فقال أتبكي كـــلَّ قبر رأيتَهُ/ لقبرٍ ثوى بين اللــوى والدكـادِكِ
فقلت له ُإنّ الشجـا يبعث الشجا/فــدعْني فهذا كـــلّهُ قبرمالكِ
لا أدري ما إذا كنّا لانزال نتذكّر التلميذة الفلسطينيّة ملاك الخطيب ذات 14 ربيعا، من أحواز رام الله؛ التي حكم عليها المحتلّ الإسرائيلي بشهرين سجنا، وغرامة 1500 دولار. أوقفت يوم 31 كانون الأول/ديسمبر2014 وهي في طريقها من المدرسة إلى البيت. كان جُرمها رجمَ سيّارات المستوطنين بالحجارة (ربّما كان علينا نحن المسلِمِينَ أن نرجم إبليس بالماء؛ فهو مخلوق من نار. فهذا يطفئه ويطفئ ناره فينا). وزعم المدّعي العامّ الإسرائيلي العسكري أنّه كان بحوزتها خنجر. وهذه تهمة كثيرا ما يطلقها الإسرائيليّون، فالخنجر في عرفهم «اختراع عربي» وأداة غدر. قالت أمّها السيّدة خولة إنّ قلبها كان ينفطر وهي ترى ابنتها تمثل أمام المحكمة العسكريّة مغلولة اليدين. كان الطقس في فلسطين باردا، في مثل هذا الفصل. وما أزال أتذكّر بقايا الثلوج التي كانت تطوّق مدينة رام الله، وضريح محمود درويش؛ وأنا في متحفه.. الثلوج التي لم تلبس على الفلسطينيّين مسالكهم؛ حتّى وهي تبيضّ وتسودّ. حملت إليها أمّها معطفا، ولكنّ القاضي ردّه عليها. بل منعها البوليس الإسرائيلي من مجرّد التحدّث إليها.
كان يمكن أن تصير ملاك الفلسطينيّة رمزا للغضب الفلسطيني المتصاعد، على إيقاف الأطفال. ولعلّها صارت كذلك في فلسطين وخارجها؛ فقد أبلغت السلطة الفلسطينيّة الأمم المتّحدة، حالة هذه البنت التي كانت أصغر المعتقلات الفلسطينيّات. وإسرائيل تجيز لنفسها اعتقال الأطفال الفلسطينيّين، حتى اليافعين منهم، أو من هم في الثانية عشر (الحالة الفريدة في العالم)، نهارا أو في عزّ الليل؛ وتروّعهم وتروّع أهاليهم. وتعرّضهم لأنواع شتّى من التعذيب النفسي والجسدي. ويبلغ عدد الموقوفين منهم سنويّا ألف طفل، وتقدّر جمعيّات المجتمع المدني ومنظّمات حقوق الانسان، عدد الذين يقبعون منهم في زنازين الاحتلال، بمئتين سنويّا. وهي تؤكّد أنّ ما بين 500 و700 منهم، يمثلون سنويّا أمام المحاكم العسكريّة التي ترفض حتّى سراحهم شَرطيّا، وتزعم أنّها تتّخذ قرارها هذا بناءً على «اعترافهم».
تقول « DCI» المنظمة العالمية لللدفاع عن الأطفال، إن عدد الأطفال الفلسطينيّين الموقوفين في تشرين الثاني/نوفمبر 2104 بلغ 156 طفلا. وفي شباط/فبراير 2013 وجّهت «اليونسيف» انتقادات لإسرائيل، بشأن اعتقال الأطفال، وندّدت بسوء معاملتهم، وابتزازهم وترويعهم؛ لانتزاع اعترافات منهم: «توعّدوا الأطفال بالقتل، والضرب، وانتهاك حرمتهم الجسديّة، والاعتداء الجنسي عليهم أو على أهاليهم»، في انتهاك صارخ لكلّ المواثيق والمعاهدات الدوليّة التي تحمي الأطفال. ويتساءل علي الخطيب والد ملاك، كيف تهاجم دولة قويّة مثل إسرائيل، بُنيّة، وتمسك بها؛ وتتّهمها بمحاولة طعن جنديّ إسرائيليّ مدجّج بالسلاح. وعند المحاكمة، شهد خمسة ضبّاط إسرائيليّين أنّهم عثروا بحوزتها على خنجر؛ زعموا أنّها كانت ستستعمله ضدّ جنودهم، في حال إيقافها. وبقيت ملاك ثلاثة أسابيع رهن الإيقاف التحفّظي، لتمثل في 21 كانون الثاني/يناير 2015 أمام المحكمة التي أمرت بنقلها إلى السجن، ومنع ذويها من زيارتها؛ حتّى أنّها اضطرّت إلى استعارة ملابس من السجينات الفلسطينيّات الأخريات. قال الناطق الرسمي باسم جيش الاحتلال إنّ ملاك فاوضت المحكمة بشأن تسوية ما. ولكنّ والدها قال إنّ «اعترافات» ملاك لا معنى لها «فماذا تستطيع بنت 14 ربيعا يحيط بها جنود إسرائيليّون، أكثر من أن تقول أيّ كلام؛ وقد كانت ستعترف بأنّها سرقت قنبلة ذرّيّة، لو وُجّهت إليها تهمة كهذه». ويتناسى الإسرائيليّون أنّ أطفال المستوطنات، يلقون بالحجارة على سيّارات الفلسطينيّين، ويخرّبون بساتينهم ومداجنهم؛ دون رادع. وننسى نحن 500 طفل أجهز عليهم جيش الاحتلال، في غزّة، و1500 اليتامى منهم، والعقاب الجماعي والبيوت المهدّمة، وما يعيشه الأطفال جرّاء ذلك، من اضطرابات نفسيّة وحالات استلاب وفقدان. وهل كان بوسع ملاك أن لا تنفعل، من إهـانات الإسرائيليّين، لأهاليها، في نقاط التفتيش؟ وكيف لها أن تنسى محمّد أبوالخير الذي أحرق حيّا؟
قال راديو «فرانس» الدولي إنّ ملاك تحوّلت إلى أيقونة فلسطينيّة حيّة. وقالت غادة عقيل الأستاذة في جامعة «ألبرتا» في كندا مذكّرة بقرار «عُصبة الأمم» عام 1924 في أنّ «الانسانيّة يجب أن تمنح الطفل أفضل ما لديها». وفي عام 1959 كان إعلان حقوق الطفل، وفيه استعادت الأمم المتّحدة المبادئ ذاتها، وأقرّت بأنّ الأطفال يحتاجون إلى حماية خاصّة. ولكن لا شيء من هذا في فلسطين المحتلّة حيث «هذا النوع من العقاب الجماعي يستهدف تجريد الأطفال الفلسطينيّين من حسّ الانتماء، والامتلاك، ومن أنّهم في بيوتهم؛ كما لو أنّ الاحتلال لم يوجد؛ إلاّ لحرمان هؤلاء الأطفال من آخر ملاذ يحميهم. محبوسون هم في العراء في غزّة، وفي ملاجئ الضفّة؛ والرسالة واضحة: لا نزلتم سهلا ولا حللتم أهلا، في هذه الأرض».
نعم هذا هو المغزى من سجن الأطفال الفلسطينيّين: النيل دون رحمة أو شفقة، من «القدرة الإنسانيّة» الفلسطينيّة.. ربّما هي طريقة إسرائيليّة أخرى في ليّ عنق الديمغرافيا، لصالحهم.
يقول بعض الإسرائيليّين من أنصار السلام أو «حلّ الدولتين»، الذين لا حول لهم ولا قوّة: ربّما هو «سوء تقدير» أو»خلل أمنيّ» لا غير أو «حدث مؤسف».. وهو عادة التعبير الدبلومالسي البارد عن كلّ ما هو فادح.. أو ربّما هي طريقة جديدة، في ترتيب جغرافيا الجسد.. أو محاولة لتجميل الألم لا غير..
ومع ذلك لنعترف نحن العرب، فالثورات كالآداب مدارها على عوالم رمزيّة، سماويّة وإنسانيّة وحيوانيّة ونباتيّة ومعدنيّة. هي مثل بدايات الأساطير، لكلّ منها أنظمته، ميثة الربيع منشأ الكوميديا، وميثة الصيف منشأ الرومانس، وميثة الخريف منشأ التراجيديا، وميثة الشتاء منشأ فنّ السخرية أو الهجاء.
والكوميديا صنو التراجيديا، وهذا»الربيع العربي» مفخّخ بشتاء قارس، إسلام مفخّخ. ثروات ومتاحف وكنوز وآثار منهوبة، أجساد مقطّعة، مبتورة، موسومة في الوجه، في الكتف، في الصدر، معروضة حيّة، وميّتة، من أجل أن نصبح سواسيّة مثل أسنان المشط الأمريكي.. البلاستيكي، وتصبح الأرض كلّها «قبر مالك». قلت لصديقي، وكان يؤكّد أنّ هذا «الربيع» مؤامرة أمريكيّة اسرائيليّة؛ إنّ أمريكا مثل إسرائيل متفائلة حقّا إذا كانت تتصوّر أنّه بمقدورها أن تجعل العرب أسوأ ممّا هم عليه.. أو أن تفعل بهم أسوا ممّا يفعلون بأنفسهم..
وعلينا مع ذلك أن نجد مفتاح الضوء، فإن تعذّر فليس لنا سوى أن تتلصّص من ثقب الباب.. ونعلّم أنّ ما يحدث هنا/ الآن، ليس غريبا بالمرّة.. وها هي بلاد الشام مثل العراق، وربّما اليمن؛ تتحوّل إلى «فلسطين» أخرى؛ وتختفي وراء فضيحتها.. وراء نظامها البائس، والعصابات التي تسرق ثورة السوريّين.. ومن يدري.. فلعلّها هي أيضا تغتسل في ماء تاريخها.. عسى أن تتحرّر من نفسها.
ثمار معطوبة.. قطع أثاث نخرة.. أعني أجسادا يتكوّم بعضها فوق بعض.. في مشهد لم يحلم به سلفادور دالي.. عسى أن نعدّ أكياس البلاستيك المحشوّة ببقايا اللحم محمّرا أو مسلوقا… أو ببقايا أجنّة… أبدا لن تومىء للأيدي التي أجهزت عليها.
وعلينا قبل هذا كلّه أن نتناول جرعة زائدة من الأفكار الحديثة عن الديمقراطية وحقوق الإنسان.. أمّا تلك الهالة.. هالة الضوء حيث يتضاءل جسد طفل فلسطينيّ أو سوريّ، كالخفّاش؛ فليست إلاّ تلويحة وداع، من الذي ذهب يفكّر حتى الطرف الآخر من نفسه.
كاتب تونسي
منصف الوهايبي