التساؤل الرئيسي في هذه الدراسة يسير هكذا: ما هي التحولات (الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية) التي مرّت بها الطبقة الوسطى العربية، منذ الاستقلال والتأسيس وحتى اللحظة الراهنة؟ وبالطبع، تتفرّع عن هذا التساؤل/ الهدف سلسلة أسئلة تالية: ما هي أهم الاتجاهات النظرية التي تعالج الطبقة الوسطى في التراث العلمي والعالمي؟ كيف قارب التراث العربي مسألة الطبقة الوسطى؟ ما هـــي ظروف نشأة وتبلور الطبقة الوسطى العربية الحديثة؟ ما هو الإطار النظــري الملائم لدراسة الطبقة الوسطى العربيـــة؟ ما هو موقع الطبقة الوسطى داخل التركيب الطبقي العربي في الوقت الراهن؟ ما هي التحولات الاقتصادية التي أثرت في الطبقة الوسطى العربية في الربع قرن الأخير؟ ما هي العلاقة بين التحولات السياسية، والطبقة الوسطى، والثورة في بلـــدان الربيع العربي؟ وأخيراً، ما هي العلاقات التي تربط الطبقة الوسطى بالبناء الاجتماعي، من خلال تصورات أعضائها؟
مشروع طموح، إذاً، يضيف بعض الجديد إلى شبكة الإجابات المحتملة على تلك الطائفة من الأسئلة، ويخلّف بعضها معلّقة في الإطار النظري وحده، دون تمثيلات ملموسة مستمدة من المجتمعات العربية الفعلية. في الفصل الأول يتناول أحمد موسى بدوي الطبقة الوسطى في التراث الغربي، فيمرّ على ماركس، وفيبر، ودوركايم، ويتوقف عند الطبقة الاجتماعية من منظور اتجاه الفعل/ البناء (في أعمال هابرماس، غيدنز، بورديو، ومارغريت آرشر). الفصل الثاني ينتقل إلى دراسة الطبقة على مستوى البلدان «العربية الآسيوية» حسب تعبير المؤلف؛ كما في لبنان، وغزّة، والعراق، والسعودية، واليمن. ثمّ يفرد فصلاً تالياً للبلدان «العربية ـ الأفريقية»: الجزائر، السودان، موريتانيا، ومصر. الفصل الرابع يتناول الطبقة الوسطى العربية، ولكن من منظورات تراث العلوم الاجتماعية، ويضمّ دراسات حول البناء الطبقي على مستوى أقاليم الوطن العربي، ودراسات أخرى حول المجتمع العربي.
وهذا يمهد لأقسام الفصل الخامس، الذي يدرس تحولات الطبقة الوسطى العربية، من حيث التركيب الطبقي، والعلاقات الطبقية، والانقسام والانكماش الطبقي، والحراك الطبقي، والتشكيلات الطبقية، والوعي الطبقي، والمصالح الطبقية، ثمّ الصراع الطبقي أخيراً. الفصل السادس يتابع دراسة أحوال الطبقة الوسطى العربية، من حيث المتغيرات والخصائص الديمغرافية، وقياساً على هذه المعــــايير: النمو والكثافة السكانية، التوزيع العمري للسكان، التوزيع الحضري الريفي، معدّل أمية البالغين، ومعدّل القيد الصافي في مراحل التعليم. وبالارتباط مع هذه الأقسام، يستكمل الفصل السابع دراسة الطبقة الوسطى العربية، من حيث حجم القوة العاملة، وعمالة الأطفال، ومشاركة المرأة، وتوزيع القوى العاملة بحسب القطاعات الاقتصادية، وتوزيع المشتغلين بحسب المهن الرئيسية، ثمّ مؤشرات العاطلين عن العمل.
الفصل الثامن موضوعه المتغيرات الاقتصادية، أيضاً، من زاوية أثر التوجهات الليبرالية الجديدة، ومعدّل الفقر في البلدان غير النفطية، وتوزيع الدخل القومي. وكذا في الفصل التاسع، حيث يتمّ الانتقال إلى بلدان الربيع العربي، فيناقش المؤلف الاقتصاد السياسي والانقسام الطبقي الحديث، وموقع وأدوار الطبقة الوسطى في التحولات السياسية. وتُختتم الدراسة بعيّنات من الكويت ومصر والمغرب، حول تصوّرات أعضاء الطبقة الوسطى بصدد مسائل طبقية الطابع، مثل التركيب، والعلاقات، والانقسام والانكماش، والحراك، والتشكيلات، والوعي بالمصالح، والصراع.
«المسلّمة» الأهمّ في الكتاب، وفق المؤلف، هي تلك التي تشخّص التركيب الطبقي العربي في ستّ طبقات أساسية: الطبقة المركزية المتحكمة، والطبقة الوسطى المتنفذة، والطبقة الوسطى المستقرة، والطبقة الوسطى الفقيرة، والطبقة العاملة، والفئات اللاطبقية الكادحة. لطنّ أفراد كلّ طبقة يشتركون، معاً، في عدد من «الخصائص الحضارية» التي تتأثر بخمسة متغيرات: مستوى الداخل ونوعه، ومستوى التعليم والتدريب، والموقع البيروقراطي داخل مؤسسة العمل، وأساليب الحياة، و»مجموعة المتغيرات القبلية/ الطائفية/ العرقية/ السياسة التسلطية».
وفي العموم، اعتمد المؤلف التقسيم التالي لتنفيذ الإجراءات المنهجية للدراسة: عرض إشكالية الموضوع الطبقي، في مختلف أبعاده (النظرية، والتطبيقية، والاستبيانية)
وربط هذه الأبعاد بالتعريفات والحدود والعلاقات والانقسامات وأنماط الوعي والتناقضات والصراعات؛ ثمّ استجماع التحليلات الكمية، والأخرى الكيفية، ومحصلة الاستدلال الإحصائي، لاستخلاص النتائج وفقاً لمزيج مؤلف من هذه العناصر كلها. منهج ينسجم مع توجهات المؤلف، لا ريب، لكنه لا يفلح كثيراً في بلورة نتائج عملية وفعلية، بقدر ما يحشد المعطيات النظرية.
لغة المؤلف ليست أكاديمية تماماً، ولكنها ليست مبسطة أيضاً؛ والمعادلة الفضلى في الكتاب هي المزج الناجح بين الصفتين، مما يتيح للأسلوب أن يكون سلساً عموماً، رغم ضغوطات المصطلح السوسيولوجي، الذي جهد المؤلف إلى استخدامه بدقة، ما أمكن بالطبع.
الدراسة تستخلص نتائج كثيرة جديدة حول تركيب الطبقة الوسطى العربية، ومشكلاتها، وآفاق تحولاتها. لكنّ نسبة عالية من هذه النتائج تبقى حبيسة الأطر النظرية، ولا تفلح في صياغة توصيات عملية وملموسة توضع أمام الرأي العام، أو صنّاع القرار، في العالم العربي. ويبقى، مع ذلك، أنّ نجاح المؤلف في تليين عريكة الكثير من المفاهيم السوسيولوجية العويصة، وجعلها في متناول القارىء العريض، هو طراز من الأداء الإبداعي في نهاية المطاف.
وقد سبق للمؤلف أن أصدر كتاباً بعنوان «الأبعاد الاجتماعية لإنتاج واكتساب المعرفة: حالة علم الاجتماع في الجامعات المصرية»؛ ولكنّ كتاباته، حتى الساعة على الأقلّ، لا توحي بأنه يصدر عن مشروع علمي سوسيولوجي متكامل.
المراجع العربية كافية عموماً، وتتألف من الكتب، والتقارير الاقتصادية، والدوريات، والرسائل الجامعية؛ وهي تتفوّق، عدداً ونوعاً، على المراجع الأجنبية، المؤلفة من أعمال ودوريات بالإنكليزية، معاصرة غالباً وكلاسيكية في بعض النماذج. هنالك اعتماد كبير على المراجع، يقوم على انضباط بحسن توظيفها تارة، أو على استسهال في الاقتباس طوراً، خاصة حين يطغى الجانب النظري على الجوانب التطبيقية.
والخلاصة أنّ الكتاب جهد مهم في ميدانه، وفي منهجياته، وسعيه إلى فتح آفاق بحثية جديدة، وتوفير معطيات استقصائية واستبيانية حول الطبقة الوسطى العربية. لكنّ وقوعه أسير ترجيح كفة البحث النظري مقابل الخلاصات العملية، وبالتالي انحسار التوصيات الميدانية التي تخدم التوجهات التنموية للمجتمعات العربية، أضعف الجانب الديناميكي للدراسة؛ دون أن يفقدها صفة المرجع في جوانب علمية كثيرة.
(٭) الدكتور أحمد موسى بدوي:
«تحولات الطبقة الوسطى في الوطن العربي».
مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2013. 448 ص
صبحي حديدي