لكي تنال لقب مثقف باستحقاق لا يكفي أن يكون في رصيدك العديد من الإصدارت الأدبية والفكرية ولا ارفع الشهادات الاكاديمية ولا عشرات الجوائز الدولية ولا ان تكون عضوا في اتحاد الأدباء والكتاب.
رغم اهمية كل هذه الانجازات على المستوى الشخصي إلا انها لن تمنحك شرعية ان تحمل هذا اللقب فيما لو غابت بصيرتك او غيبتها انت بإرادتك، لعلة في نفسك، واتجهت ناحية السلطة خاضعا ومدلِّسا ومداهنا، بذلك تكون قد اخترت ان تنحرف بشكل حاد عن مسار الضمير الانساني الجمعي، الذي عادة ما يعبر عنه المثقف والمبدع، خاصة في تلك المجتمعات التي تخضع لسلطة قمعية.
دفعني إلى كتابة هذه المقدمة قراءتي لخبر موافقة عدد من الادباء والأكاديميين العراقيين دعوة نائب رئيس الجمهورية نوري المالكي، ولقائهم به في مكتبه نهاية هذا الاسبوع.
ربما يختلف العراقيون حول كثير من المواقف التي اتخذها عدد من الرموز السياسية في العراق، إلاّ أن غالبيتهم يتفقون على خطورة الدور الذي لعبه المالكي في تهديم العلاقات الاجتماعية بين مكونات المجتمع العراقي اثناء وبعد توليه رئاسة مجلس الوزراء من خلال سياساته الطائفية التي عبرت عنها ممارسات الأجهزة الأمنية والعسكرية الحكومية في تعاملها السيئ والمهين للمواطن العراقي اينما كان، خاصة في المناطق ذات الاغلبية العربية السنية حيث كانت تلك الأجهزة تتلقى الأوامر منه شخصيا، كذلك مسؤوليته الرئيسية عن ضياع نصف اراضي العراق لتصبح تحت سلطة تنظيم الخلافة في حزيران/يونيو 2014،هذا اضافة إلى أنه تسبب في اهدار ما يقارب 800 مليار دولار اثناء فترة حكمه التي دامت ثمانية اعوام دون ان يقدم للمواطن خدمة ملموسة تغير من حياته البائسة.
لماذا اذن وافقت هذه المجموعة من الأدباء والأكاديميين على تلبية دعوته؟
ما الذي كانت تراهن عليه في هذه المقابلة ؟
هل كان لديها بصيص أمل في ان يتمكن افرادها من طرق باب ضمير مغلق مليء بالكراهية للعراق وشعبه منذ ان ارتضى لنفسه ان يكون منخرطا إلى جانب الحرس الثوري الإيراني لمقاتلة جيش بلاده ايام الحرب العراقية الإيرانية (1980 – 1988).
هل وجدت في نفسها قدرة فذة على رؤية جوانب مشرقة في شخصية الداعي لم يستطع عموم العراقيين أن يكتشفوها بين ركام الفوضى والجرائم التي خلفتها ميليشياته بحق المدنيين؟
إذا كانوا قد حملوا مثل هذا التصور حتى لو افترضنا صدق نواياهم فإنهم بذلك قد ارتكبوا الخطأ الذي لا يمكن مسامحة المثقف اذا ما وقع فيه مهما كان لونه الأيديولوجي وهويته الإبداعية، سواء كان شاعرا او أديبا او فيلسوفا.
طيلة فترة حكم المالكي كانت المنظمات الدولية المعنية بحقوق الانسان تؤكد في تقاريرها السنوية على ان العراق يتصدر قائمة الدول التي تنتهك فيها حرية وحقوق الانسان.
فهل وصل الحال بالأديب والمثقف والأكاديمي العراقي أن لا يعير أهمية للحقائق والأرقام والشهادات التي توثق صرخات الضحايا ونداءات المظلومين، ويصر على أن يتعامل معها بمنهج السلطات المدانة بارتكابها عندما تتجاهلها وتشكك بمصداقية الجهات التي اعلنتها؟
المالكي نال فرصته كاملة في الحكم وترك خلفه إرثا مؤلما سيبقى عالقا في ذاكرة العراقيين لأنه اصطبغ بالدم ولن يكون من السهل على جميع العراقيين نسيانه، فالشيعة والسنة على حد سواء كان لهما نصيب كبير منه، وهكذا الحال مع بقية الأقليات.
يبدو ان من ارتضى لنفسه أن يكون ضيفا على مائدة المالكي لم يكن يعنيه آلاف الضحايا الذين سقطوا في سبايكر والرمادي والحويجة وبهرز والزركا والموصل وسنجار وغيرها من الأماكن،ولا يعنيه الأرقام الفلكية التي اختفت في عهده من المال العام.
هؤلاء الذين احتفوا بالمالكي واحتفى بهم، يمكن النظر اليهم على انهم نتاج طبيعي لنظام سياسي طائفي شرعنه الاحتلال الأمريكي، وساهمت في تكريسه أحزاب الإسلام السياسي، بالوقت نفسه هُم استمرار لتلك النماذج من أشباه المثقفين الذين كانوا يتزلفون إلى السلطة ويكتبون التقارير الأمنية قبل العام 2003.
اتحاد أدباء وكتاب العراق وعلى الرغم من هلامية موقفه طيلة الاعوام الماضية مما يجري في المشهد العام إلا أن عدم استجابته لهذه الدعوة تحسب له، وربما يكون لقيادته الجديدة دور كبير في إنضاج هذا الموقف.
كاتب من العراق
مروان ياسين الدليمي