■ اذا كانت الانقسامات والصراعات المذهبية الطائفية، المغموسة بمخططات خارجية امبريالية ـ صهيونية لتفتيت وانهاك المجتمعات العربية وبانتهازية سياسية داخلية وتخلف فقهي لدى بعض علماء الدين وبعض منابر الاعلام الديني، هي اخطر التحديات التي يواجهها المواطن العربي في ايامنا الحالية، وهي من اكبر العوامل التي يمكن ان تحرف حراكات الربيع العربي وتشوهها، فان مواجهة الموضوع تحتاج ان تكون شاملة وعلى كل المستويات.
في مقالة الاسبوع الماضي ذكرنا ان جسد تلك المذهبية الطائفية يجب ان تحصل تعريته، تمهيدا لاطفاء حريقه الهائل. ولقد ذكرنا ان احد المداخل لعملية التعرية تلك هو تحليل ونقد تاريخ الصراعات المذهبية في ماضي الامة العربية، من اجل تبيان انغماس ذلك التاريخ في السياسة وصراعات الملك والسلطان والغنائم. ان ذلك الجهد سيكون اول خطوة لايجاد قطيعة معرفية فقهية ولو جزئية، بين الماضي والحاضر من جهة، ولمحاولة تجاوز ذلك الماضي من خلال عملية النقد والتحليل التي بدورها ستسقط كل ما افسد الفقه، وكل من افسد الفقه عبر العصورالماضية.
وبينا في ذلك المقال ان من افضل الجهات التي يمكن ان تقوم بتلك المهمة، تجمع من علماء الفقه الذين ينتمون الى جميع او غالبية المذاهب الفقهية الاسلامية، ويمارسون مهمتهم باستقلالية وحرية عن جميع جهات الهيمنة السياسية والمذهبية.
لكن مدخل تحليل ونقد وتعرية التاريخ لن يكون كافيا. ستحتاج الجهة التي ستقوم بذلك الى الاجابة على العديد من الاسئلة والى مجابهة بعض الاشكاليات المعاصرة، ان ارادت ان تخلص الجيل العربي الحالي من الدخول في لعبة الصراعات المذهبية الطائفية العبثية التي يراد للامة الدخول بها.
هناك مثلا سؤال يلحُ على الكثيرين في الصورة التالية: هل انه من الضروري ان ينتمي كلُ مسلم لمذهب معين، بحيث يلتزم باتباع مفاهيم ذلك المذهب وتفاسيره للقرآن الكريم والسنة النبوية، وبالتالي الالتزام بتوجيهاته ونواهيه؟ أم ان المسلم يستطيع ان يأخذ من كل المذاهب وكل المدارس الفقهية ما يراه مقبولا دينيا وعقليا وملائما للواقع الذي يعيشه؟ قد يبدو السؤال اكاديميا نظريا، ولكنه مطروح من قبل البعض كمدخل لتغليب وصفة الانتماء للدين بدلا من الانتماء لمذهب. وفي الوقت نفسه فانه تسهيل وتيسير لاتباع دين نادى باليسر بدلا من العسر.
هناك مثلا سؤال اخر: لماذا لا تقوم مدرسة فقهية تجمع افضل وأيسر ما في المذاهب كلها من جهة، وتضيف الى ذلك قراءات جديدة لمصادر الدين الاساسية، بحيث تأخذ تلك القراءة بعين الاعتبار حاجات العصر التي استجدت لاتباع الدين الاسلامي؟ فاذا كان عظماء علماء الدين في الماضي قد أسسوا مدارس ومذاهب فقهية عديدة، اعتمادا على فهمهم وفهم عصرهم لمصدري الدين الاسلامي الرئيسيين، الوحي والسنة النبوية، فلماذا لا يحق لاخيار علماء عصرنا ان يقوموا بنفس المحاولة، باجتهاد وتقوى وعقلانية صارمة، طالما ان كل دين يحتاج الى تجديد قراءته عبر الازمنة وعبر تغير الاحوال؟
هناك مثلا سؤال ثالث: ألم يحن الوقت لحسم موضوع العلمانية، لغة ومفهوما وتطبيقات في الواقع، بدلا من ابقاء الموضوع عائما وغامضا وورقة في يد العابثين والمهرجين؟ فمن الناحية اللغوية هل نحن نرفض العَلمانية ام العِلمانية أم كليهما؟ واذا كان الرفض لكليهما، فما البديل المقترح لغة ومضمونا؟ ذلك ان كلمة العلمانية قد اصبحت جزءا من ثقافة العصر العولمي، وتحتاج الى اتخاذ موقف وتقديم شرح،
ثم ان كلمة العلمانية لها تعاريف كثيرة، اعتمادا على تجارب تاريخ المجتمعات وعلى مدى تبنيها لافكار الحداثة الغربية. وعليه فهل آن الأوان لمحاولة ايجاد تعريف خاص بنا وبظروفنا؟ تعريف يبين المحددات، اي ما هو مقبول وما هو مرفوض. ان تجمع علماء الفقه المستقل، المشار اليه سابقا، يستطيع ان يفتح ابواب مناقشات وحوارات مع بعض المفكرين وبعض علماء علوم الاجتماع المختلفة، من اجل النظر بعمق وموضوعية وعقلانية لايجاد التعريف المطلوب.
ان هذا الموضوع بالغ التعقيد، ولكن لا تستطيع هذه الامة ان تبقي كل شيء معلقا كما فعلت مع الاسف مع كلمات اخرى كثيرة مثل، الحداثة والليبرالية والديمقراطية والحرية وغيرها، لكنه موضوع مرتبط اشد الارتباط بحل اشكالية المذهبية الطائفية التي نتحدث عنها.
هذه بعض من اسئلة كثيرة، وهذا جانب من بين جوانب كثيرة. لكن خطورة المشهد الطائفي الحالي طرح الاسئلة والتفتيش عن مداخل لمواجهة هذا المشهد البغيض.
٭كاتب بحريني
د. علي محمد فخرو