الدوحة – «القدس العربي»: منهمكا كان في تحرير ملخص جديد عن تطور الأحداث في مصر حيث يعمل ويقيم منذ 15 سنة، التقنيا أساندر العمراني رئيس قسم شمال أفريقيا في «مجموعة الأزمات الدولية»، خلال زيارة عمل قادته إلى الدوحة، لنحاول أن نفكك معه مشاهد ما بعد الربيع العربي، خصوصا في مصر التي تشهد وضعا سياسيا جديدا بوصول المشير السيسي إلى الحكم. وبلغة الخبير والمحلل المحايد يؤكد أن السيسي في إمكانه أن يساهم في تحقيق استقرار بلاده لو تجاوز «طرفيته» وفتح أبوابه للجميع، خصوصا مع وجود تيار من الإخوان لديه رغبة في تجاوز صفحة الماضي والتفكير في المستقبل. وانتقل الحديث مع الخبير الدولي الذي يكمن عمله في التقصي والتحقيق والمتابعة اليومية لمجريات الأحداث في المنطقة، من مصر إلى ليبيا التي يخشى على انهيار الدولة فيها، في ظل الصراع الحالي بين طرفي النزاع وهشاشة المؤسسات. بينما يؤكد أن النظام الجزائري يشتري السلم الاجتماعي بتوزيع ريع مداخيل النفط، بصورة مأساوية ونمطية تجاوزها الزمن. ويرى أن حكام الجزائر ضيعوا فرصة ذهبية لتحقيق نقلة في البلاد وهم يسيرون عكس التيار. ويؤكد أن النظام الملكي في المغرب يجابه رياح التغيير بعامل الزمن، لكن هذا العامل سيظل مجرد مهدئ ينتهي مفعوله سريعا. ويعتبر الخبير أن مجموعة الأزمات الدولية التي يعمل فيها تعد المصدر العالمي الأول، المستقل والحيادي للتحليلات والمشورة التي تقدمها للحكومات، والمنظمات الدولية.
○ بدأنا بسؤال محوري يفرض نفسه عند الحديث عن مصر بعد إنتخاب السيسي رئيسا إن كانت الأوضاع سوف تشهد بعض الهدوء أم أن التوتر سيظل سيد الموقف؟
• لا أظن وللأسف أننا في وضعية تسمح بتأسيس مثل هذا الظرف في مصر، لأنه أولا هناك حالة من الاستقطاب بين طرفي الصراع وهي في أوجها، ولا يوجد طرف يرغب في التفاوض مع الآخر، وكل يصر على رفض أي مبادرة للصلح، والرئيس السيسي قال بصريح العبارة أن: «لا مستقبل للإخوان في مصر». هناك رفض للإعتراف بأحقية وجود كل من ساند مرسي ضد الإنقلابيين في التواجد في مستقبل مصر.
○ هناك من يراهم أقلية أي تيار مساندة ما يسمى بالشرعية؟
• ربما هم كذلك، ولكنهم يمثلون نحو 20 في المئة من سكان مصر، ومن الجانب الآخر نرى كيف يتموقع الإخوان المسلمين بإصرار بالغ وفق مبادئ معينة قد تكون جديرة بالإحترام لكنها غير مقبولة لدى الطرف الآخر، لأن هذه الأقلية التي تطالب بإعادة مرسي كرئيس شرعي تتجاهل في الوقت نفسه رغبة فئة واسعة من المجتمع الرافضة لعودته، ربما ليست أغلبية لكن تظل تمثل فئة واسعة من الشعب. ثم إن الإخوان لا يعترفون بأخطائهم الفعلية ويصرون على التموقع كقوى لإرباك ومناهضة الحكام الجدد في مصر. وهذا الوضع تسبب في دمار حياة الكثير من الناس، فآلاف الشباب قتلوا والمئات من عناصر الشرطة اغتيلوا، وقوات الجيش تعرضت للهجوم، اضف إلى هذا التأثير السلبي على اقتصاد بلد وصل حافة الهاوية ما أضر كثيرا بالطبقة الوسطى ومصالحها.
○ لماذا لا تتقبل الأطراف التي تتمسك بما تسميه «الشرعية» بالحقيقة الواقعية وهي أن السيسي الآن هو رئيس مصر ولا يمكن إعادة عجلة الزمن إلى الوراء؟
• هذه الوضعية هي نتيجة حالة الاستقطاب السائدة والمستمرة بين السيسي والإخوان، الذين يعتبرون السيسي المسؤول الأول عن قتل ألفي شخص في ساحات رابعة وغيرها خلال التسعة أشهر الماضية، ويعتبرونه كذلك المخطط الفعلي للإنقلاب الذي تعرض له مرسي وهم متأكدون أن الإنتخابات غير شرعية ومزورة.
○ هل ترى إمكانية وجود تنازلات يمكن أن يتم من خلالها تجاوز حالة الاحتقان؟
• في الحقيقة عاجلا أم آجلا إذا ما أراد الطرفان التقدم إلى حل، عليهما القبول بمنطق التنازل عن بعض مواقفهم ومبادئهم. من بين التنازلات الحالية إعتراف الإخوان أن السيسي استطاع التحكم في استقرار البلد، وأنه يمتلك الكثير من الأوراق الرابحة، ومن الجانب الآخر دعنا نقول أنه توجد حالة صدمة لدى فئة كبيرة من الشعب المصري التي تساند السيسي ويتصورون أنهم كانوا في طريقهم إلى التحول من دولة ديمقراطية إلى نظام متطرف. وبالتالي المسألة المطروحة ليست عن ضرورة الوصول إلى حل أم لا؟ إنما السؤال هو كيف سيتم الوصول إلى حل هذا الموضوع الذي يسبب الاحتقان الشديد بين طرفي الصراع في مصر.
○ ما الذي يجعل الإخوان الذين تحالفوا في وقت سابق مع مبارك يرفضون التعامل مع النظام الحالي؟
• لدي احساس أن مصر تحولت إلى حالة من العقم السياسي رغم أن البلد معروف بتقاليده العريقة في التعايش وتقبل الآخر، ففي الماضي القريب وحتى في فترة مبارك كان هناك توافق وتفاهم بين الإخوان والنظام وقد استطاع هؤلا خاصة في فترة الستينيات النجاة من عدة محاولات للقضاء عليهم.
○ لماذا لا يفتح السيسي أبوابه للجميع ليبدأ صفحة جديدة؟
• الملاحظـة التي يمكن استخلاصها هي أن هناك مجموعة من أنصار السيسي يحاولون ترك الباب شبه موارب أمام الإخوان، لكن لا نعرف إن كانت هذه رغبة السيسي أم لا؟ فعودة هذا التيار ومرسي بالتحديد باتت أمرا شبه مستحيل لرفض النخبة الحالية لهم.
○ هل تعتقد أن الظرف الجديد سوف يجعل نواة تيار الإخوان تنقسم ليتجه طرف نحو التفاوض؟
• الإخوان غير متفقين فيما بينهم، فلا يوجد توافق عام حول الإستراتيجية التي يجب أتباعها في هذا الظرف، ولا يسعون جميعا للمواجهة، لأنها تكلف كثيرا وسيكونون أول ضحاياها إن حدثت، لكن من الصعب عليهم في الوقت نفسه أن يتقبلوا الهزيمة، وهم لم يصلهم أي مقابل للتنازل.
○ ما هي الكتل التي يمكن الحديث عنها داخل التنظيم مع الإتهامات الموجهة لهم بالتطرف؟
• توجد عدة توجهات داخل حركة الإخوان، أحدها يريد التحالف مع حركات إسلامية أخرى على أرضية ديمقراطية، وآخر يسعى للمحافظة على «التنظيم» الذي كان على مر العصور مصدر قوة الإخوان، وهناك ربما توجه ثالث يميل إلى التعصب، واستعمال القوة للإطاحة بالنطام أيا كان الثمن، وبكل الوسائل المتاحة.
○ وأي التيارات يجمع حوله تأييد الفاعلين في تنظيم الإخوان المسلمين؟
• أظن أن التوجه الأكثر انتشارا بينهم هو الذي يسعى إلى التأقلم والتفاوض مع النظام المفروض، فهناك جيل جديد من شباب الإخوان يسعى للحوار والحصول على موقع جديد في الساحة السياسية وحتى الدينية.
○ ألا ترى أن السيسي كسب دعما قويا من دول الخليج يسمح له بإخراج البلاد من دائرة الإنهيار الإقتصادي وبالتالي فرض نفسه منقذا لمصر؟
• نعم هناك دعم قوي يتلقاه من دول الخليج التي قدمت 20 مليار دولار هذا العام، لكن السؤال إلى متى سيستمر دعم هذه الدول للاقتصاد المصري؟ وهل سينجح النظام الجديد في معالجة المشاكل الأساسية؟ وماذا عن الوضع الأمني فهل سيتحسن ليعود السياح؟ من المؤكد أن الاقتصاد المصري ليس في طريقه للخروج من حالة الركود التي أوصله إليها نظام مبارك، ثم إن الأزمة السياسية إذا ما استمرت فستشكل عائقا كبيرا أمام تعافي الاقتصاد المصري وبعث ديناميكية حقيقية تسمح بخلق فرص عمل.
○ ألا يتضح الآن بشكل جلي أن الثورة المصرية لم تكن سوى أداة وظفها العسكر للإطاحة بمبارك ووقف مسعاه في توريث الحكم لنجله؟
• أظن أن المؤسسة العسكرية استغلت الوضع جيدا لوضع حد لنفوذ مبارك الذي كان يسعى لتوريث الحكم لإبنه، لكن لم يكونوا هم من يقف حقيقة خلف الحركة الثورية التي قامت في مصر، في الواقع الثورة المصرية تعبر عن أزمة يعيشها المجتمع المصري، أزمة شرعية نظام الحكم ولا يقتصر هذا على شخص مبارك بل على النظام بأسره.
○ هل الروح الثورية التي عايشها الشعب المصري سوف تظل مشتعلة أم أنها ستخفت في ظل حكم السيسي؟
• يجب الاعتراف بأن مجموعة واسعة من الشعب تشعر بالملل من الثورة فقد عانى المصريون مدة ثلاث سنوات من غياب الأمن، وعدم الإستقرار السياسي والاقتصادي، طبعا إلى جانب وجود مجموعة لا بأس بها من الشباب الراغب في استمرار الثورة حتى لا يشعروا أن كل الذي تم كان في النهاية من أجل لا شيء، ولهذا على النظام أن لا يضمن مطولا سكوت الشارع بل عليه أن يسعى لتحقيق توازن بين رغبته في إدارة البلاد، وإعطاء فرصة لبقية القوى السياسية وخاصة للشباب الثائر.
○ ليبيا على حافة الإنهيار والمؤسسات في حالة ضعف ووهن
• إذا انتقلنا من المشهد المصري نحو البلد المجاور الذي تتطور فيه الأحداث بسرعة شديدة قد تقلب كل الأوراق في المنطقة ألا ترون أن الدولة الليبية فعلا إنهارت؟
*ليبيا تعيش حالة جد صعبة، وتعاني في الوقت نفسه بسبب ما يحدث في مصر، وهي تشهد حالة من الاستقطاب بين الأطياف السياسية، وهي فعلا تبدو على حافة الحرب الأهلية، وقد بالغ المراقبون في فرض رؤية للوضع الليبي في الاعتماد على النموذج المصري فظهرت نفس حالة الإستقطاب الموجودة في مصر بين الإسلاميين وغيرهم. الشيء المختلف في ليبيا ان الصراع لم يأخذ بعدا دوليا حقيقيا كما في بلدان أخرى، فهو يظل صراعا داخليا يحدث بين مختلف القبائل والعشائر الليبية، ولكل واحدة مصالحها ومليشياتها المسلحة. الخطر يكمن في وصول الأمر إلى استنساخ التجربة السورية نفسها، التي تشهد صراعا إقليميا أكبر منها.
○ ألا تعتقد أن الوضع الحالي يجعل الشعب الليبي يتمنى أيام القذافي على هذه الحرب الأهلية؟
• من الطبيعي أن يعيش الشعب الليبي حالة من الإحباط الشديد بسبب تراجع الأمن، وعدم قدرة القوى السياسية المنتخبة على تسيير البلاد، وفشل الحكومة الانتقالية في تحسين مستوى الحياة اليومية للمواطن، لكن في الوقت نفسه نشاهد إصرار الشعب الليبي على عدم ترك الأمور تتدهور إلى حرب أهلية حقيقية، لهذا هم يريدون فقط حكومة تكون في خدمتهم ولا تتورط في الفساد.
○ لكن الحالة الحالية يراها البعض أسوأ من أيام نظام القذافي؟
• أنا شخصيا لم يحدث لي أن التقيت بليبيين كثر يرغبون حقا في عودة القذافي، أو هم نادمون على ذهابه، لكن يمكن أن تكون هناك رغبة في رؤية صورة لقائد شجاع وقوي يقود البلد، ربما هم يريدون رجلا مثل «السيسي» الذي يملك القدرة على إعادة الإستقرار.
○ هل الوضع في الجارة ليبيا أحد الأسباب التي أوقفت قطار الثورة على الحدود الجزائرية؟
• أغلب الجزائريين يظنون أنهم سبقوا الآخرين وقد قاموا بثورتهم عام 1988 بالرغم من أنه أمر مؤسف أن تم إجهاض الحركة الثورية نهاية سنة1992 اضف إلى هذا تعقد مأساة الجزائر مع اندلاع الحرب الأهلية التي لا تزال ذكراها عالقة في الأذهان، اضافة إلى هذا هناك نوع من الإرتياح والرضى لدى فئات الشعب الجزائري رغم كل الهواجس المطروحة بخصوص مستقبل الرئيس بوتفليقية، والسؤال من الذي سيتولى أمر قيادة البلاد بعده؟ هناك مخاطرة كبيرة بالنسبة للجزائر فهذا النوع من عدم وضوح الرؤية رأيناه أيضا في مصر قبل سقوط مبارك. ويمكن القول أن الوضع في الجزائر مختلف بعض الشيء فما زال هذا الهاجس الأمني الذي منح لبوتفليقة فرصة البقاء قائما، فهو رئيس المصالحة الذي استطاع إخراج البلاد من الحرب الأهلية، لكن هذا لا يمنع أن الجزائر تعيش في وضع خطير جدا، فالحالة الإجتماعية متدهورة، والإستقطاب السياسي في البلد لا يختلف عما هو موجود في الدول العربية الأخرى، والمشاكل الاجتماعية موجودة فيها، والفرق يكمن ربما في أن الجزائر في الوقت الحالي تعيش حالة انتظار لترى كيف سيتم حل مشكل الإنتقال السياسي في البلد الذي من حظه أنه غني جدا فهو يتمكن من شراء السلم الاجتماعي إلى حد ما.
○ ماذا عن المغرب البلد الجار ألا ترى أن النظام تجاوز ظاهريا حالة الثورة التي تشهدها المنطقة؟
• وضع المغرب يبدو مختلفا بعض الشيء فمنذ اعتلاء محمد السادس العرش، وصل معه جيل من الشباب الذي أصبح يشارك في قيادة البلاد، وهذا ما يجعل المغرب مختلفا عن مصر وحتى عن تونس بن علي، فلسنا بصدد رؤية نظام عجوز وتقليدي. وهناك أيضا الشرعية الملكية التي لا تتعرض للنقد، والكثير من المغاربة لا يطالبون مثلا برحيل الملك، فحتى حركة 20 شباط/فبراير اكتفت بالمطالبة برحيل مستشار الملك الذي هو معروف بتورطه في قضايا فساد، وقد تحرك النظام الحاكم بسرعة وبكثير من المهارة لتطويق نشاط الحركة. أظن كذلك مثلما في الحالات السابقة أن ربح الوقت قد لعب دورا مهما في هذه المعادلة فقد فقدت الحركة جاذبيتها ولم تعد تمثل الكثير للمغاربة خصوصا عندما يشاهدون ما حدث في مصر وليبيا وسوريا وغيرها. والمغاربة كانوا دائما يعتبرون أنفسهم أحسن من جيرانهم، هم يتساءلون عن ثمن المغامرة وكم يلزم من الوقت لإعادة الاستقرار والأمن؟ والوضع نفسه الموجود في دول الربيع العربي الأخرى موجود في المغرب، انعدام العدالة الاجتماعية، انتشار الفساد على مستويات رفيعة في الدولة، ثم إن إعلان دستور جديد للبلاد سمح بشراء الوقت لكننا ما زلنا ننتظر ظهور النتائج فتوجد فئات من الشعب تعيش حالة من الإحباط والخيبة.
○ إلى أي مدى يمكن أن يتطور الوضع؟
• الأكيد أن الناس ترى ما يحدث في سوريا وفي ليبيا ومصر وهشاشة الوضع رغم ما فيه من إنجازات في بعض الدول ما زال يخيفهم الأمر، وهم يتساءلون إن كان ذلك يستأهل مغامرة. للأسف الشديد الحركات الإصلاحية يمكن أن تناور القوى الرافضة لها، لربح الوقت، كورقة لعب إما أن تقبل بالوضع كما هو أو ترضى بالأسوأ.
سليمان حاج إبراهيم