قرر أدونيس أخيرا أن يخرج من عالم «أليس في بلاد العجائب» ويدخل إلى فصل «أبلة لميس» في «مدرسة المشاغبين»، متخليا عن نصف ما يملك من عدته الثقافية ومتبرعا بالآخر لمساطيل «التوك شو» في حي الباطنية الإعلامي، فما الذي يضطر شاعرا وباحثا بحجم أدونيس لكتابة شيكات إعلامية على نفسه بدون رصيد؟!
هل تصدق أن لميس الحديدي في قناة الـ«سي بي سي»، تجري حوارا ثقافيا دسما مع مفكر جدلي لطالما سهر الخلق جراء نظرياته يوسعونها تحليلا وتفسيرا واختصاما وانسجاما، وكل ما تريده من «ميمعات» و«طوش» لم تأل جهدا لتفكيك أحجيته الثقافية، ولما تأزمت المسائل لجأ أدونيس إلى لميس لتفك العقدة، فهل هذا اعتراف ضمني بإفلاس المثقف، أم بإفلاس الإعلام؟
تأتآت «هنا العاصمة»
الأمر أشبه بحوار بين ترزي وعالم متخصص في ثقب الأوزون، هل لك أن تتخيل كيف سيحاول الترزي سد الثقب؟! بالإبرة والخيط طبعا! هل تعرف معنى أن يستقل صحنك الطائر عربة خضار للوصول إلى محطة فضائية متخصصة في بث حفلات أوبرا يحييها لوتشيانو بافاروتي أو أندريا بوتشيلي مثلا؟
حلقة «هنا العاصمة» لم تيأس، بل حققت هذين المستحيلين، منطلقة من المثل الصيني الذي أضحك الأحمق: «لو ضحك عليك الأحمق أول مرة فعار عليه، ولكن إن ضحك مرتين فالعار عليك».. فمن أين نبدأ؟
من التقديم:
لميس: اسمحوا لي أن أرحب بالشاعر العزيز علينا جدا، الشاعر، الذي كتب قصائد عظيمة، واللي (يعني) كتب «الثابت والمتحول»! احتفى (يعني) بالربيع العربي ولكنه لما لما… (تأتأة: أيْ أيْ..) سطى عليه أو عليها..( تأتأة …ال .. ال … متشددون… أي أي…إلى آخر التأتأة !
المثير في هذه الحلقة مع أدونيس، أن كلمة «جدل» وردت فيها أكثر مما يرد اسم السيسي في أي حلقة تتحدث عن مكافحة الإرهاب في برامج الـ«توك شو» المصرية، فتارة تستخدمها المذيعة كنوع من الإستعراض المعرفي، وتارة أخرى كحبل إنقاذ من سوء فهم أو عدم فهم من أصله !
ويا دي الجدل، كلما انزنق الحوار كان الجدل خلاصا من مأزق الجدل في الجدل، لكن الجاهل يفضح جهله بنفسه، لأن «أبلة لميس»، التي سألت شاعرنا عن سبب جدليته لم تدعه ينهي جوابه، ليس قصورا مهنيا منها، والعياذ بالله، بقدر ما هو قصور معرفي جعلها تظن أنه أجاب وإنتهى، رغم أنه لم يفعل! فيا دي الكسوف !
تتوالى السقطات الثقافية في «هنا العاصمة»، خاصة لما يتحدث أدونيس عن أبي نواس بصفته أول الشعراء العرب الذين عبروا عن صورة المدينة ومظاهرها في الشعر العربي، لتقاطعه لميس فتجود بالموجود: كان شاعرا مخمورا !
عارضها ضيفها على طريقة: (وحدوه)، ومن يعرف أدونيس يعلم جيدا أن (وحدوه) عنده تعني أنها أخرجته عن دينه !
«الخلفاء» العسكريون
اللافت أن داعش لم تكن مفاجأة لأدونيس، الذي اعتبرها خللا في قراءتنا للتراث، وقد نسينا أن ثلاثة من خلفائنا ماتوا قتلا، وأن تاريخ الخلافة حافل بحروب عسكرية دموية منذ حرب الردة إلى حرب الجمل إلى الحروب الطاحنة بين العباسيين والأمويين فيما بعد، لكن الورطة الثقافية الحقيقية لم تكن سؤال الضيف لضيفته عن: كيف نحارب داعش؟ إنما بالحل العسكري الذي قدمته حين أجابت الأبلة بنباهة التلميذ (اللي راحت عليه نومة) في الفصل، فلما طلب أستاذه منه الإجابة نهض بكل ثقة متحمسا ومصطنعا اليقظة والانتباه: نضربهم بالقنابل !
كان وليم شكسبير على حق إذن، وقد قال: «إن المصائب لا تأتي فرادى كالجواسيس بل سرايا كالجيش»! وهنا تكون مصائب أدونيس – في الفجوات الثقافية المتسعة – فوائد عند لميس! ولا يسعني في هذه الكارثة سوى أن أتقدم بواجب العزاء للشاعر العظيم بالحكمة العلاجية: ليس الشجاع من يجرؤ على الموت بل من يتحمل المصائب بجرأة !
الإجابة الخاطئة للتلميذة الأبلة عززت نظرة أدونيس للحرب التي تخاض من أجل الحفاظ على السلطة، «حربنا مع الدواعش يجب أن تكون حضارية، ثقافية وليست عسكرية»، وقد اعتذر لها عن وجهة نظره، فردت ببلاهة مضاعفة: «لا طبعا ده أمر واقع»!
لا أعرف إن كان السيسي يتابع الحلقة أم لا، ولكنني لن أشك أنه سيطلب من الأبراشي عرض أغنية عبد الحليم في العاشرة مساء «خلي السلاح صاحي»، لكي يوبخ لميس على «طلطميسية» الفهم، رغم أن أدونيس كان واضحا وصريحا، فالعتب ليس على الجدل، إنما على الدروس الخصوصية المغشوشة التي تلقتها المذيعة قبل الحلقة، فهل هذه خيانة عظمى للجيش، أم هي فضيحة فارق توقيت بين المعلومة والزمن المستغرق لوصولها للدماغ! وهو ما يعبر عنه بجدارة المقطع الشعري الذي سبق الفاصل الإعلاني للشاعر: أترى قَتْلُكَ مِن ربك آتٍ .. أم ربك مِن قَتْلِكَ آت؟ ضيعته الأحجية !
إحم إحم!
في حين رفض الشاعر الثورات التي لا تحارب الأنظمة بل تحارب وتدمر مدنا لن تتكرر، وتتاجر بالإنجاز البشري في المتاحف، أصر على أن الشعوب العربية لم تعرف معنى الثورة وتفتقر إلى الخبرة، وأن هذه الشعوب بأسرها لم تناضل في تاريخها، اعترضت لميس، وساقت أمثلة على الانتداب البريطاني في مصر والإستعمار الغربي في لبنان وسوريا والعراق وليبيا، والجزائر، فاستثنى الجزائر، وظل مصرا على رأيه بما يخص الدول الأخرى، ولم يتطرق الى أي من الطرفين أبدا لفلسطين، في هذه الجزئية.. اعترف أدونيس بضحايا فلسطين في موقفه من أحداث «شارلي إيبدو» ولم يعترف بنضالها في «هنا العاصمة»، فأين السؤال؟!
ويلي عليك يا فلسطين، تسقطين سهوا من وعينا التاريخي والنضالي، منذ المؤتمر الصهيوني الأول وحتى تقوم القيامة وأنت تكابدين، وتناضلين بالحجر والبندقية والأمعاء الخاوية، وبالقصيدة والأنشودة بالشهداء ومقابر الأرقام بالصواريخ والأنفاق، بالصمود أمام المعابر المحرمة وحرس الحدود، وكل هذا وأنت لست على القائمة، فهل عرب أنتم؟
أدونيس أحرج لميس هذه المرة بصراحة حين قال لها إن على الشاعر أن ينتحر لأنه يُقتل لما يقول رأيا مخالفا، وأكد أنه مع حماس حتى تنتصر، وبعدها سينقلب ضدها، مما دفع المذيعة لخطف الحديث منه في ارتباك واضح، محاولة التملص من مضيه في فكرة المقاومة على طريقة «حاص بيا»، لكنه قاطعها وأصرعلى إتمام فكرته.. وربك ستر أنها لم تلجأ للجدل واكتفت بالإحم إحم دون أن نسمعها !
لم ينس الشاعر حتما أن حماس تقع تحت وطأة العصي الإعلامية في حارة الحرافيش الفضائيين، وأنها في مرمى النيران والخراطيش المحاربة للإرهاب، ولم يتبق على نجيب محفوظ سوى أن يصحو من رقدته ليصوب خطأ مطبعيا في «التوت والنبوت» ويستدرك الحرفشة بما يليق بإجابة الأبلة !
لم تتخلص صاحبتنا من الحرج ولو على طريقة القوات اللبنانية التي تقاتل اسرائيل بـ«الليخة والطرنيب»، إلا أنها حولت الحلقة إلى حلبة ثابت ومتحول على طريقة مصارعي الثيران!
هبلتكم أمهاتكم
ذكرتني لميس وهي تتحدث مع أدونيس في الحوار «الطلطميس» بشعبولا في مقلب الكاميرا الخفية لبرنامج «حيلهم بينهم» قبل بضعة أعوام، حيث أصيب بنوبات استهبال، وتلبك معنوي عندما اختار له المذيع مصطلحات ومفاهيم يصعب على هذا الغلبان «يا عيني»، الذي بالكاد يفك الخط أن يستوعبها، مما اضطره في النهاية للاكتفاء بمحاورة شعبان بلغة المكوجية، ثم اختتم حلقته باعتراف خطير قال فيه إنه لشدة تعلقه بالمكواة، جزَّ عنق النجفة من السقف وعلق مكواته مكانها، فكان أن ختم العلم، وانكشف المستور وشرب المقلب وظلت المكواة أعلى قامة ممن علقها أو تعلق بها !
في هنا العاصمة ، كان عليك أن تنتظر ختاما مقالبيا مقلوبا من مقالب الكاميرا الخفية مع المثقفين، كنوع من التجديد، أو جذب المشاهد للنخب التي لم تعد تعني اهتماماته التي يغلب عليها أكل الموز بعد أن اجتاز مرحلة (العنب العنب) و (يا البرتقالة) وما إلى هنالك من فواكه محرمة على مشاهد فقير لا ينوبه منها سوى ما يسيل من لعاب الصحون الفضائية على مائدة «الدردحة والتسطيل» الإعلامي!
الآن يصيح الديك، لتنتهي هذه الجولة الحرفوشية بسلام.
كاتبة من فلسطين تقيم في لندن
لينا أبو بكر