لن تفهم أبدا لماذا تفتح فمك وتخبر أحدهم بأسرارك؟
هل لأن من تظنه صديقا سيحافظ على سرّك أكثر منك؟ أم لأنك في لحظة ضعف تحتاج لمن يوجهك وينصحك فيخرج السر تلو السر من بين شفتيك، ثم تجد نفسك مثل صندوق مفتوح على مصراعيه تخرج منه كل ما مضى وترميه أمامه ليخف وزنك، مع أنّك حين تفعل ذلك فلكي تجد يدا تخلّصك من محنة تمر بها، أو تسحبك من نفق دخلت فيه بالغلط في لحظة تهوّر.
البوح بما يجب أن نخفيه يتكرر كثيرا، وكوارثه تتكرر أيضا، لكن في كل الحالات أظن أننا لا نطرح السؤال الخطير والمهم على أنفسنا: لمن يجب أن نخبر أسرارنا؟ فليس كل صديق قادر على استيعاب محتويات قلوبنا. مع أننا عند الطعنة فقط ندرك ذلك…
ولأنّنا لا نتعلّم يحزننا الأمر ولكنّنا نبلع « اللقمة المُرّة» التي أطعمنا إياها صديق كنا نظنُّ أنّه أقرب إلينا من الوريد . نبلعها ونتوجه لصديق آخر لنشتكي له… ثم حين يصبح لأسرارنا أجنحة، وتطير من شخص لشخص نصبح مثل الغسيل المنشور على السطوح، الجميع يراه والجميع يتناوله كوجبة ثرثرة.
بعض هذه الأسرار تصبح مقصلة للقضاء علينا، فنحن أصلا مجتمعات هوايتها الأولى الثرثرة…! ولولا هذه الهواية لما فتحنا أفواهنا…
رحيم عتيقي يقول «يصغي الحجر لكلماتك وأسرارك، يمصها مثل إسفنجة، إلى أن يأتي يوم ينفجر فيه»… إن كان الحجر ينفجر فهل هناك من يحفظ السر؟ أولئك الذين يقولون لك «سرّك في بير» هل يقصدون ذلك فعلا؟ أم أنّه طعم لتخرج ما لديك؟
الرّائع فيكتور هيغو يقول: «وحدهم الأطفال لديهم القدرة على حفظ سر» ويبدو أنّه لم يخطئ في ذلك، فالأطفال يدركون بالفطرة أن إفشاء السر فيه خطورة، بل أبعد من ذلك هم يدركون أن ما لا نحب الاعتراف به شيء نخجل منه أو يضرنا لهذا يتحوّل إلى سر، بقي الآن أن نفهم الكبار هذه الحقيقة.
المعالجة الأمريكية إيفان إمبر بلاك، التي لها العديد من المؤلفات حول معالجة المشاكل النّفسية للعائلات تقول في كتاب جد مهم عنوانه «أثقال الأسرار العائلية» إننا يجب أن نصنّف الأسرار التي لدينا إلى أربع خانات لنعرف كيف نتعامل معها، وإلى أي مدى يمكننا أن نتفوه ببعضها ونبقي البعض الآخر لأنفسنا مهما كانت الظروف.
أول خانة وضعت فيها الأسرار اللطيفة، وهي كل ما يتعلّق بعمل نرغب أن نفاجئ به شخصا ما، كتحضير حفلة عيد ميلاد أحدهم، جمع صديقين لم يريا بعضهما منذ زمن طويل، عودة مسافر غاب طويلا ليفاجئ عائلته.. إلخ. كل هذه أسرار من النّوع الذي يمكن تقاسمه مع فئة قليلة لإبهاج أحدهم، لكنّها أيضا أسرار إن خرجت تحت السيطرة تظل لذيذة وغير مؤذية.
الخانة الثانية للأسرار الخاصة التي نحب أن نكتبها في مذكراتنا حين نتعب، أشياء تخصنا، وتخص منغصاتنا وعيوبنا الشخصية. لا داعي لنثر هذه الأسرار هنا وهناك. إنّها تخصنا وكفى وحتى إن كان البعض يظن أنها لا تؤذي أحدا، فإنّها في الحقيقة تؤذينا نحن. إذ ليس من الذكاء أن نكشف نقاط ضعفنا للناس ونتوقع أن لا نُذبَح من بعضهم إن اضطروا لذلك.
الخانة الثالثة للأسرار القاتلة والفتّاكة. وهي لها مفعول السم، أسرار تتعلّق عادة بالعائلة، وبقاء العائلة واقفة يظل مرهونا ببقاء السر داخل أسوار العائلة، مثل إصابة أحد أفراد العائلة بمرض الإيدز، أو حمل إحدى بناتها من علاقة لا شرعية، أو دخول أحدهم السجن أو انتحاره، أو ما شابه ذلك، ثم تأتي الخانة الرّابعة وهي أسوأ من غيرها حين ترتبط بطرف مهدد بتعقيد الأمر أكثر وجعله مأساويا إن خرج السر كالتستر على جريمة قتل، أو سرقة تمت داخل العائلة، أو غيرها، إفشاء السر هنا مرتبط مباشرة بدخول أحدهم السجن مثلا وتعرّض العائلة كلها للأذى.
السر بكل أنواعه مهما حاولنا إخفاءه سيطفو على السطح، وهذا يعيدنا لمقولة رحيم عتيقي. إنها قاعدة الحياة.
وقديما قيل «لا تخبر سرّك لعزيز، فلكل عزيز عزيز» وهذا أيضا من قواعد الحياة التي كانت وستظل، فسرّك إن خرج من عندك فتأكد أنه صار عند أكثر من شخص. وعلى رأي الإمام الشافعي:
إذا المرء أفشى سره بلسانه .. ولام عليه غيره فهو أحمق
إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه .. فصدر الذي يستودع السر أضيق
لكنّ إن تعرّضت سيدة للتحرّش وأخبرت صديقتها على سبيل المثال هل يجب أن تسكت؟
إن أخبرك أحدهم أنّه رأى جريمة قتل وعرف القاتل فيما الشرطة ألقت القبض على غيره هل تسكت؟ هل كل سر يجب أن يدفن في قبر أبدي؟ القاعدة العلمية تقول إن كل سر مؤقت إلى أن يطفو على السطح، بالتالي علينا أن ننتبه إلى أن بعض الأسرار يجب أن نبوح بها في حينها. فبعض الأسرار تموت مع أصحابها، وهذا أمر سيئ عكس ما يتوقعه البعض. الطبيب الذي يبقي تركيبة دوائه سرا إلى أن يموت ويأخذ معه وصفته السحرية أناني ومجرم. الأسرار المدمرة التي تتعلّق بالأطفال غير الشرعيين ـ مع أنني لا أوافق على هذه التسمية- يجب ألا تبقى حبيسة الأدراج والصدور الحاقدة على الحياة. ليس عدلا أن تُدَمّر حياة إنسان بسبب سر.
غير ذلك وبعيدا عن مواجع الحياة التي تصنعها بعض الأسرار، علينا أن نعترف بأن لكل شيء أسرارا، للجمال أسرار، للمهن أسرار، للعلوم أسرار، للتكنولوجيا أسرار، للإبداع أسرار، وللنجاح أسرار… كل شيء مبني على أسرار، ومعرفتها تفتح آفاقا للنجاح والتقدم وتحقيق ما نريد. وهذا ما وقفنا عليه في كتاب «السر» لروندا بايرن… الكتاب الذي باع ملايين النسخ ليقول لنا ما نعرفه، ولكننا بشكل ما لا نطبقه بحذافيره لننجح، حتى أن تسميته تبدو غريبة، إذ لا نجد سرا واحدا في الكتاب يجعلنا نندهش عند اكتشافه، لكن الكاتبة أصرّت على أنه سر، وأطلقت مصطلحات جديدة على ما نعرفه بأسماء مغايرة. هي تقول إن هناك قانون جذب يقوم على التفكير الإيجابي، وكلما كان الشخص إيجابيا جذب إليه النجاح والسعادة وما يريد، ونحن في موروثنا الاجتماعي البسيط نقول «إضحك للدنيا تضحك لك» و»جاور السعيد تسعد»، كما نردد كثيرا قولا يُنسبُ لرسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام: «تفاءلوا خيرا تجدوه»، إنّه ليس سرّا ومع هذا فالغالبية لا تعرف كيف تتفاءل ولا أن تضحك للدنيا ولا أن تجاور سعيدا…! وفوق ذلك هي ليست بحاجة لكتاب روندا بايرن، ولا أن تغير من طباعها وأمراضها النفسية والاجتماعية.
أما خلاصة قولنا اليوم بعد هذه الجولة الصغيرة في عالم الأسرار، فهي أن الكون كله مبني على الأسرار، وأقوى سر نركض لمعرفته ولا نستطيع هو سر الحياة نفسها. فإن كان الشخص في حد ذاته سرّا، يولد ويعيش ويموت وفق سر لا يستوعبه، إذن لننظر لباقي الأسرار في حياتنا على أنّها لا شيء ونتوقف عن تسميم حياتنا وحياة من حولنا، ولنتفق: نعم للأسرار اللطيفة، ولا مليون مرة للأسرار القاتلة.
شاعرة وإعلامية من البحرين
بروين حبيب