أزمة هيكلية مسيحية إسلامية لا تعالج بـ«ميثاق الوهم»

حجم الخط
1

هناك تعليلات وتسويغات عديدة بالمقدور استصلاحها كـ»جواز عبور» للعماد ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية بعد عامين ونصف من فراغ السدّة. أوّلها «كسر الشرّ»، أو كسر الفراغ. وثانيها التنبيه إلى أنّها رئاسة حُدّ الكثير من صلاحياتها في إتفاق الطائف. وثالثها استذكار أنّ البلد برمّته، في قيد «حزب الله»، يصول فيه ويجول، ويصادر قرار الحرب والسلم، ويبعثر الحدود، ورئاسة بالزائد أو بالناقص، هي «حبّة كرز» فوق قطعة الحلوى المسمومة هذه. ورابعها المسعى، للتخفيف من تلاقي الضغطين، «المسيحي» و»الشيعي» في مواجهة «السنّة». أمّا ما يتعذّر أن يتقبّله العقل، في حدّه الأدنى، فهو أن يكون «استرئاس» عون مقالة «ميثاقية» واجبة بذاتها، و»حق» له، يراد رفعه إلى منزلة «الحق الإلهي»، بسبحة «حقوق للمسيحيين».
الميثاق كما يخبرنا عنه عون: كل طائفة تختار الفحل الأقوى من أبنائها لشغل المنصب الذي يعود إليها في رأس الدولة، وإلا فالميثاق بين الطوائف يختل، والعيش المشترك، والكيان. وهذه بطبيعة الحال، قراءة مشروعة لكيفية تسيير النظام الطائفي بشكل تشعر فيه كل طائفة بأنّ «فلذة كبدها»، محبوبها الملهم، يتمتع بحقها، ويصون اسمها، في احدى الرئاسات «الدستورية» لـ»الجمهورية». لكنها قطعاً ليست الـ»ميثاق». أوّلاً لأنّ صحيفة هكذا ميثاق غير موجودة عند أحد، وثانياً لأنّها مناقضة للدستور في نصّه، كما للقانون الدستوريّ في تعريفه. ولو كانت الأمور على هذا النحو، بالفعل، لكان النواب الشيعة فقط من ينتخبون رئيس المجلس، والنواب السنّة فقط من يسمّون رئيس الحكومة. فإذا قيل بعدها أنّه هكذا عليه الحال، ويكتفي غير الشيعة والسنّة في هاتين الحالتين بالمصادقة البروتوكولية، المجاملاتية، فقط لا غير، ظهر أنّه ميثاق مبني على ادّعاء الأحقّية من طرف، واقتضاء المجاملة من الاطراف الأخرى. فما أعجبه من ميثاق؟!
هناك عرف دستوري منذ استقلال لبنان عن فرنسا، وليس في أعوام الإنتداب، يقول بمارونية رئيس الدولة في لبنان، وسنّية رئيس الحكومة، وبعدها بفترة استقرّ العرف على شيعية رئيس المجلس. وهناك تراتبية بين هذه الرئاسات، لم تعد بهذا الوضوح بعد الحرب وفي أعوام الوصاية السورية، لكنّها مع ذلك تراتبية لم تنعدم. والميثاق على ما يطرح جزافاً يتوسّع في العرف تضميناً له لما لم يتضمنه، ويحتجّ تارة بـ»إرجاع» الرئاسة الأولى إلى وهجها قبل الطائف، رغم ما خسرته من صلاحيات، أو يتحجّج بهذا الذي خسرته للتشديد على أنّ تعويض ذلك لا يستقيم إلا بـ»ترئيس» الأقوى، أي الأكثر شعبية في طائفته. وفي السنوات الماضية، وإلى الآن، كلّما ظهر ما يعرقل مسيرة عون الرئاسية كان مربط خيله، أنّه إن لم يحصّل الإجماع البرلماني عليه، لمبايعته رئيساً، فلاستفتاء الشعب. بيد أنّ من يقبل بإخضاع رئاسة الموارنة لاستفتاء شعبي، بأكثرية مسلمة واضحة، بدلاً من هيئة ناخبة برلمانية، مشكلة مناصفة من مسلمين ومسيحيين، وان اتى قسم كبير من مسيحييها بترجيحات المسلمين، عليه أن يقبل بنفس الوقت بتنحية «الميثاق الوهميّ» جانباً، إلا إذا كان يصادق على هكذا استفتاء في حال أعطاه نتيجة ايجابية، ويلفظه كهرطقة دستورية في حال أعطاه نتيجة السلب.
ثمّة بالتأكيد أزمة هيكلية لبنانية بين المسيحيين والمسلمين. ومن خلالها يفسّر لماذا احتفظ العماد عون بمزاج أكثري مسيحي يؤيده كل هذه السنين، كون «مظلوميته الرئاسية» ترتبط بكراهة تنقيص صلاحيات رئيس الجمهورية في «إتفاق الطائف».
الأزمة هيكلية لأنّ المسيحيين أصبحوا أقلية ديموغرافية في لبنان، ومع ذلك يحتفظون بنصف مقاعد البرلمان والحكومة، وبرئاسة الجمهورية وقيادة الجيش وحاكمية المصرف المركزي للموارنة منهم على وجه الحصر، لكنهم في الوقت نفسه، وبموجب قوانين الانتخاب المفصّلة بعد الطائف ومن خارج نصّه، سهل اختيار ممثليهم في جبل لبنان الجنوبي وبيروت والجنوب والبقاع والشمال من لدن المسلمين.
الخطاب العوني يضيف إلى هذا التظلّم من أن يختار المسلمون رئيس الجمهورية المسيحي، بدلاً من اكتفائهم بالمجاملة البروتوكولية التصديقية لخيار المسيحيين، وهنا الزغل: الخلط بين ما هو أزمة هيكلية حقيقية وبين ما هو شطح مزاجيّ.
عام 1998 مثلاً، وفي عزّ الوصاية السورية، وصل قائد الجيش اميل لحود للرئاسة، بالضدّ مما كان ليتمناه كل من الرئيسين نبيه بري ورفيق الحريري. وصل بالإيعاز السوريّ طبعاً – بعد أن كانت سوريا نفسها اقتنعت بتأخير وصوله والتمديد للرئيس الياس الهراوي قبل ذلك بثلاث سنوات – لكنه وصل بصدى إيجابي مسيحيّ تجاهه، سرعان ما خفت بريقه. ظاهرة اميل لحّود والتمديد لها، أي تسع سنوات من تاريخ الجمهورية الثانية، لا توحي أبداً بأنّ المسلمين كانوا يختارون للمسيحيين رئيسهم، ولا يمكن اختزالها في الاختيار السوريّ له. أوّلاً لأن الترحيب المسيحيّ بوصوله، كقائد للجيش ومن قلب جبل لبنان، للرئاسة كان حقيقياً وقتها، حتى أنّ عون لم يتوقف عن اعتبار نفسه ـ تدريجياً – رئيس الحكومة المؤقتة من المنفى إلا في أعقاب ذلك، ولم يصطدم مباشرة بلحود حين انتخابه، وهو الذي دعا وقت لجوئه للسفارة الفرنسية في 13 تشرين الأول 1990 إلى «التحاق» جنوده بقيادة العماد لحود. وثانياً لأنّ البطريركية المارونية من جهة، وعون من جهة أخرى، وقفا بعد الجلاء السوري عن لبنان، حجر عثرة للحيلولة دون اسقاط الرئيس الممدّد له في الشارع.
ويمكن، طبعاً، أن يحاجج العونيّ بـ»المقايسة» بين الرصيد التمثيلي للرؤساء الثلاثة في طوائفهم ليسوّق أهلية مرشّحه وأفضليته، أمّا «الأحقية» فمسألة أخرى. فمن كان مقتنعاً بأنّه «الأحق» لنيل شيء ما لا يعود قابلاً مبدأ امتحانه لنيل هذا الشيء. هذا بعكس من كان مقتنعاً بأنّه الأفضل، فمن يعتبر نفسه الأفضل سيقبل حكماً بالمنافسة مع ندّ له يعتبر نفسه هو أيضاً الأفضل. يقبل أن يحتكم بينه وبين غريمه لآلية مفاضلة بينهما ـ لطرف ثالث، لصندوق.
والمقايسة ـ رئيسهم قوي في طائفتهم إذاً وجب أن يكون هكذا رئيسنا ـ مباحة، وربمّا كانت نافعة. لكن هذا شيّء و»الميثاقية» شيء آخر.
المقايسة تستدعى عندما لا يكون هناك وضع متفق عليه سلفاً، فتأتي لتقيس على ما هو متفق عليه وما هو حاصل، لاستيحاء أو اقتراح أو تطلّب أمر جديد. أما الميثاق فهو، أيّاً كان مجاله، اتفاق بين طرفين، بيعة وشراء، وينقض بالبراء ـ ولا يفترض أن ينقض خلسة.
في أيّام الوصاية السوريّة، كان لاستذكار لفظ «الميثاق» ومفهومه أثر ايجابي. كان يجري مثلاً استذكار «ميثاق 1943» من قبل بعض النخب، للقول ـ عن حق ـ بأننا أخطأنا النظر له، على أنّه كناية عن «نفيين لا يبنيان وطناً»، وإنّه كان يتضمّن ما هو ايجابيّ، وروحية بناءة لقيام الكيان المتوازن. والتشديد كذلك، على أنّ الديمقراطيّة في مجتمع متعدد دينياً أو ثقافياً لا يمكن أن تكون فيها مقاييس الأغلبية والأقلية سياسية صرف، وبالتالي لا يمكنها أن تكتفي بحقوق الأقلية السياسية منظوراً لها كما في مجتمع غير منقسم طائفياً أو اثنياً بين جماعاته، لأنّ التداول على السلطة هنا وشروطه وأبعاده يختلف. لذا، كان لكلمة «الميثاق» وقع ايجابي، وبرصيد مناوىء للوصاية وحلفائها.
أما بعد انسحاب جيش الوصاية، فقد تحوّل «الميثاق» إلى كلمة تستحضر لتزيين كل مزاجية «لا ـ دستورية». فهذا «حزب الله» يعتبر ان سلاحه وحروبه في غنى عن أي تفاهم. لكنه في خريف 2006 عندما استقال وزراؤه وحركة أمل من الحكومة اعتبرها فاقدة للميثاقية ما دام الوزراء الشيعة استقالوا منها. ولما كان وزراؤهم وحركة أمل أقل من «الثلث» اللازم دستورياً لاعتبار الحكومة مستقيلة باستقالته، خاض صراعاً وجرّد غزوة لأجل انتزاع هذا «الثلث الضامن» (= الميثاقي)، في مقابل التعهد بعدم استخدامه لإقالة الحكومة، الأمر الذي عاد وقام به ـ دون حساسية «ميثاقية» ـ بالاستقالة، فور دخول الرئيس سعد الحريري إلى البيت الأبيض للقاء اوباما عام 2011، وشارك «حزب الله» والعماد عون في حينه بإيصال حكومة ـ نجيب ميقاتي برئيس لها رفضته الأكثريتان البرلمانية والشعبية للطائفة السنية حينذاك ـ أيضاً من دون هذا «الوعي الميثاقي» المرهف.
إن كان من كأس يلزم تجرّع في السياسة، فما أكثرها. أمّا أنّ يسمّى الكأس «ميثاقاً» فهذا تجاوز على العقل والواقع والسياسة واللغة.

٭ كاتب لبناني

 

أزمة هيكلية مسيحية إسلامية لا تعالج بـ«ميثاق الوهم»

وسام سعادة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية