أشياء تونسيّة: من أجل مُواطنة جديدة

لم يدرك التونسي أنّ بلده المتوسّطي الصغير دشّن أوّل انتخابات رئاسيّة ديمقراطيّة، وأنّ الرئيس الفائز ـ بصرف النظر عن شخصيّته ـ هو أوّل رئيس عربي يُنتخب ديمقراطيّا؛ منذ وجود العرب على سطح الكرة الأرضيّة.
ذلك أنّ التونسي منصرف اليوم تحت ضغط الحاجة إلى حياته الخاصّة، ويكاد لا يعبأ بتجاذبات السياسيّين ومماحكاتهم. والتونسي مثل غيره من الناس، له نصيبه من الشجاعة وحبّ المغامرة أو المجازفة، وإنْ بدرجة أقلّ. وله نصيبه من الخوف أو الحذر المبالغ فيه؛ بل يكاد يكون صورة من طيورنا المهاجرة، فالتونسي «لا يحرق» بعيدا؛ كما نقول عن هؤلاء الذين يركبون زوارق الموت نحو جزيرة «لامبدوزا» بدون وثائق سفر. وكل همّه أن يبلغ هذه الجزيرة التي تحوّلت إلى أرض تونسيّة، فإيطاليا، ففرنسا أو ألمانيا. وربّما طمح ببصره إلى البلدان الاسكندنافيّة؛ ولكن قلّما طمح إلى أستراليا أو أمريكا اللاتينيّة أو»نمور آسيا». ذلك أنّ التونسي، لأسباب نفسيّة واجتماعيّة شائكة، لست شخصيّا مؤهّلا للخوض فيها؛ يرغب في الاستقرار والأمان، وفي أن يستريح من أيّ إجهاد في الحياة. ولذلك تجد أنّ أكثر الذين يمتلكون مسكنا، من بين شعوب القارّة الأفريقيّة هم التونسيّون. فالتونسي أميل إلى التحفّظ على الحياة، أو على حمايتها من أي خطر يمكن أن يتهدّدها.
وهذا نتبيّنه في كلامنا التونسي العادي، حيث يعمد التونسي عادة إلى صيغة التصغير، وهو يتحدّث عن بيته أو أملاكه، أو عمله، أو حتى عن أشيائه الحميمة
وبدون خوض في الدرس النحوي، أشير إشارات خاطفة إلى صيغ التصغير ووظائفها. فالتًّصغير هو تغيير في بنية الكلمة، ومداره على ثلاثة أوزان هي: فُعَيل، فُعَيعِل، فُعَيعيل، يُؤتى بها لأداء جملة من الوظائف الدلاليّة أو الأغراض المعنويّة مثل، تقليل حجم المصغّر أو تدليله، أو تحقير شأن المصغّر، أو تقليل عدده، أو تقريب الزمان أو تقريب المكان، أو تعظيم المصغّر وتهويله.

* * *

تسمع التونسي يتحدّث عن منزله أو داره، وقد تكون فيلاّ كبيرة، ولكنّه يقول»دْوِيرْتِي»[تصغير دار]. ويتحدّث عن زوجته وأولاده، فيقول»مْرَيْتِي ـ وِلِيداتِي ـ صْغَيِرَاتي»[تصغير امرأة وأولاد وصغار]. ويتحدّث عن حقله أو بستانه، فيقول»سْوِينِيتِي» (تصغير سانية وهي الحقل)، وعن نعاجه وقد تكون بالمئات، فيقول «نْعِيجاتي»(تصغير نعاج مفرد نعجة). وعن عمله، فيقول «خْديِمْتِي ـ خْبِيزْتِي» (تصغير خدمة وخبزة. والخبزة تعني بالتونسي العمل الذي يرتزق منه الانسان). وعن المقهى الذي يرتاده، فيقول» قْهِيوْتِي ـ كْوَيْسِي» (تصغير قهوة = مقهى، وكأس)… وما إلى ذلك ممّا نديره على ألسنتنا بكثير من اليسر والسهولة. ولكنّ النحو قد لا يسعفنا في فهم هذه الظاهرة اللغويّة الاجتماعيّة التي أحَارُ شخصيّا في تعليلها. ولعلّ الأقرب إلى الصواب أنّ هذا التصغير قد يُبطن خوفا ما، أو حذرا ما، أو رغبة ما في حبّ التملّك والاستئثار؛ فالتونسي ـ على ما يبدو ـ يُصغّر الأشياء حتى يمسك بها ولا تفلت منه، أو ربّما لاتقاء صروف الزمان الذي «لا أمان له» عنده. وأظنّ أنّ القول المأثور» إلي خاف نْجَا» عائد في جانب منه إلى «خوف» متأصّل فينا، أو رغبة في أن تكون الحياة بين أيدينا رضيّة مذلّلة، حتى نعيشها على أحسن حال ممكنة.
للخوف جغرافيا وتاريخ، بل له ثقافة يعرّفها البعض من حيث هي نتاج مزدوج للطغيان: طغيان السلطة الاستبدادية وطغيان الموروث الثقافي. ولهذين تجلّيات شتّى، لعلّ من أظهرها تخلّي المواطن عن حقوقه المدنيّة والسياسيّة، بل خوفه من المطالبة بها، لما يعرفه أو يسمع عنه من بطش المؤسّسة الأمنيّة التي كأنْ لا عمل لها في بلاد العرب سوى إذكاء ثقافة الخوف وتأصيل جذورها في المجتمع؛ حتى ليحقّ لنا أن نتندّر بما كان يتندّر به أسلافنا، عن ظلم الحكّام وجورهم: إذا رأيت شرطيّا نائما، فلا توقظه فإنّه إذا استيقظ يؤذي الناس.
ولكن ما يعنينا في السياق التونسي المستجدّ بعد «ثورة 17/14» أنّ هناك ثنائيّات تتحكم فينا، مثل الثنائيّة القانونيّة، حيث المواطن هو في الوقت نفسه مشرّع وموضوع تشريع، والثنائيّة السياسيّة حيث المواطنة تكون في الآن ذاته مبدأ وممارسات، والثنائيّة التاريخيّة حيث المواطنة مؤسّسة وصيرورة، والثنائيّة الجيو ـ مؤسّساتيّة حيث المواطنة تتطوّر على الصعيدين المحلّي والكوني، والثنائيّة المؤسّسة أو المنشئة لفكرة المواطنة.. فهذه كلّها جديرة أن تؤخذ بالاعتبار في مشروعنا التونسي الجديد. فالمواطن هو من جهة شخص «مجرّد» أي هو يتولّى تجريد خصوصيّاته التاريخيّة والإثنيّة والاجتماعيّة والجنسيّة من أجل المساهمة في إنتاج قانون أو اتخاذ قرار يلبّي المصلحة الكونيّة، والمواطن يمارس السلطة في الجمهوريّة لأنّه يرتقي إلى مستوى مصلحة الشأن العام. ومن جهة أخرى فإنّ هذه الممارسة تجري دائما في إطار شروط مخصوصة وفي وسط مخصوص، ذلك أنّ المواطن ينخرط بالضرورة في ممارسات اجتماعيّة، وفي صيرورات تاريخيّة مفردة أو مخصوصة. وهذه الثنائيّة المتعلّقة بالكوني والخصوصي غير قابلة للاختزال؛ فهي تميّز المواطنة من حيث هي فعل استئصال من الخصوصيّات أو الإقليميّات ومن حيث هي مجهود يتوق إلى الكوني. لعلّ رهاننا في عالم اليوم إنّما يتعلّق بإعادة تعريف هذه المواطنة» الجديدة».

كاتب تونسي

منصف الوهايبي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية