غزة ـ «القدس العربي»: مرة جديدة أثبت إسرائيل وحشيتها، وانتهاجها السياسة القائمة على «قتل الفلسطينيين» سواء مدنيين عزل أو مسلحين، كما ادعت في الحروب السابقة ضد غزة، وهو أمر فضحته فعاليات «مسيرة العودة الكبرى» منتصف الشهر الجاري، حين قامت قوات الاحتلال باستخدام «القوة المفرطة والمميتة» ضد المتظاهرين السلميين، موقعة 62 شهيدا وأكثر من 2800 إصابة في غضون ساعات قليلة فقط.
وقد فضحت «القوة المفرطة» التي استخدمها الجيش الإسرائيلي، بأوامر عليا من قيادته، الأسلوب الذي تفضله دوما الحكومة الإسرائيلية في التعامل مع احتجاجات غزة السلمية التي انطلقت شرارتها يوم 30 اذار/مارس الماضي، وبلغت ذروتها يوم 14 الجاري، خلال المشاركة الجماهيرية في «يوم الزحف» الذي خصص للتعبير عن رفض نقل السفارة الأمريكية لمدينة القدس، وطلبا لإقرار «حق العودة».
وارتفع عدد الشهداء الذين سقطوا منذ انطلاق فعاليات «مسيرة العودة» بعد يوم الاثنين الدامي، إلى 117 شهيدا، علاوة عن 12 ألف مصاب، بعضهم تعرض للبتر، وآخرون ما زالوا يعانون من جروح خطرة للغاية، من بينها حالات شلل، جراء رد جيش الاحتلال على المتظاهرين بالقوة المميتة، مستندا بذلك لأوامر عليا، حيث جرى الدفع بـ 11 كتيبة عسكرية جديدة قبل يوم الاثنين الماضي، علاوة على جنود القناصة، للتعامل مع متظاهري غزة السلميين.
ودفع ذلك المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، إلى توجيه أصابع الاتهام مباشرة إلى إسرائيل، باقترافها أعمال قتل متعمدة ترتقي لمستوى «جرائم الحرب» خاصة وأن أطفالا كانوا من بين ضحايا عمليات القتل المتعمدة على الحدود، والتي شارك فيها الفلسطينيون العزل، الذين تسلحوا فقط بالإرادة الرافضة لاستمرار الاحتلال والحصار.
وأكدت منظمة «هيومن رايتس ووتش» في تقرير لها، أن إطلاق قوات الاحتلال الرصاص الحي على المتظاهرين في غزة كان «بشكل غير قانوني» منوهة إلى أنها سبق أن طلبت من المحكمة الجنائية الدولية فتح تحقيق رسمي في الوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وأوضحت كذلك أن الحكومة الإسرائيلية تتحمل مسؤولية مقتل فلسطينيين خلال المواجهات الأخيرة، كون هذه الحكومة لم تقدم أي أدلة، تفيد أن رمي الحجارة وأشكال العنف الأخرى الصادرة عن بعض المتظاهرين «قد هدّدت الجنود الإسرائيليين على الحاجز الحدودي».
وفي اتهام واضح لقيادة جيش الاحتلال، قال إيريك غولدستين، نائب المدير العام للمنظمة في الشرق الأوسط، إن الجنود الإسرائيليين لم يقوموا ببساطة باستخدام «القوة المفرطة، بل كان من الواضح أنهم تصرفوا وفق أوامر، أتت فقط «استجابة عسكرية دموية للتظاهرات الفلسطينية».
وبسبب الارتفاع الكبير في عدد الشهداء، واستمرار أوامر القتل المتعمدة، كرر مركز «الميزان» لحقوق الإنسان ومقره قطاع غزة، مطالبته للمجتمع الدولي «التدخل العاجل» لحماية المدنيين الفلسطينيين، والعمل على وقف انتهاكات قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق المشاركين في المسيرات السلمية على حدود قطاع غزة الشرقية، وضرورة إعمال مبدأ المحاسبة، بعد تأكيده أن قوات الاحتلال واصلت استهدافها للمدنيين المشاركين في المسيرات السلمية باستخدام «القوة المفرطة والمميتة».
وأكد المركز استمرار قوات الاحتلال في إطلاق الرصاص الحي، والرصاص المعدني المغلف بالمطاط، وقنابل الغاز المسيلة للدموع تجاه المشاركين في المسيرات، مكررا إدانته لسلوك قوات الاحتلال في استخدام القوة المميتة في مواجهة المتظاهرين السلميين الذين لم يشكلوا أي خطر على حياة القوات الإسرائيلية.
كما أكد المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان في بيان له، أن الاحتلال استخدام «الرصاص المتفجر» تجاه المتظاهرين على حدود قطاع غزة، وشدد المركز في البيان الذي وقعت عليه أكثر من مؤسسة حقوقية دولية، أن السلوك العام للمتظاهرين على حدود قطاع غزة اتسم بـ «السلمية» وأن الاحتلال استهدفهم دون أن يشكلوا أي خطر حقيقي يستدعي قتلهم بأسلحة «تتناقض وقواعد استخدام القوة في فض التظاهرات».
كما أعربت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين «الأونروا» عن استيائها من عمليات القتل والإصابة التي طالت العشرات من المدنيين الاثنين الماضي في غزة، ومن ضمنهم أطفال، وأدانت الاستخدام المفرط للقوة، وأعربت عن تأييدها لإجراء تحقيق دولي، فيما قالت وزارة العدل الفلسطينية، أن عملية قتل عشرات المدنيين وإصابة الآلاف جرى بـ «دم بارد» في مجزرة ارتكبها الاحتلال «تدل على مدى استهتار الاحتلال بجميع المواثيق الدولية التي تجرم الاعتداء على المدنيين المسالمين».
وفي إدانة واضحة لإسرائيل، بعد الدماء الكثيرة التي سالت على حدود غزة، قرر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة الجمعة إرسال لجنة مستقلة للتحقيق في كافة المزاعم الخاصة بالانتهاكات وخروقات القانون الإنساني الدولي وقانون حقوق الإنسان الدولي، التي وقعت خلال الاحتجاجات، وهو ما شكل ضربة قوية لإسرائيل، التي لطالما انتقدت هذا المجلس، الذي أدانها في مرات سابقة، بارتكاب أعمال مخالفة للقانون الدولي.
ولم تكن أعداد الشهداء والجرحى الكبيرة، هي وحدها التي تشكل إدانة واضحة لإسرائيل، حول اقترافها أعمال قتل متعمدة، فقد اتضح من خلال تقارير تناولت نوع ومكان الإصابة التي لحقت بالمتظاهرين، التعمد الإسرائيلي لإحداث عاهات دائمة للمتظاهرين بمن فيهم الأطفال.
ومن ضمن الأرقام الصادمة التي تناولت ما أصاب متظاهري «مليونية العودة» ما قدمته الهيئة الفلسطينية المستقلة لملاحقة جرائم الاحتلال، حيث أكدت أن الاحتلال أطلق الرصاص مباشرة ضد المتظاهرين، واستهدف 90 مواطناً في منطقة الرأس والرقبة، واستهدف بشمل مباشر الطواقم الطبية والصحافية رغم ارتدائهم الزي الخاص، ما أدى إلى استشهاد مسعف واصابة 17 آخرين، وتضرر خمس سيارات اسعاف، إضافة إلى إصابة 12 صحافيا فقط الاثنين الماضي.
وذكرت الهيئة أيضا أن هناك 54 من جرحى «مسيرات العودة» في قطاع غزة، في حالة «موت سريري» ودعت الأمين العام للأمم المتحدة لتشكيل لجنة تقصي حقائق مستقلة.
من ضمن ما جرى تأكيده بعد أيام من «مليونية العودة» أن هناك سبعة جرحى تتراوح أعمارهم بين 18- 22 عاما، أصيبوا بـ «الشلل النصفي» بعد استهدافهم بطلقات نارية اخترقت وهتكت النخاع الشوكي، جنوب قطاع غزة.
هذا وما زال هناك العديد من المصابين بحاجة إلى إجراء عمليات جراحية، رغم النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية والتخصصات اللازمة لذلك.
وذكرت منظمة «يونسيف»، المهتمة بالأطفال، أن أكثر من ألف طفل فلسطيني، كانوا من بين مصابي «مسيرات العودة» من بينهم من أصيبوا بجراج بالغة الخطورة، من بينهم من تعرض لبتر في الأطراف.
وقالت ان تلك الأفعال أدت إلى تدهور وضع الجهاز الصحي الضعيف أصلاً في قطاع غزة، والذي أخذ ينهار بسبب انقطاع الكهرباء ونقص الوقود والدواء والمعدات الطبية، وأوضحت أن المرافق الطبية في غزة تتعثر تحت ضغط المزيد من الجرحى والإصابات، والتي تشمل إصابات خطرة تهدد حياة المصاب.
ويتخوف أن تواصل سلطات الاحتلال عمليات القتل المتعمد على الحدود، إذا لم تحصل عملية ردع حقيقية من قبل المجتمع الدولي، تلزم حكومة تل أبيب بالقانون الدولي، خاصة وأن المنظمين لفعاليات «مسيرة العودة» أكدوا على استمرارها في الأيام المقبلة، حتى تحقيق هدفها المنشود بكسر حصار غزة بشكل كلي.
11HAD
أشرف الهور