انطلق «أسبوع الكتب الممنوعة» سنة 1982، من أمريكا، ويُقام سنويا في الأسبوع الأخير من شهر أيلول (سبتمبر)، وتتولى تنظيمه «رابطة المكتبة الأمريكية»، ومنظمات أخرى طوعية وغير حكومية. وتكفي إشارة، على الفور، إلى أنّ عدد الكتب التي مُنعت أو صودرت أو تعرّضت لملاحقات قضائية بلغ، منذ ذلك التاريخ الأوّل، 11.300 كتاب، في الولايات المتحدة وحدها.
للمرء أن يزور أي موسوعة ميسرة لكي يكتشف لوائح مذهلة لمئات العناوين، على اختلاف موضوعاتها وأجناسها التأليفية وجنسياتها. اللافت أكثر، بعد هذه الرياضة الأولى، أن يتبيّن المرء ذاته أعداد الكتب الممنوعة، أو التي شهدت احتجاجات شعبية ضدها، أو لوحقت في القضاء، ليس ضمن نطاق أنظمة الاستبداد والشمولية وانعدام القانون وتغييب حريات التعبير، فحسب، بل أيضا، وربما أكثر عددا ونوعية، في الأنظمة الديمقراطية وسيادة القانون.
خذوا، على سبيل المثال الأول، هذه النماذج من لائحة الأعمال الممنوعة قراءتها في سجون ولاية كارولاينا الشمالية، بقرار إداري من «إدارة الأمن العام»: إدوارد وليام لين، «معجم عربي ـ إنكليزي»، مؤلفون، «أسس تقنيات الكتابة»، عامّ، «موسوعة الكلاب»، بيل برادلي، «موسوعة كرة السلة»، عامّ، «قاموس ألماني موسّع»، عامّ، «أطلس العالم الجديد»، بيتر روبينو، «النحت بالطين»، بيتر هينشو، «موسوعة أدب الخيال العلمي»، إفرايم كاتز، «موسوعة السينما»، عامّ، «قاموس وبستر الشامل»… فإذا كان معجم لين رجيما لأنه يحتوي مفردات عربية (رجيمة، استطرادا، أو بالضرورة؟)، فما المشكلة مع قاموس وبستر… الإنكليزي!
وكانت مكتبة الكونغرس قد أقامت معرضا بعنوان «كتب كوّنت أمريكا»، وهنا، في مثال ثانٍ، بعض تلك الأعمال التي عُرضت، ولكنها كانت قد مُنعت أو صودرت أو لوحقت: مارك توين، «مغامرات هكلبري فين»، 1884، لأنها اعتُبرت «نفاية لا تلائم إلا الأحياء الفقيرة»، مالكولم إكس وأليكس هيلي، «السيرة الذاتية لـ مالكولم إكس»، 1965، وقد نُظر إليها كـ»دليل يعلّم ارتكاب الجريمة»، ومعاداة البيض، توني موريسون، «محبوبة»، 1987، التي تعرّضت لشكاوى دائمة من أهالي الطلاب والشخصيات المحافظة لأنّ الرواية تكرّس العنف وتحرّض السود على البيض، دي براون، «ادفنوا قلبي عند الركبة الجريحة»، 1903، لأنه يثير إشكاليات تاريخ الهنود الحمر، ويعيد سرد تاريخ توسّع الولايات المتحدة في الغرب من وجهة نظر الأقوام الأصلية، جاك لندن، «نداء البرّية»، 1903، لأنه يقيم الوجود على أساس من العلاقة بين إنسان وكلب، وهذا تفسير اعتمدته النازية أيضا فأحرقت الرواية، جوزيف هيلر، «الخدعة 22»، 1961، بسبب لغته المكشوفة وهزئه من تقاليد الجيش الأمريكي، ج. د. سالينجر، «الحارس في حقل الشوفان»، 1951، لأنها تنطوي على «الهرطقة» و«الانحلال» و«المجون»، و«تخريب الأخلاق»…
عناوين أخرى ضمّت إرنست هيمنغواي، «لمن يقرع الجرس»، 1948، مرغريت ميتشل، «ذهب مع الريح»، 1936، جون شتاينبك، «أعناب الغضب»، 1939، ف. سكوت فتزجيرالد، «غاتسبي العظيم»، 1925، ألن غنسبرغ، «عواء»، 1956، ترومان كابوت، «بدم بارد»، 1966، رالف إليسون، «الرجل غير المرئي»، 1952، أبتون سنكلير، «الغابة»، 1906، والت ويتمان، «أوراق العشب»، 1855، هرمان ملفيل، «موبي ديك»، 1851، ريتشارد رايت، «ابن البلد»، 1940، ناثنييل هوثورن، «الحرف القرمزي»، 1850… ولأنّ الولايات المتحدة ليست الوحيدة في هذا المضمار، تجدر الإشارة إلى ديمقراطيات أخرى منعت الكتب أو صادرتها، ابتداء من «عوليس»، رائعة جيمس جويس، مرورا بأمثال جون ملتون، فولتير، أونوريه دو بلزاك، فلوبير، شارل بودلير، جوزيف كافكا، د. هـ لورانس، جورج أورويل، ميغل أنخيل أستورياس، هنري ميلر، إريك ماريا ريمارك، بوريس باسترناك، نادين غورديمر، أرونداتي روي، وليس انتهاء بعمل لويس كارول الشهير، «أليس في بلاد العجائب»!
لكنّ الحكاية المفضّلة عندي، في ملفّ رقابة الكتب، هي تلك التي تعرّض لها موريس سينيه (1928ـ2016)، أحد كبار رسّامي الكاريكاتير الفرنسيين، ولكن خارج بلده الأمّ هذه المرّة، في بريطانيا، حين أُعدم أحد أعماله. ففي سنة 1966، أقدمت دار نشر «بنغوين»، بقرار فردي من مؤسسها ألن لين، على إحراق 50 ألف نسخة من كتاب سينيه «مجزرة»، لأنه اعتُبر إهانة لمشاعر المسيحيين، رغم أنّ الكتاب كان ترجمة عن الأصل الفرنسي. ويُروى، هنا، أنّ لين ـ الذي سبق له أن دافع، بشراسة، عن طبع «عشيق الليدي شاترلي»، رواية د. هـ. لورانس ـ ترك إدارة الدار منهمكة في مناقشة ما يتوجّب عمله بصدد كتاب سينيه، وانسلّ مع أحد مستخدمي الدار الموثوقين، وحمّل الطبعة كاملة على ظهر شاحنة صغيرة، ومضى بها إلى مزرعته الخاصة، فأحرقها هناك!
ثمة ما هو أسوأ من حرق الكتب، مع ذلك: أن تمنع الناس من قراءتها، كما يقول الشاعر الروسي جوزيف برودسكي. والأشنع، أيضا، أن تُعقد للكتب محاكم تفتيش معاصرة، من عيار خاصّ يناسب الديمقراطيات الغربية، حيث حرّية التعبير وقائية، أو موسمية، أو انتقائية!
صبحي حديدي