هل «داعش» ظاهرة دينية؟ هل يقتصر العنف على جماعات الإسلام السياسي؟
الميل للعنف والقمع يبدو في طبيعته ظاهرة اجتماعية أكثر مما هي مرتبطة بفريق سياسي أو جماعة دينية.
ومن يستعرض خطاب أي مجموعة أو فريق فيما يصنف بالثقافة الشرقية، سيجد نزعة إسكات الآخر متواجداً بدرجات متفاوتة، وسيعثر أيضا على طيف واسع من تعبيرات الازدراء المبطن والصريح للمخالفين في الرأي، مع تسفيه جميع المعتقدات التي لا تتفق معهم، ولا تتماشى مع أهوائهم.
ما زال المفكرون العرب إلى اليوم مبهورين بتجربة المعتزلة الفكرية، ويعتبرونهم سدنة الأعراف العقلانية في الثقافة العربية – الإسلامية، إلا أن سلوك المعتزلة عند انتقالهم لمواقع السلطة وتنكيلهم بالمعارضين لآرائهم، وفي مقدمتهم الإمام أحمد بن حنبل يدلل على أنها طائفة لا تختلف كثيراً عن أي فئة من أصحاب المصالح الضيقة، ويطرح مشكلة تأصل العدوانية في السلوك السياسي والسلطوي، وبغض النظر عن الخلفية الفكرية التي يحملها من يؤمنون بمنهجية العنف.
إن الربط بين العنف والدين يعد نوعاً من التعسف الشديد وغير العلمي، فأي خلفية دينية كان يستند لها بول بوت وهو يرتكب فظائعه الإنسانية في كمبوديا، وهل كان عيدي أمين مثلاً عضواً في الفرع الأوغندي لأي جماعة اسلامية متشددة؟ وحتى إذا توسع البعض في استبدال العقيدة بالدين بوصفها الدافع للعنف والمحرض عليه، وبذلك يمكن شمول التجارب الشيوعية المتشددة والنازية والفاشية، بوصفها أيضاً أنظمة فكرية عقائدية، فإن ذلك لا يجعل الرابط بين العنف والعقيدة قائماً، فهل يستند العنف في المكسيك إلى أي مرجعية عقائدية، وأي فتوى أو مانفيستو كانت تدفع رجال الشرطة في البرازيل لقتل أطفال الشوارع؟
الصراع الفكري الذي يجري في أكثر من بلد عربي حول تجديد الخطاب الديني والمناهج الدراسية، على أهميته، إلا أنه يتجاهل حقيقة مفادها أن نسبة كبيرة من الجانحين إلى ممارسة العنف، بمختلف صوره، يتواجدون خارج استيعاب القوة العاملة والمنتجة في المجتمع، وهذه هي الحالة في معظم الدول التي تولد العنف والإرهاب والجريمة المنظمة. أما العقيدة التي تتبنى العنف فتجري استعارتها لاحقاً لتعطي تبريراً نفسياً للقتلة، أو تمنحهم صكوكاً لمغفرة هي بالنسبة لهم في مضمونها مجرد مقامرة.
القوة العاملة والمنتجة تشتمل أيضاً على التعبير السياسي والممارسات الاجتماعية ولا تقف عند حدود الفهم الاقتصادي، فوجود ملايين من الشباب على هامش المجتمع دون أن يجري توظيفهم (اقتصادياً) أو إدماجهم (سياسياً) يجعلهم طرائد هائمة للعبة الأفكار، التي تعطيهم وعداً بإعادة تشكيل المجتمع بالصورة التي تمنحهم الدور والمكانة، وعلاوة على ذلك تمنحهم فرصة الانتقام وتصفية الحسابات حتى لو كانت غير موجهة ضد المسببين المباشرين لها نفسهم، فالمنضوون في تنظيم «داعش» كانوا يعرفون أن السوريين وغيرهم من الشعوب العربية لم تكن مسؤولة بصورة مباشرة عن مشكلاتهم الشخصية، ولكن بطريقة غير مباشرة فإن هذه الشعوب التي أفسحت المجال أمام الاستبداد بسلبيتها وتهاونها، كما أنهم كانوا ينظرون للأرض التي يحصلون عليها بوصفها المكان الذي سيحمل التجربة ويعممها.
لا يعني وضع الأولوية في القوى المعطلة اجتماعياً، المستبعدة والمهمشة، قبل الخطاب الديني، تبرئة لبعض رجال الدين الذين يتبنون تأويلات تغذي النزعة للعنف، والحديث يعود للخطاب نفسه دون أن يعود للدين بالضرورة، ولكن الافتراض الكامن في أن معالجة الخطاب الديني وتعزيز الوجود للعلمانية، أو الانفتاح الفكري سيعمل على إنهاء الإرهاب، وسيجفف منابعه بالمطلق، عدا بالطبع أن ممارسة التفكير النقدي أو الموضوعي أصلاً تبدو مستغلقة، أمام مجتمع يشكل قوامه الجياع من جهة، والمتخمون على الجهة الأخرى، وبينما يفكر الفقراء في الخروج من فخاخ العوز والحاجة من خلال الثورة أو الوعود العقائدية التي تمكنهم على الأقل من تجنب محنة فقدان أبنائهم المنتجين، أو الكسبة في قضية أكبر من قدرتهم على الاستمرار، فإن الأثرياء، خاصة ممن انتفعوا من وضعهم في السلطة، يعرفون أن الوعي بالحقوق خطوة أولى تجاه انتزاعها.
شهدت ألمانيا وفرنسا جماعات مارست العنف المسلح، وأعلنت طموحها لتقويض المجتمع الرأسمالي بأكمله أثناء السبعينيات والثمانينيات، ولكنها لم تتجاوز في عضويتها العشرات من شباب الجامعات والعمال، وما كانت هذه التنظيمات أو الخلايا تفتقر مطلقاً لتماسك الحجج الفكرية، وتراتبها المنطقي المتماسك، ولكن لم يكن أحد يمتلك الفرصة ليستمع لدعواتهم لأن الرأسمالية تعطيهم مكتسبات حقيقية بغض النظر عما يبذلونه من جهود ويتكبدونه من مصاعب، بينما الوعد الشيوعي أو الفوضوي لا يقدم شيئاً ملموساً.
الانضواء في التنظيمات الإرهابية ينقسم إلى مرحلتين أساسيتين، الأولى، الاستقطاب وهي تسعى في مادة خام متاحة ومتوفرة في المجتمعات العربية بشكل عام، حيث البطالة الغاضبة وتعدد أشكال المظلومية، بينما تأتي بعدها مرحلة التكوين الفكري وهي التي توظف خطاباً دينياً خاصاً، وتسعى لتحويل الشخص إلى وحش متنقل وجائع للعنف في حد ذاته، لأن العنف هو وسيلته للتضحية والتخلص من عقدة الذنب الغامضة داخل مقاتلي التنظيمات الإرهابية.
الخطاب المأزوم يظهر إلى حد بعيد عند دعاة الليبرالية والانفتاح والعلمانية، فجميع دعواتهم تشتمل على الرغبة في تغييب الآخر بقرارات علوية تستصدرها السلطة وترعاها، ونموذجهم العلماني يتخذ ملامح التجارب الأتاتوركية والبورقيبية التي فشلت في تحقيق العدالة والمساواة وأنتجت طبقاتها الفاسدة التي حولت العلمانية إلى صنم لا يمكن المساس به، وقمعت للمحافظة على موقعه كل الحريات، وحطمت المعارضة الشيوعية (العلمانية الطابع بعمق) والليبرالية، بينما لم يمتلك القدرة على المقاومة سوى الإسلاميين الذين يحملون مقابل نظرية المستبد العادل التي تطورت انشائياً لنسخة القائد الضرورة، نظرية تنادي بالمهدي المنتظر أو البطل الغائب، وفي الحالتين لا ضرورة للتفكير أو الإبداع حتى في أقصى أشكال العلمانية تطرفاً وتمسكاً بالمقولات المؤسسة للفكر العلماني ليدشنوها ديناً له كهنته ورجاله ودراويشه.
هذه الحالة جعلت اليسار العربي يلتف حول ديكتاتورية نظام الأسد في سوريا، وأصبحت الانتقادات التي توجه لاستبداد أسرة الأسد، ومنهجها القائم على العصبة العائلية والتمركز الطائفي تتحول إلى خيانات مشبوهة لتفكيك سوريا، ونقلها من موقعها المفترض والمتخيل في الممانعة، ومع النزعة التي تستهدف إسكات الآخر وجهت اتهامات عشوائية لليساريين الذين حاولوا الفصل بين الشأنين بالميوعة والانتهازية.
الغاية في ظروف التردي المتفشي في العالم العربي، تصبح كياناً وهمياً منفصلاً عن سياقه الواقعي، لأن الوسائل لتحقيق الغاية، المشروعة منها وغير المشروعة، غير متوفرة أصلاً، ولذلك فالخطاب الفكري بجملته يفتقر للواقعية ولا يستطيع أن يقتنع بأي تنازل أو مساومة، لأنه أصلاً لا يمتلك أي رؤية للتقدم لخطوة واحدة بعد ذلك، وبذلك أصبحت المزاودة حالة جمعية وذهنية طاغية، لأنها غيبية ووراء واقعية، بمعنى قناعة من يتبنون أي فكرة باستحالة تحقيقها إلا من خلال سلطة عليا ومطلقة وقاهرة، مع أن المجتمعات تطورت من خلال جملة من التنازلات كانت تمثل عملية التفكيك وإعادة التركيب لتقاليد غير عصرية، ولا تستطيع أن تحمل طموحات المستقبل وإعادة صياغتها في أفكار عملية قابلة للتحقق على نطاق هو الآخر يبقى برسم التوسع بالقدر الذي يحققه من نجاحات مثبتة.
كاتب أردني
سامح المحاريق