يافطات بيضاء ارتفعت بليل في رام الله، لتعلن أنه طالما انحصر الخيار بين الدولة الواحدة والدولتين، فإن خيار الجهة الغامضة، حيث أن اليافطات أتت مغفلة من أي إشارة لمن تحمّل تكلفتها المادية والمعنوية، هو الدولة الواحدة، ولأن رام الله مدينة صغيرة والسلطة الوطنية تبقى صاحبة أولوية أمنية، فبالون الاختبار أتى واضحاً وعالياً، حتى لو لم يكن الخطاب السياسي للسلطة يتبناه بصورة علنية وصريحة.
الدولة الواحدة ليست مشروعاً جديداً، وفوق ذلك كانت تبدو أمراً واقعاً في فترة السبعينيات والثمانينيات، ومن الناحية النفسية فإن الفلسطينيين، أو أجيالاً معينة من الفلسطينيين، ترى أن الإدارة الإسرائيلية تشكل تحدياً يدفع بالمقاومة الفلسطينية لتأسيس روح وطنية، على أساس عمومية حالة الظلم والاضطهاد، بينما الأمر يختلف مع السلطة الوطنية، التي اغتذت على الممارسات الاعتيادية، وجميع عيوب نظرية الحكم العربية، بما أطلق حالة من الانقسام، بقيت بدورها تتفاقم أمام عدم قدرة السلطة على تحقيق النموذج الموعود، الذي كان يمكن أن يطرح مقابل النموذج الاسرائيلي، ويعلن فلسطين مشروعاً وطنياً ديمقراطياً وعلمانياً.
الدولة الواحدة في نسختها الجديدة بدت وكأنها خطوة ارتجالية طرحتها إدارة أمريكية، لا تمتلك إطلاعاً مناسباً وكافياً على الحالة الفلسطينية، ولكن مجريات الأحداث التي أتبعت تصريح أو تلميح واشنطن، تصب في احتمالية حدوث إنضاج سابق للمشروع، وعلى الرغم من الاستقبال المتحمس في بعض الأوساط، فإنه يبقى ضبابياً وغامضاً، والنوايا الإسرائيلية تبقى مستغلقة على محاولات التكهن والتنجيم القائمة على الساحة الفلسطينية، فهوة واسعة تفصل بين ما يتخيله الفلسطينيون وما يبرمجه الاسرائيليون، وعلى ذلك فإن الحديث عن الدولة الواحدة يبقى مفتقراً لأي إطار عقلاني يمكن أن يحدد طبيعتها أو شكلها، وطيف الاحتمالات الذي يمكن أن يفضي له هذا المشروع متسع للغاية، ابتداء من المحاصصة على الطريقة اللبنانية وحتى العزل على طريقة جنوب افريقيا.
مجرد طرح الدولة الواحدة من الطرف الأمريكي، وعلى هامش زيارة نتنياهو للبيت الأبيض يلفت الانتباه لكثير من الاعتبارات، التي يجب التوقف عندها قبل التفكير في التعويل على المشروع والمراهنة عليه، فالمشروع يعني ضمنياً إسقاط حق العودة، لأن اسرائيل لن تدخل في مشروع الدولة الواحدة على أساس عجز ديموغرافي كبير أمام الفلسطينيين، وعليه فالمشروع مخصص للمواطنين الفلسطينيين المسجلين لدى السلطة واسرائيل، وهو ما يعمق الهوة بين الفلسطينيين في الشتات والداخل، ويتزامن مشروع الدولة الواحدة مع مؤتمر اسطنبول، الذي يطرح الخارج في مواجهة الداخل في المعادلة الفلسطينية، ولا يمكن، وبالطبع دون إنكار النوايا الحسنة لمعظم المشاركين، أن يتم تصنيف المؤتمر ضمن محاولة تعميق الهوة بين الداخل والخارج، أو محاولة طرح الخارج في معادلة ستؤدي إلى استبعاده وتراجع حق العودة على خريطة الأولويات الفلسطينية.
علاوة على الآثار السلبية على الشعب الفلسطيني بمعناه الواسع، من حيث هو ضحية جريمة إنشاء الدولة الصهيونية في المنطقة، فإن المشروع يقدم خدمة مجانية لاسرائيل، من خلال دمجها في مشروع شرق – أوسطي تتساوى فيه الهوية العربية مع الهويات الأخرى كالكردية والأمازيغية، مع الاحترام الكامل لحقوق هذه الشعوب الوجودية والثقافية، ومع اسرائيل، وتكون اسرائيل هي القوة المسيطرة والمركزية في منظومة سترفع شعارات احتواء وتحجيم الطموحات الإيرانية والتركية في المنطقة.
الدولة الواحدة مشروع يجب أن يرفض على أساس أخلاقي من حيث المبدأ، فهو يمنح الشرعية الكاملة لدولة اسرائيل التي ستلتهم بالضرورة السكان الفلسطينيين، ضمن منظومة من التدابير المدروسة، كما أنه يشكل تغولاً على حقوق اللاجئين، لأن اسرائيل لن ترتكب جريمة الانتحار ديموغرافياً وتفتح الدولة الموعودة أمام الشتات الفلسطيني، وبالتالي فمشروع الدولة الواحدة لا يمكن أن يقوم على أرض فلسطين وحدها، ولا يمكن قبوله بالتوسع في المشروع على حساب أي أرض عربية أخرى تحت أي مبرر أو سبب أو ذريعة، والأصل أنه يمكن استيعاب المهاجرين اليهود من خلال واقع إقليمي مختلف، يكون على أساس تواجدهم في دولة واسعة وموحدة، دولة هي بالضرورة أكبر من فلسطين أو اسرائيل، دولة طبيعية تقوم على تصالح الجغرافيا مع التاريخ وتآلفهما.
توجد مؤشرات غير مريحة إلى أن السلطة الوطنية تمضي لعملية تفكك ذاتي بصورة واعية أو غير واعية، فالحديث عن انتخابات في الضفة الغربية وعزل قطاع غزة ضمن الواقع الذي تفرضه حركة حماس، يعطي ايحاء بأن السلطة تبحث عن استعادة الشرعية في اتجاه خطوة كبيرة وطموحة من وجهة نظرها، ومما يثير التخوف أيضاً أن السلطة لن تقدم على التساهل مع مشروع الدولة الواحدة الذي يفككها وينفي وجودها تحت سطوة الأمر الواقع، إلا من خلال وصولها إلى قناعات بعدم قدرتها على المواصلة ضمن الشروط الحالية، والتهديد بحل السلطة وتفكيكها ليس جديداً وجرى تداوله لأكثر من مرة، وعلى الأقل فالدولة الواحدة تقدم حدود الاحتواء الدنيا وتبعد أشباح الفوضى ولو إلى حين.
الفلسطينيون وحدهم كالعادة، ودون دعم حقيقي من المحيط العربي، يواجهون مشروعاً كبيراً وخطيراً، ولكن هذه المرة يجب أن تُستفز حاسة البقاء لدى الدول العربية، فالدولة الواحدة تشكل تهديداً فعلياً وحتى جذرياً للخرائط القائمة في المنطقة، ولذلك فالمحافظة على السلطة، والخروج من منطق المناكفات والتلاعب بالفلسطينيين يصبح مطلباً براغماتياً للدول العربية وضرورة سياسية، ودون الخوض أصلاً في الإنشاءات التقليدية والشعارات البالية، فالدول العربية بوقوفها أمام الهرولة لمشروع الدولة الواحدة، بكل ما يشتمل عليه من غموض ومخاطر، تنقذ نفسها من كيان جديد في المنطقة لا يوجد ما يبرر الاعتقاد بأنه لن يحمل مزيداً من طموحات التوسع والالتهام، وإذا كانت الدولة الواحدة هي الحل الوحيد المتاح، فإن التواجد العربي من شأنه أن يحسن الشروط التي تحيط بعملية صياغة هذه الدولة وترسيمها، بحيث لا تتحول إلى مجرد قفزة في المجهول يرتكبها شخص خائف على طرف الهاوية لمجرد الافلات من الذئاب الراكضة نحوه.
إذا كان ثمة دولة واحدة، فإنها لا يمكن إلا أن تقوم على أساس دولة فلسطين التي يمكن أن تتسع للعرب واليهود، وبعد أن تتم تسوية معقولة من أجل عودة جانب كبير من اليهود لأوطانهم الحقيقية التي ما زالت ملامحها مرتسمة على وجوههم وفي لون بشرتهم، وتعويض جانب كبير من الفلسطينيين الذين ولدوا في الشتات، من خلال قبولهم في الدول الأخرى كمواطنين بخصوصية تتشابه مع الأرمن والشركس، ولكن اغلاق ملف القضية بهذه الطريقة وتحت هذه الظروف وضمن هذه الشروط، كل ذلك ليس إلا ترحيلاً للمشكلة لتكون بذرة لانفجار كبير لا يمكن التنبؤ بسلوكه أو مساره.
كاتب أردني
سامح المحاريق