أشبار القدس الحبلى

حجم الخط
10

 

في أيلول (سبتمبر)، السنة الماضية، سعت الحكومة الإسرائيلية إلى إصدار تشريع يسمح لليهود بالدخول إلى باحة الأقصى، وممارسة مختلف الشعائر الدينية هناك؛ الأمر الذي استوجب إضافة إجراء عسكري وأمني يكمل ذلك التشريع، أي تكليف جيش الاحتلال بحماية المصلّين اليهود، حتى إذا اقتضى الأمر إخلاء الباحة من الفلسطينيين، وسائر زوّار المكان أيضاً. إجراء آخر مكمّل، لا يقلّ خبثاً، هو إعداد لوائح بأسماء أشخاص فلسطينيين يتوجب منعهم نهائياً من دخول الحرم الشريف والمسجد، لأنهم صُنّفوا تحت مسمى «الإسلاميين المتشددين».
وفي تشرين الأول (نوفمير) 2013، طُرح في الكنيست الإسرائيلي مشروع قانون بعنوان «قدسية أورشليم»، قدّمه يعكوف ليتسمان، من كتلة «يهدوت هاتوراة»، أو «حزب التوراة الموحد»؛ يقضي بإجبار الحكومة الإسرائيلية على وقف أي شكل من أشكال التفاوض حول تقسيم القدس، أو التنازل عن أيّ جزء منها للفلسطينيين؛ إلا بعد الحصول على موافقة 80 عضواً من أصل 120، إجمالي أعضاء الكنيست.
قبل هذا وذاك، ذات يوم غير بعيد أيضاً، كان أرييل شارون، رئيس وزراء إسرائيل الأسبق، قد تباهى بـ»مكرمة» كبيرة قدّمها إلى مواطني القدس الشرقية من الفلسطينيين، تبيح لهم التصويت في الانتخابات غير الإسرائيلية. وقد اعتبر شارون، يومذاك، أنه إنما يشدد على مبدأ «حرّية التعبير»، الذي تلتزم به دولة إسرائيل، بوصفها «واحة الديمقراطية» الوحيدة في الشرق الأوسط.
وفي الأصل، كان رئيس وزراء إسرائيلي أسبق بدوره، هو مناحيم بيغن، قد تولى الترجمة السياسية، والاستيطانية، لقرار الكنيست الذي يعتبر القدس «عاصمة أبدية موحدة لشعب إسرائيل»؛ فاقتضت الترجمة إطلاق حملة حفريات أركيولوجية هوجاء، لا تكتفي بتشويه الحقائق الأبسط، والأصلب، حول تاريخ القدس، فحسب؛ بل كذلك طمس حقائق أخرى، ليست البتة أقلّ بساطة وصلابة، حول تاريخ العرب والمسلمين في المدينة المقدسة. ولقد بلغ السعار ذروة هستيرية غير مسبوقة، حين بادر المدير العام للآثار والمتاحف في إسرائيل إلى اقتراح إعادة تحقيب التاريخ الإنساني على النحو (اليهودي، الحصري!) التالي: منذ الآن سوف نطلق على عصر الحديد اسم «عصر بني إسرائيل»، وعلى الهيلليني اسم «العصر الحشموني»، وعلى الروماني اسم «عصر الميشنا»، وعلى البيزنطي اسم «العصر التلمودي».
والحال أنّ المؤسسة الصهيونية، قبل زمن طويل يسبق إعلان تأسيس الكيان الإسرائيلي، انفردت عن العالم بأسره في تحويل علم الآثار إلى ديانة، تتجاوز بكثير علم الحفريات في التاريخ الغابر، وتذهب وظائفها أبعد من إضاءة الماضي أو استكشاف حلقات غامضة في السجلّ الإنساني. في إطار ذلك السعار، على سبيل المثال فقط، كانت الحفريات في بوّابة المغاربة، رغم انتفاء أية صلة تجمع التلّة بالعبادات اليهودية، لأنّ اليهود ظلوا حتى عام 1519 يصلّون عند بوابة الرحمة المقدسية، وفي عام 1632 منحهم الوالي التركي حقّ الصلاة في منطقة الحرم، عند حائط البراق، وكان الحيّ مأهولاً بالمسلمين وحدهم.
طريف اليوم، في المقابل، أن يتخذ يعكوف لينتسمان، وزير الصحة الإسرائيلي، موقفاً مناهضاً للتشريع الخاصّ الذي يناقشه الكنيست، حول وقف الأذان؛ بعد أن كان، هو نفسه، بطل التشريع الذي يحظر على الحكومة الإسرائيلية المساس بـ»قدسية» القدس. وبالطبع، يخشى لينتسمان أن تؤدي الصياغة اللغوية الراهنة لمشروع قانون الأذان إلى احتساب نفير السبوت اليهودية ضمن «الضجيج» الذي يلوّث البيئة؛ سعيداً، في المقابل، أن ينتهي التشريع إلى إسكات جميع مآذن فلسطين!
وتلك خلاصة تقود، في أوّل الأمر ومنتهاه، إلى جوهر المسألة المقدسية بأسرها، وإلى هدفين قديمين وقائمين لم تتوقف إسرائيل عن السعي إلى بلوغهما: تهويد القدس، وتوسيع الاستيطان. وهذه خلاصة تتغافل عن روح القدس: أنها حاضرة يسكن التاريخ في كلّ شبر من أرجائها، حيث الأشبار صفحات حافلة حبلى، تضيء الماضي، ثم تمتدّ إلى الحاضر، قبل أن تستطيل لكي تخيّم على المستقبل أيضاً.

أشبار القدس الحبلى

صبحي حديدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية