر في ضرر. فالختان يؤدي إلى إتلاف الأنسجة التناسلية الطبيعية للإناث، ويتعارض مع الوظائف الطبيعية لكل جزء من جسم المرأة، وبالتالي يتم تشويه أبدي للخلقة الطبيعية للمرأة، وتعطيل لوظائف حيوية كان يمكن للأجزاء المبتورة تأديتها والمتعلقة بالصحة الجنسية للمرأة. كما تؤدي العملية إلى مضاعفات فورية تشمل الألم الشديد والصدمة والنزيف، وتكوّن خلايا بكتيرية معدية واحتباس البول والتهابات المثانة والمسلك البولية وعسر الولادة، ما يؤدي في حالات عديدة إلى موت الوليد وتشوه الصحة النفسية للفتاة، بعد أن استقر في ذهنها قتل الرغبة الجنسية لديها.
وقد أجرت منظمة الصحة العالمية دراسة على 28393 امرأة من المختونات، فوجدت أن 70٪ منهن يتعرضن لنزيف حاد عند الولادة، وأن نسبة وفيات الأطفال ترتفع إلى 15٪ لدى حالات الختان الخفيف، وتصل إلى 55٪ عند حالات الختان الفرعوني، مقارنة مع غير المختونات. ويموت من 10 إلى 15 طفلا من بين كل ألف طفل أثناء الميلاد لأمهات مختونات وترتفع نسبة الولادة بعملية قيصرية إلى 30٪ لدى النساء المختونات.
وقد بدأت جهود الأمم المتحدة وشركائها المحليين تثمر ولكن ببطء. فقرارات الأمم المتحدة والدراسات التي قدمتها منظمة الصحة العالمية واليونسيف وتنظيم حملات دولية لمحاربة الظاهرة، كونت رأيا عاما مناهضا لها بدأ يشكل قوة ضغط باتجاه تغيير القوانين وتضييقها، كي لا تبقى ممارسة الختان قوة اجتماعية ضاغطة على الآباء لإخضاع بناتهن للمرور في التجربة نفسها التي عاشتها الأمهات.
لقد أدى موت الطفلة بدور في مصر ذات الإثني عشر ربيعا عام 2007 إلى تعديل قوانين ممارسة الختان، ومنع غير الاختصاصيين من ممارستها تحت طائلة القانون. وفي موريتانيا حيث تصل نسبة الختان إلى 70٪ أصدر 34 عالما إسلاميا في يناير 2010 فتوى بتحريم هذه العادة الذميمة، كما أعلنت الرابطة الموريتانية للقابلات برفض ممارسة تشويه الأعضاء التناسلية للإناث، وتطالب المجتمع بالتخلي عن هذه الممارسة. وتبقى مصر تحتل المرتبة الرابعة في ممارسة العادة، حيث تصل إلى 91٪ مسبوقة فقط من الصومال وجيبوتي وغينيا، وقد وصل عدد الفتيات والنساء المختونات عام 2013 نحو 27.2 مليون. وتعمل اليونسيف في 22 بلدا مع اللجان المحلية لتحريم هذه الظاهرة. وقد تشكلت أكثر من 12000 لجنة محلية في 15 بلدا لمنع الظاهرة ونجحت في إقناع 2000 تجمع حضري وريفي بوقف ممارسة الختان.
إنتهاك حقوق الإنسان للمرأة
اعتبر المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان الذي عقد في فيينا عام 1993 أن ممارسة الختان انتهاك لحقوق الإنسان التي تتعلق بالمرأة، وطالب المؤتمر الدول التي تمارسه بإعادة النظر في قوانينها لتعكس هذا التوجه. واعتبر المؤتمر أن ممارسة الختان نوع من استخدام العنف ضد المرأة. ومع أن 24 دولة من مجموع 29 اعتمدت نوعا من القوانين تتعلق بتضييق أو منع الختان، إلا أن الممارسة استمرت. فقد كان تركيز الحملة الدولية على الأخطار الصحية للختان ما دفع بالمشرعين إلى أن يشددوا على موضوع الممارسة السليمة والصحية للختان، لتصل في مصر مثلا نسبة قيام الأطباء بإجراء عملية الختان إلى 72٪. وقد تنبه المجتمع الدولي وعاد ليركز على موضوع انتهاك حقوق الإنسان وإقصاء الجانب الديني من الممارسة والتركيز على سعادة الحياة الزوجية والصحة النفسية لغير المختونات.
كما أكدت لجنة حقوق الطفل أن الممارسة تعتبر انتهاكا لحقوق الطفل، التي تنص على أن الأطفال يجب ألا يتعرضوا للأذى أو التشويه أو التعذيب. وبما أن نسبة عالية من الإناث اللواتي يخضعن للختان يكن في أعمار صغيرة، بالتالي تصبح الممارسة نوعا من انتهاك حقوق الإنسان للطفل. في السودان مثلا 37٪ من الفتيات المختونات دون سن الرابعة عشرة وفي مصر 17٪. وتزداد نسبة الختان بشكل كبير مع المستويين الثقافي والاقتصادي للعائلة. ففي مصر مقابل كل عشر فتيات يتعرضن للختان لدى العائلات الغنية تتعرض 22 فتاة من العائلات الفقيرة للختان. وفي موريتانيا مقابل كل 21 فتاة من العائلات الميسورة اقتصاديا تتعرض 83 فتاة من العائلات الفقيرة للختان. إذن كلما ارتفع المستوى التعليمي للأم انخفضت نسبة الختان.
الحل الجذري للظاهرة
على المجتمعات العربية والإسلامية التي تمارس هذه العادة الذميمة أن تعترف أولا أنها جزء من استعباد المرأة وتشويهها، واعتبارها كائنا ناقصا مدفوعا بغرائزه، وإعادة الاعتبار لكيانية المرأة كإنسان أولا ومتساوية تماما مع الرجل، مع الفروق الفيزيولوجية التي ترجح كفة المرأة باعتبارها مصدر الإنجاب والتكاثر وحفظ النوع، ويجب ألا يعتبر ذلك عارا وعيبا وشرا يجب إخماده بممارسات أقرب إلى التوحش منها إلى الحضارة. علينا أن نعترف بأننا نعيش في زمن يختلف عن الماضي كثيرا وأن العلم والمهارات والتكنولوجيا قد قلبت كل المفاهيم وغيرت كل الموروثات. فإطلاق قدرات الرجل والمرأة لا علاقة له بالجنس، بل بمقدار ما يتمكن كل منهما من تحصيل علمي على مقاعد الدراسة في الجامعات ودور البحث وميادين العمل والممارسة. المطلوب إصدار قوانين وفتاوى واضحة لا لبس فيها، من المؤسستين التشريعية والدينية، لتحريم عادات وكبح عادات أخرى والتضييق الشديد على ممارسات عفا عليها الزمن وتجاوزها العصر واستمرارها لا يكشف إلا نفاق المؤسستين الحكومية والدينية. فتحريم الختان يجب أن ينطلق بالتزامن من المؤسسة التشريعية والمؤسسة الدينية ليأخذ البعدين القانوني والروحي/الأخلاقي كي لا يبقى كثير من غير المتعلمين يستندون في ممارساتهم إلى تفسيرات وإشارات دينية.
في عصر التقدم وتمكين الشعوب والبحث عن الاستقرار لا يعقل أن تبقى ملايين النساء من هذه الأمة يتعرضن للتشويه البدني في ظاهرة الختان، ويخفين وجوههن على أساس أنه عورة وراء نقاب أسود قبيح، ويمنعن من إعطاء الجنسية لأولادهن ويحرمن من الميراث في كثير من المجتمعات الريفية ويمنعن من السفر بدون مرافق، ويمنعن من الحصول على جواز سفر بدون تصريح من الأب أو الزوج، ويمنعن من قيادة السيارة ويمنعن من ممارسة أي دور في الحياة السياسية أو الاقتصادية. في ظل هذه الأوضاع لا نعجب إن قامت «داعش» بأخذ السبايا وتوزيعهن على الفحول وبيع الفائض في الأسواق. الفكر المتخلف المستند إلى تفسيرات دينية غريبة وسلطة ديكتاتورية عضوض لن يخرج عنها إلا مثل هذه الجماعات الظلامية التي تغذت على فكر ظلامي. ولا مخرج لنا كأمة إلا بمقاومة هذه الأفكار الظلامــــية في الوقت نفسه الذي نحاول أن نقاوم السلطوية والقهر والظلم والاحتلال والفســاد وتكميم الأفواه وقمع الحريات. فمعركة التحرر واحدة مهما اختلفت ميادينها وتنوعت أهدافها.
٭ كاتب فلسطيني
د. عبد الحميد صيام