أحلام تغيير خريطة المنطقة

■ لم يكن المحافظون الجُدد يتوقّعون أنّ الحرب على العراق ستكون مستنقعا مُكلفا، وهي الحرب التي صُمّمت لتكون الخطوة الأولى في مخطّط أكبر لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، ذاك الحلم الذي جاهرت به كبرى الجرائد الأمريكية مثل «وول ستريت جورنال» وغيرها، وبدا الهدف من حرب العراق تغيير المنطقة بأكملها وجعلها موالية لأمريكا وإسرائيل.
وبالفعل بادر المحافظون الجدد بعد تدمير العراق إلى توجيه أنظارهم نحو خصوم إسرائيل الإقليميين وعلى رأسهم سوريا وإيران. في هذه الأثناء داوم السعوديون على تزويد الولايات المتحدة بالبترول بأثمان زهيدة غير عابئين بدول الجوار التي يقوم اقتصادها على النفط، وأبرزها العراق، وهو الإجراء الذي كان بالأمس القريب السبب الرئيس لحرب الخليج الثانية والتدخّل في الكويت. وواصلت العربية السعودية مثل هذا الأمر لسنين، رغم الضرر الذي يلحقه مثل ذلك بمصالح العالم العربي والاسلامي بما فيه الشعب السعودي نفسه.
لقد ضاعف غزو العراق من خطر الإرهاب، ولم تكن الدعاية المركّزة الهادفة لتضليل المجتمع الأمريكي سوى فضيحة من العيار الثقيل، تلك التي ربطت بين صدام حسين وبن لادن عدوّه اللدود، واعتبرت الإدارة الأمريكية بعد 2003 أنّ نجاح غزو العراق سيكون الاختبار الأوّل وليس الأخير ضمن سياسة الحرب الاستباقية، التي نظّر لها جورج بوش الابن ومستشاروه ووزراؤه، وبعد انهاء أمر العراق كان على الولايات المتحدة أن تلتفت إلى حالات أخرى، وضعت إيران وسوريا في أوّل الاحتمالات ضمن معايير الحرب الوقائية هذه المرّة وهي الاستراتيجية الكبرى التي وُضعت موضع التنفيذ.
تكهّن فوكوياما تكهّنا دقيقا عندما قال في عام 1992 إنّ الأمم المتحدة نافعة تماما كأداة لأحادية القطب الأمريكية، ولعلّها تكون بالفعل الآلية الرئيسية التي ستمارس من خلالها أحادية القطب في المستقبل. وبالفعل كانت الهيئات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة السلاح الرسمي للولايات المتحدة وبريطانيا اللتين استخدمتاها لتشريع المغامرات غير القانونية والمعاملة الشيطانية للمعتقلين، واحتلال الدول الأجنبية ذات السيادة، وحماية الدول الاستراتيجية الصديقة، وضمن عنف الغاب وقع استخدام الأمم المتحدة للسيطرة على بقية الدول ومقدّراتها وإجبارها على الخضوع السياسي والاقتصادي . وإلى الآن لا تتعامل منظمة الأمم المتحدة مع قضية الدول الأعضاء المعتدية، ولا تكبح جماحها، وهي التي أنشئت لغرض منع وقوع الحروب والدفع باتّجاه السلم العالمي.
لم يستطع العالم أن يمكّن الفلسطينيين من الحصول على دولة قابلة للحياة، وليس ذلك بالأمر المستغرب من دول مارقة استغلّت الأمم المتحدة لكي تُجيز العدوان الدولي، في المقابل تحرص على حماية شركاء التحالف، وعلى رأسهم إسرائيل، وبالتالي تغضّ البصر عن كلّ التجاوزات التي يأتيها الكيان الصهيوني، بحثا عن تصفية القضية الفلسطينية نهائيا وتبخّر حلم الدولة. فكلّ ما يهمّ أمريكا السيطرة الاقتصادية وزيادة حجم النفوذ على العالم. فالعدوان على العراق كان لسببين لا ثالث لهما، من أجل النفط ومصادر الطاقة أوّلا، وجعل إسرائيل أكثر أمنا بإزاحة صدام حسين ثانيا. فكان أن عملت أجهزة الاستخبارات الأمريكية والبريطانية والاسرائيلية على تقديم تقارير مُضخّمة بشأن قدرات العراق غير التقليدية، وتشكيل الصورة المشوّهة عن عراق يُهدّد السلام في الشرق الأوسط، وبالتالي السلام العالمي، وصدعت الأبواق الاسرائيلية على لسان نتنياهو وغيره أن لا شيء أقلّ من تفكيك النظام العراقي سيكون مُجديا. وهكذا تطلّع الإسرائيليون بلهفة غير مسبوقة إلى نشوب الحرب على بلاد الرافدين العظيمة. وكانت الحرب حربا من أجل «الفرخ الكسيح». ويجري كلّ ذلك نتيجة نفوذ اللوبي الاسرائيلي في أمريكا، ولا سيما نفوذ المحافظين الجُدد داخله، الذين كانوا عازمين منذ التسعينيات على الإطاحة بصدام حسين، حتّى أنّهم وقبل هدوء عاصفة الغبار في مركز التجارة العالمي، كانت القوى الموالية لإسرائيل مُصرّة على أنّ صدّام مسؤول عن أحداث 11 سبتمبر، وله ارتباط بـ»القاعدة» وبالفعل بدأت التقارير الاستخباراتية الكاذبة تشتغل في هذا الاتّجاه، وصحب ذلك تضليل إعلامي كبير ضمن مناورة كاذبة أبعد ما تكون عن الحقيقة، وليست سوى بداية تنفيذ مشروع تغيير الشرق الأوسط. وفي سياق ذلك فإنّ مسائل مثل الأخلاقية والتكافؤ وإيقاع الضرر بالمدنيين أصبحت أمورا يجري تجاهلها تماما.

٭ كاتب تونسي

أحلام تغيير خريطة المنطقة

لطفي العبيدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية