أحمد دحبور: قصيدة الحدث

تعرّفت إلى أحمد دحبور منذ سنوات بعيدة، وقد ربطتني به صداقة متينة عند إقامته في تونس. والتقيته مرّات كثيرة، أقدمها في سوريا قبل اندلاع ثورتها، وآخرها في متحف محمود درويش في رام الله؛ منذ ثلاث سنوات.
قصيدة أحمد هي قصيدة الحدث، أي ما نبنيه ونعيد بناءه حيث تتناسخ الكلمات، وينتقل المعنى من إحداها إلى أخرى، متّخذا صورة «التحوّل المقيّد» لا بأحكام اللّغة وعادات الاستعمال فيها فحسب، وإنّما بما تجوّزه من صور التحوّل وما تستحلّه من مضمر الإمكانات أيضا، حيث الصّورة عنده أبعد من أن تكون رسْم شيء أو تمثيله في دائرة ما استتبّ له من دلالات وحفّ به من معانٍ.
ونقدّر أنّ وصفا كهذا يتيح لنا أن نباشر الصّورة بمصطلحات غير المصطلحات البلاغيّة المتداولة، فقد تكون رمزيّة أو تجريديّة، أو افتراضيّة، أو حدسيّة، أو تخيّليّة؛ على أساس أنّها تتألف من ترتيب خاصّ لعلاقات المشابهة والمجاورة، وتتضمّن في الآن ذاته تجسيدا لهذه العلاقات. والاحتمالات التي يستنبطها الشّاعر منها أوسع من أن تنقاد لضابطة بلاغيّة أو حكم كلّيّ ينطبق على جزئيّاته. وأكثرها اطّرادا في مدوّنة دحبور، وفي الشعر الحديث عامّة هي: الصّورة الرّمزيّة التي تنهض على محمول محسوس يرمز إلى معنى أو موضوع مجرّد، من خلال تراسل سرّيّ يقيمه الشّاعر بين العالم وما ينشد قوله.
وصورة كهذه لا يمكن إلاّ أن تكون محكومة بذاتيّة الشّاعر أو برؤيته الخاصّة، على الرغم من أنّ الرّمز المحسوس فيها يتعلّق بما هو حافّ؛ إذ هو إشارة دالهاّ يطلّ في اتّجاهين، أو هو يحمل مدلولين. والصّورة التّجريديّة التي تتمثّل شيئا أو موضوعا محسوسا أو مفهوما، بواسطة كلمة مجرّدة. وهي من هذا الجانب تختلف عن الصّورة الرّمزيّة التي تنهض على محمول محسوس، وتظلّ أشبه بصورة مهتزّة ؛ لا يقيّدها شكل؛ خاصّة أنّ علاقة المشابهة فيها تبدو بعيدة. والصّورة الافتراضيّة التي تنسج علائقها بما هو مجهول أو إحاليّ أو لا مرئيّ، وهي منغمسة أبدا في الشّبهات، منفتحة لحدوس واحتمالات شتّى؛ حتّى لكأنّها تنتشر أبدا في فضاء صوفيّ، على الرغم من أنّ أحمد ليس بالشاعر الصوفي.
والطريف هنا أنّ الشاعر لا يجري صورته الافتراضيّة بواسطة أفعال القلوب مثل ظنّ وخال وحسب ورأى، أو أدوات مثل» كأنّما» و»كأنّ» على نحو ما نجد في الشعر القديم، وإنّما هو يهجم على الصورة مباشرة. والحقّ هو يفعل ذلك عن دراية ووعي، وبخبرة ومِراس كبيرين؛ حتّى وهو يجاوز كلّ حدّ لغويّ مضروب في بعض نصوصه، إلى باحة الإباحة الوسيعة، وإن بدرجات متفاوتة بغية رأب صدع في النّصّ أو خلاف أو تمانع نقيضين لا يمكن اجتماعهما بوجه واحد، كاجتماع إبليس والقدّيس في قصيدته «تجربة»، التي أتمثّل بها على تجربته (مجموعة «هكذا»، دار الآداب بيروت ط/1990: في الأوّل الأخيرِ من شهرِ كذا/ دخلتُ في إبليسْ/ كمنتُ بين القلبِ والحجارهْ/ حتّى إذا حاصرتُ عُدّةَ الأذى/ ذوّبتها بدمعةِ القدّيسْ/ عمّقتُ ما رأيتهُ: الصفراءَ والمرارهْ/ وهكذا خرجتُ بالبشارهْ: الدفء والنضارهْ/ للشفةِ المقبِّلهْ/ السنبلهْ/ لزارعٍ ورّثتها اخضرارهْ/ والقنبلهْ/ لساعدٍ يحمي بها جدارهْ/ لكنّ أهلَ الحارَهْ/ لمْ يلمحونِي فيَّ بلْ همْ شاهدوا إبليسْ/ فاستهجنوا البشارهْ/ وأغلقَ الغيمُ الذي حاورني، أمطارَهْ/ ماذا إذنْ؟/ أنا أنا؟ أمْ أنّني إبليسْ؟ (تونس25/2/1985)
ومع ذلك فمن الطّرافة بمكان أن يُحدّ نصّ كهذا على أنّه ينشأ مؤوّلا، أي هو نفسه ينشأُ قِرائيّا، في سياق المعنى الحافّ، قبل أن يطُولَهُ تأويل القارئ؛ من حيث هو صرْفُ النصّ عن معنى مباشر إلى معنى مجازيّ أو معنى حافّ؛ لأنّ ذلك ممّا يقتضيه فهم الصّورة فهما سويّا أو إدراكها إدراكا سليما؛ إذا سلّمنا بأعراف القراءة أو مواثيقها.
صورة إبليس منقولة ها هنا عن موضعها أو هو كائن أو رمز يجمع بين نقيضين: القلب بمعنى الرقّة أو الرّحمة؛ والحجارة بمعنى الغلظ والفظاظة والقسوة؛ أو نقل هــــو في الصـــــورة التي نحن بها يجمع بين الخير والشرّ، أو الملاك صورته الأصل في الميثولوجيا الدينيّة، والشيطان صورته المنسوخة.
وأحمد شاعر يجعل من المعنى الحافّ محورا ثابتا وقاعدة أصيلة في شعره. وعن هذا المعنى يصدر في تأويل الصّورة وتصويب أن يوصف إبليس بالرقّة، ما دام اللّفظ مناسبا له بطريقة التجوّز والاستعارة. والصورة التي نحن بها صورة افتراضيّة، باصطلاح مورييه، فقد سلّم المتلفّظ بفرضيةّ بحكم ارتباطها بفرضيّة أخرى صحيحة أو مسلّم بها، وتلطّف بأن جعل ابليس كائنا مزدوجا أي هو خير وشرّ: القلب/ الحجر، ولم يطلقها على الشر وحده أجمع، ولا على الخير وحده أجمع. وهذه فرضيّة أولى تلزم منها فرضيّة أخرى مفادها أنّ معظم الخير كالشرّ كثيف، ما دام لهذا ما لذاك. وقد لا يخفى أنّ هذا الاستدلال يقوم على سببيّة تعقد علاقة بين فرضيّتين، يتبيّن بموجبها أنّ الواحدة لا تكون بالأخرى؛ وفيها يتقرّر الدّليل لإثبات المدلول. بيد أنّ هذه السّببيّة أو العلاقة المفترضة بين نسق مغلق ونسق مفتوح يتقبّل المختلف، أو بين العلّة والمعلول؛ تظلّ مضمرة في النصّ حتّى إن توهّمنا أنّ الصّورة توعز إليها وتوحي بها، بل هي معدومة بالجملة.
وخير مثال لذلك هذه الصّورة حيث تستوقفنا مسألتان في غاية من الدقّة: إحداهما «كماليّة» التّأويل أي صفة هذا النّظام الفرضي الاستنباطيّ الذي يستطيع الشاعر/ القارئ فيه وبه، أن يبرهن على صحّة قضيّة (صورة) مثلما يستطيع أن يبرهن على بطلانها. والأخرى ذاتيّة التّأويل. ويصعب أن نحمل هذه الصورة على غير هذه «الكماليّة» وغير هذه «الذّاتيّة». وربّما طلب فيها قارئ آخر المعنى الواضح وهو علّة التّبادل وذريعته؛ من دون أن يصيب فيها غنما أو يظفر منها بطائل، إذ لا يقف على أيّ وجه من أوجه المناسبة بين الموضوع (الشر) والمحمول (الكائن المزدوج). وليس بالمستغرب في مقترب كهذا يحدّ الشّيء حدّا جامعا لكلّ أفراده مانعا لكلّ ما ليس منه، أن يتعذّر على القارئ الوصول إلى مراده من الصّورة، فلا يبلغ منها دلالة أو فضل معنى. والمعنى ما عرفنا حامل الدّلالة، سواء قصرناه على الكلمة أو تجاوزنا به إلى المقول، ومثلما تتحصّل الدّلالة من المقول، تتحصّل من الكلمة. على أنّ وضع المعنى في علاقة مباشرة مع صيغة تعبيره أو مع البُنى المخيّلة التي تدلّ عليه، يجعل القارئ لا يحدّ المعنى الأصل الثّابت أو المحافظ عليه من المعنى الشّعري المتحوّل أو المبتكر؛ حيث «ينهل المدلول من من دالّ لا ينضب». وإنّما قد يتصوّر أنّ هذا هو ذاك أو ينبغي أن يكون ذاك حتّى لو بناه الشّاعر على الاستعارة ؛ لأنّ منتهى المجاز عند القارئ غير المتمرّس بالشعر الحديث هو الحقيقة؛ من دون أن يدرك أنّ الحقيقة الشعريّة حقائق، وأنّها تبنى باستمرار. ومن ثمّ يصعب أن نتوقّع من هذا الصنف من القرّاء مجرّد التّفكير في أنّ الدّلالة يمكن أن تكون من دون معنى حامل وأنّ «ابليس» في قصيدة دحبور، ماهيّة مجرّدة عن المادّة والأعراض.
لا يخفى أنّ هذه الصورة المكثّفة، من الغريب أو المحال اللاّمتصوّر أو «الضديد» (الأوكسيمور). وننتهز الفرصة هنا، لنشير إلى أنّ المصطلح المناسب لـ«الأوكسيمور» في تقديرنا هو» الصورة الإحاليّة» استئناسا بمصطلح حازم القرطاجنّي» الاختلاق الإحالي أو الاستحالي»، أي ما لا يمكن تخيّله، ولا ينهض له سند من الواقع (التخفّي في صورة إبليس، والكمون بين القلب والحجر…). ومع ذلك فإنّ هذه القصيدة، وهي مثال من بين أمثلة أخرى في مدوّنة دحبور، تصلح نموذجا لقراءة الصورة، بمنأى عن الدرس البلاغي القديم. وهي تطرح إشكالا فلسفيّا عميقا كلّما تعلّق الأمر بـ»الشرّ» الذي رمزه إبليس في المخيال الجمعي. وقد بيّن بول ريكور أنّ الشرّ أبعد من أن يكون قضيّة تأمّل أو مشكلا أخلاقيّا، وأنّ مقاربته تكون في ضوء ما ينتج من مفارقات، خاصّة أنّه فعل أو حدث، أو هو وُلد بولادة الجنس البشري. ويرى جون نابير أنّ الشرّ إنّما يُلتقط في «طزاجته» أو «حُدْثانه»، بخبرة باطنيّة لا تتسنّى للفهم العقلي. ونقدّر أنّ هذا ما حاوله دحبور في هذه القصيدة. وأحمد شاعر لا يكرّر نفسه، ونصّه لا يقوم على نسق واحد. وربّما ساقتنا طريقته في بسط المعنى إلى القول إنّ مدار هذه الشعريّة على المراوحة الذكيّة المحسوبة بين معنى ظاهر وآخر مضمر خفي.ّ ونقصد به كلّ دلالة غير موضّحة يستنتجها المتلقّي أو كلّ دلالة غير صريحة ولا هي بيّنة يدرجها المنشئ في نصّه طوعا، بنسبة أو بأخرى.

٭ كاتب تونسي

أحمد دحبور: قصيدة الحدث

منصف الوهايبي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية