أخرجوا فلسطين من جحيم حلب الإعلامي… ضفائر الشام أغلى من طرحة «زينب»… والجناة ملائكة موت

لم يعد في إمكان الروس بعد حريق حلب أن يضمنوا للأسد مغادرة آمنة إلى امبراطورية الفيلة، فلعنة الحريق ستحل على أي مدينة يصل إليها، مما يستدعي اتخاذ إجراءات فورية لترتيب مشهد أخير يليق بـ «نيرونهم الكتكوت»، الذي سيقرر الانتحار فجأة ليحرم الكاميرا من توثيق لقطة السقوط، فأي من أصدقائه يا ترى سيهديه السم قبل إسدال الستارة؟

«دين أبوكم اسمو إيه؟»

عندما نعود للقرن الحادي عشر قبل الميلاد ونضطر لخوض حروب «قطع الخلف» على العاشرة مساء وحروب قص الضفائر مع أبلة لميس، فهذا يعني أن إعلان وفاة العرب جاء متأخرا عن قصيدة نزار قباني في برنامج «معتز مطر» بفارق وهمي يعيد إلى الذاكرة جثة زينب في ليلة زفافها محمولة على نعش سينمائي في فيلم: «من يطفئ النار» وطرحتها غارقة في دم الجنوب!
من جديد تعتذر الصورة عن ملء الفراغ العاطفي بعد أن تحولت إلى أفيون استعراضي أفقد المشاهد مناعته، وهو يتصفح «ألبوم» المحرقة ببرود أعصاب لا يثير قشعريرة القصائد مهما علت وتيرة هشام عبد الله في برنامج «ابن البلد»، وهو يسأل القتلة: دين أبوكم اسمو إيه؟
إن كنت تحترم الضحية فعليك أن تعترف أن القاتل لم يكن وحده صاحب الجريمة، حتى وإن تكفل برنامج «المسائية» على «الميادين» بالاعتراف بها نيابة عنه لإيصال الرسائل الإعلامية الملغومة كما وردت حرفيا في تقرير البرنامج: «لم تنجح المساعي السياسية بتجنب المآسي الإنسانية في حلب منذ أن اصطدمت محادثات جنيف بإصرار مؤتمر الرياض على تسلم السلطة»، فالتصريحات الإعلامية التي تبشر بتدخل تركي وشيك على جبهة حلب وتصريحات السعودية بضرورة تسليح المعارضة وتحريض «واشنطن بوست» للرئيس الأمريكي على حسم موقفه وإمداد المسلحين بالمعدات الثقيلة وتهديد «الميادين» للسعودية يؤكد أن الهدنة وجدت من أجل اختراقها وليس من أجل الالتزام بها، وهو ما يجعل من عملية البحث عن أول «هاكرز ناري» مجرد إضاعة للوقت وثرثرة إعلامية لحشو المحرقة بالمزيد من العبث والتضليل لا أكثر!

ستديو الجحيم

بين «بي بي سي» العربية والناشط الإعلامي هادي العبد الله وحديث الثورة تكتمل الصورة، لأن الخطأ في نقل الخبر، الذي اضطر «بي بي سي» للاعتذار عنه بعد افتضاح أمره على مواقع التواصل الإجتماعي يبرهن لك أن ادعاء الالتباس مغامرة إعلامية باءت بالفشل الذريع في الحرب السورية أمام جنود مجندة لا ترونها تقف بالمرصاد لهذا التنويم المغناطيسي، وتجابهه بوعي فطري وهي تمرغ رؤوس عناوينه الإخبارية بالتراب دون أن تحتاج لدورات تدريبية أو شهادات تحصيل علمية في مجال الاستقصاء الصحافي.
هادي العبد الله نقل مباشرة تحليق المروحيات التابعة للنظام السوري فوق حي «بستان القصر» في حلب، حيث تحتمي النساء بالعراء كي لا تموت تحت الأنقاض، بينما تتناهى إلى مسامعك وشوشات لاهثة للمدنيين العزل يعلنون الشهادة استعدادا للموت تحت وابل البراميل المتفجرة، وهم يغمضون عيونهم على جمرات السماء، التي تلتقط صورة لعزرائيل من ستديو الجحيم في حلب، أما الأطفال فلا تدري كيف يخرجون من رحم الدخان يبحثون عن مناديل أمهاتهم ليكفنوا بها جثة الآلهة!
معن خضر دخل المعمعة في تقريره لبرنامج «حديث الثورة»، حيث التقى بمجموعة من مسلحي المعارضة، الذين تمنوا لو كانوا يملكون أسلحة مضادة للطائرات لردع القذف الجوي للنظام، وهو ما يثير الضحك من هذه الأمنية لأن القذف المدفعي لقنابل الهاون ما هو إلا تعزيز بري لدك حلب بقوة عكسية مضاعفة، وهو ما يثبت أن حرق حلب جريمة مزدوجة، أفلا تعقلون!

«زمن ما يختشيش»

ضفائر حلب المحترقة أجمل وأغلى من شعر رغدة المصبوغ والمصفف بالسشوار في صالون أبلة لميس الإعلامي للتجميل وتنظيف البشرة، خاصة وأن الدعاية المجانية لقص شعرها بعد تحرير حلب تحمل تناقضا مريعا فالأجدر بها أن تحلقه الآن حدادا على المدينة لا بعد انطفاء نيرانها، وبصراحة لم يعد يليق بها دور «زينب»، ليس لأن وليد توفيق دخل في مرحلة المراهقة المتأخرة في عصر الفيديو كليب ولم يعد متفرغا لأداء دور البطولة في المحارق السينمائية، إنما لأن الإعلام المصري منشغل هذه الأيام بحروب الإخصاء المتبادل بين الشرطة وسائقي الميكروباص، وهذا ليس جرحا للحياء ولا للعفة في زمن «معندوش دم ولا يختشيش» أما من يتقنعون بالتعفف فأنا أخبرك عنهم أيها المشاهد كمتحرشين جنسيين وقاذقي محصنات، فهل بعد هذا ستأتمن الإعلام على سرير السلطان وهي مهنة خصصت في العصور السابقة لأصحاب الخلف المقطوع، وتراها تستعيد مجدها في زمن تصبح فيه الرجولة خطرا على الأمانة، فهل تتحسر على الحراسة كمهنة لا تليق بالرجال أم على الأمانة التي ستخسر من أجل صونها ثقتك بالسرير… ويلاه ما أرخصك يا زمن!
لا شك أن المؤامرة حيكت للتخلص من النظام والمقاومة، ولكن النظام دخل في المؤامرة كشريك ضروري للتخلص من الشعب، وهو ما حذرنا منه لما سارع البعض للتهليل للطرزانة الألمانية وجزيرة ساويرس، حين كتبنا عن خطة ممنهجة لتهجير السوريين باللجوء، والآن بعد محرقة حلب تجد من يخرج من تحت الأنقاض ليصرخ في وجه المؤامرة: نحن باقون لنموت في أرضنا إن استعصت عليها الحياة، لم نمت متأخرين ولكننا استفقنا بعد أن فقدت الجريمة وعيها تماما!

لعنة الشعار

ماذا تريدون من فلسطين وأهلها؟ هل فلسطين هي التي دمرت بلادكم؟ هل وصل الأمر بكم للانتشاء بجرائم النظام لكي تشمتوا بمواقف الفلسطينيين المناصرة لجبهته الممانعة؟ ألا تخجلون من أنفسكم وأنتم ترون العالم يستبسل لوضع المقاومة على لائحة الإرهاب، بينما يدفع عمدة لندن السابق ثمن كلمة حق ضد البطش الإسرائيلي الأعمى دون أن يتحرك فيكم ساكن؟ تتركون الطامة والقيامة وتتكتلون للسخرية من مناصرة الفلسطينيين للمقاومة على طريقة أشباهكم من نادي الرديحة في الإعلام المصري، لتفوقوا اسرائيل عداوة للشعب الفلسطيني متذرعين برفض الطغيان والحرب على الإرهاب، فهل أنتم خطر على أنفسكم أم على الاحتلال الذي يهمه أن يشوه الفلسطيني نضاله بيديه لا بيد خصومه، وهو يقع في فخ الشعار كأن تحرير فلسطين لا يتم سوى على جثة المقاومة وجثة الشام معا!
ما الذي كان سيخسره حزب الله أكثر مما خسره الآن لو أنه خاض الحرب ضد إسرائيل بلا وساطة حماية ولا ما يحزنون! لم يكن حزب الله بحاجة إلى حماية حلفائه ليهزم إسرائيل، بل كان أحوج إلى هزيمة إسرائيل للإبقاء على أنصاره!
المشكلة ليست في الشعار إذن، ولا بمن رفعوه ولا بمن يحاولون تشويهه، المشكلة كل المشكلة في إلغائه تماما لصالح الحرب عليه لا من أجله!

ملائكة الموت

تتكرر المأساة مجددا بعد جحيم حلب، وتبدأ عمليات الاحتراق الذاتي في المنابر الإعلامية والصحافية، ويأخذ العرب في مباطحة بعضهم بعضا، كأن الكارثة هي الملعب الحقيقي وهي الجرس الذي يعلقه الفرقاء في ظهر البغل لاقتحام حلبة الثيران بوشاح الدم والقرون العمياء!
الحرب الشريفة هي التي تخوضها مع ذاتك، وتتخلى فيها عن كل أعدائك لأنهم لا يليقون بك، خض حربك مع عقلك ووعيك، كي تفهم الخديعة، وإياك أن تبحث عن الحقائق، فليس المهم أن تعثر على الحقيقة، الأهم أن تكشف الكذبة، وحين يرفضك الإعلام ويتجاهل فهمك فهذا يعني أنك انتصرت عليه وأنه يخافك لأنه يدرك تماما أن قوتك هي الخطر الأخطر على ضعفه خاصة حين تكون مستمدة من عدم انحيازك لانحيازه أيا كان!
حلب تحترق، والإعلام لا يريد منك أن تصدق ما تراه، إنما يريدك أن تغض النظر عن كل ما لا يريدك أن تراه، وهذه حرب الخبر وليست حرب الصورة التي يسهل فبركتها خاصة أن مفعولها أخذ يبطل تدريجيا في ظل مجانيتها وسرعة تفشيها وسهولة تداولها وبرود أثرها إثر اعتياديتها، لأن المشهد اليومي للحياة في هذا الشرق هو الموت، الذي أصبح روتينيا إلى الحد الذي فقد به سحره ودهشته… فلم يتبق لنا من غواياته سوى اللعب به… فكيف يهون عزرائيل إلى الحد الذي يتساوى به مع القتلة، كأن الجناة ملائكة أو العكس!

كاتبة فلسطينية تقيم في لندن

أخرجوا فلسطين من جحيم حلب الإعلامي… ضفائر الشام أغلى من طرحة «زينب»… والجناة ملائكة موت

لينا أبو بكر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية