أشباح الأحزاب العربية

حظيت الأنشطة الحزبية بكثير من العداوة من الأنظمة العربية، وكان الاستهلال مع حسني الزعيم وانقلابه في 1949وضيقه بالأحزاب وصولاً إلى اعتقال الآلاف من الحزبيين.
وتبعه جمال عبد الناصر الذي أطلق حملة منهجية على الأحزاب واستبدلها بمجموعة من المعالجات للحزب الواحد، فكانت هيئة التحرير وبعدها الاتحاد الاشتراكي، والتشكيلين استقطبا كتلة معتبرة من الانتهازيين الذين لم يجد كثير منهم الحرج في إعادة استصلاح أنفسهم، حسب المعايير التي وضعت من قبل السادات وحسني مبارك بعد ذلك، أما العقيد القذافي فتوجه إلى تخوين فكرة التحزب في كتابه الأخضر في واحد من أكثر فصوله تماسكاً واتساقاً منطقياً، رغم انطلاقه من افتراضات خاطئة.
في تاريخ الأحزاب العربية، أحد الفصول التي تبين عمق الأزمة الحزبية داخل أنظمة، بل ومجتمعات، غير ناضجة ديمقراطياً، فمع ثورة مايو 1969 التي صعدت بجعفر النميري رئيساً للسودان، كانت الأحزاب السودانية التي فشلت تجربتها بعد ثورة 1964 عرضة لعملية إقصاء جماعي، إلا أن النميري استعان ببعض الشيوعيين في حكومته، وبرر ذلك بأنه اختارهم لكونهم وطنيين مخلصين وأمناء لقضيتهم، فكان الإيحاء العام بأن الوطنية المخلصة والأمينة تتناقض مع الالتزام والعقيدة الحزبية، ولكن يبدو أن ذلك لم يكن رأي الأنظمة العسكرية، أو شبه العسكرية وحدها، ولكنه نزعة عامة لدى الشعوب العربية التي لم تلتفت للأحزاب ولم تعتبرها ضمن حقيبة أدواتها الوطنية.
يحمل التاريخ السياسي العربي مشاهد كثيرة كانت تقصي الأحزاب عن دائرة الاهتمام الشعبي، وتجعلها منفصلة وجدانياً عن القاعدة الجماهيرية الواسعة، والأحزاب أسهمت بدورها في ذلك، وجعلت بعض عيوبها تتحول من ظاهرة ملحوظة إلى قاعدة ملموسة، وكان افتقار الأحزاب للممارسة الديمقراطية داخل أطرها التنظيمية أحد أسباب وضعها في تناقض صارخ ومستفز، مع مطالباتها بتداول السلطة، ذلك أن معظم الأحزاب العربية ارتبطت بشخصيات بقيت تحتفظ بمناصبها القيادية لفترات زمنية طويلة، تدحض أي قناعة داخلية بضرورة التغيير والتداول. فالحزب الشيوعي السوري مثلاً بقي مجرد ديكور مسرحي وراء شخصية خالد بكداش، بينما كان حزب التجمع في مصر يتداخل مع حكيمه خالد محيي الدين، وبعض الشخصيات القيادية في الحزب، وكأن محيي الدين نقل إليه جرثومة الضباط الأحرار، وهذه الوضعية المختلة تركت الأجيال الشابة وأصحاب الأفكار والرؤى الجديدة يتوجهون للانشقاق والخروج عن الحزب وتشكيل كياناتهم الحزبية الجديدة، التي كان من شأنها أن تضعف مجمل الحياة الحزبية بتشظيها وتفتتها، وهذه إشكالية أخرى شهدتها الحالة العربية، فلا توجد أحزاب كبيرة أو شعبية، ولكن تكوينات حزبية تصل أحياناً إلى الحالة المجهرية، ففي الأردن انشقت في مطلع الألفية الثالثة مجموعة من الشيوعيين لتشكل حزب الشغيلة، منافساً للحزب الشيوعي الأردني، الذي يقع أصلاً خارج المنافسة السياسية في الأردن وتنحصر مكتسباته ببعض الوجوه في دوائر النخبة الثقافية والفكرية، بدون أن يحقق أي اختراق على مستوى المجالس النيابية لفترة طويلة.
وأتت موضة المناداة بالحياة الحزبية لتكون طوق النجاة للديمقراطيات الناشئة التي وقعت ضحية سطوة المال السياسي والعشائرية، كما هي الحالة في الأردن، ولكن الفهم للوجود الحزبي لم يكن أكثر من تنظيم أنصار شخصية سياسية ثقيلة، خرجت من التجارة أو القطاع الحكومي ببعض المناصرين الذين يشكلون قوام الحزب ويتجمعون بناء على مصالح شخصية ضيقة ومكتسبات تختلف حسب اقترابهم من رئيس الحزب الذي يوزع من وقت لآخر بعضاً من أعطياته المادية أو الأدبية عليهم، فكان عبد الهادي المجالي الرجل الذي أتى من خلفية أمنية ومن أحد العشائر النافذة في الأردن، وتمكن من بناء ثروة كبيرة، نموذجاً لهذه الفئة من الحزبيين الذين يقودون أحزاباً كرتونية، يمكن أن تتلاشى من الوجود نتيجة شعور (زعيمهم) الحزبي بالملل أو وصوله إلى تسوية شخصية حول بعض المكتسبات السياسية.
تجربة أخرى مريرة عايشتها الشعوب العربية مع أحزابها وتمثلت في تهافت الأحزاب على الانقلابيين في كل مرة، وتحاول أن تصل معهم إلى تسويات وأن تتحصل منهم على مكتسبات صغيرة، بما كان يعطي الأنظمة الصاعدة من الخلفية العسكرية برهة لتنظيم شؤونها تجاه الانفراد بالحكم، وإعادة تشكيل النظام السياسي بما يتناسب كلية مع أهدافها ومصالحها، وهذه النقطة مرتبطة بالشخصنة في هيكلية الأحزاب، لأن قراراتها دائماً كانت بيد الأمين العام وحده الذي يشكل نموذجاً مصغراً للديكتاتور والطاغية داخل محيطه الحزبي، وفي أفضل الأحوال لدى فئة محدودة من أعضاء الحزب، فتيسرت عمليات الاستمالة والاستقطاب بمجرد وعود بمعاملة خاصة، أو فرصة مقبلة للرجل الأول في الحزب، بدون أن يضطر النظام الجديد للدخول في عملية احتواء لتنظيم حزبي متكامل وما يترتب على ذلك من تكلفة كبيرة وإرهاق فكري لم تكن الأنظمة الناشئة مؤهلة لأن تخوضه.
لم تتوقف أخطاء الأحزاب العربية عند هذه المرحلة، فعلى الرغم من الذهنية الأمنية التي حكمت الأنظمة المقبلة من خلفية عسكرية، إلا أنها تركت التكوينات الحزبية تجري الكثير من الاتصالات مع دول أخرى، كانت عادة بين الدول العظمى، خاصة الاتحاد السوفييتي، أو دولا عربية تطرح مشاريع قومية عابرة لحدودها، فكانت بداية الصراع في زمن حسني الزعيم مع حزب الشعب على خلفية عداء الزعيم للعراق، وعلاقة أعضاء حزب الشعب بالسلطة في بغداد، وكانت الأحزاب الشيوعية دائما ما توصم بعلاقاتها مع الاتحاد السوفييتي ومشاركتها في العديد من الأنشطة في موسكو وعلى شواطئ البحر الأسود، حيث المنتجعات الفارهة للحزب الشيوعي السوفييتي، وفي الأردن الذي يعاني من ازدحام حزبي غير منتج، تأسس فرعان لحزب البعث أحدهما تلقى الدعم من النظام السوري والآخر من العراقيين، مع حزب قومي آخر حصل على دعم من القذافي وانتهى معه، بجانب أحزاب أخرى ارتبطت بمتقاعدي الثورة الفلسطينية، وفوق ذلك كان الإخوان المسلمون الذين يعتبرون جزءاَ من التنظيم العالمي للجماعة، وهذه الوضعية كانت تؤيد بصورة أو بأخرى التناقض الذي اصطنعه النميري بين الوطنية المخلصة والأمينة والانتماء الحزبي.
بعد ثورات الربيع العربي أصبحت الأحزاب تتطور بسرعة، لتكون محصلة اجتماع مع أحد رجال الأمن المتقاعدين، أو الإعلاميين المؤثرين، أو رجال الأعمال، فكانت أحزاباً تعيد وبإصرار جميع أخطاء التراث الحزبي في الدول العربية، ولكن بصورة رديئة وعلى جانب كبير من التهافت والرثاثة، للدرجة التي وصلت بأحد الإعلاميين الخلافيين ممن حصلوا على فرصة عضوية مجلس الأمة، للاستئذان من الرئيس المصري في تشكيل حزب معارض، مطالباً أجهزة الدولة أن تساعده على ذلك، فأي أحزاب يمكن أن تصنع المستقبل أو تكون جزءاً من صناعته وهي على هذه الشاكلة من الاتضاع الفكري والتهافت السياسي.
مشكلة الحزب في أي دولة عربية هي جزء من المشكلة العامة للمجتمعات العربية، التي كانت مواجهتها بفرصة الديمقراطية، مثل صدمة الشمس الساطعة لرجل ولد وعاش حياته كلها في كهف معتم، فأخذ يتخبط وينتفض مع تعرضه لأشعة الشمس وربما حملها مسؤولية خراب حياته مأخوذاً بحنينه للكهف المعتم وأشباحه.

٭ كاتب أردني

سامح المحاريق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية