القاهرة ـ «القدس العربي»: عكست الصحف المصرية الصادرة أمس الاثنين 10 يوليو/تموز استمرار الصدمة العنيفة التي أصابت المصريين جميعا، بسبب الهجوم الإرهابي على الجيش جنوب رفح بهذه الأعداد الكبيرة من الأفراد والسيارات والدراجات البخارية، وعدم اكتشافها أثناء تحركها ونصب الكمائن لها، أو مهاجمتها بطائرات الهيلوكوبتر.
صحيح أنه تم قتل ما لا يقل عن أربعين من المهاجمين، كما أن الطائرات واصلت تعقب ومهاجمة من فروا، لكن الحيرة ازدادت بسبب عدم القبض على أسرى أو جرحى منهم، والتوصل من خلال التحقيقات معهم لمعرفة من هم؟ ومن أين جاؤوا؟ ومن ساعدهم وسهّل لهم الحصول على هذه السيارات والأسلحة؟ بدلا من توجيه الاتهامات شمالا ويمينا من دون أدلة. وضاعف من حالة القلق تعرض قوات الشرطة لعمليات هجومية بالأسلحة أو بالعبوات الناسفة، خاصة بعد اكتشاف معسكر لتدريب الانتحاريين في الإسماعيلية، وقتل كل من كانوا فيه. وارتبطت هذه الموجة من القلق مع استمرار الشكوى من الارتفاعات المستمرة وغير المحتملة للأسعار، وهو ما لاحظه الرسام محمد حاكم في جريدة «الدستور» أمس إذ قال إنه ذهب لزيارة صديق له في مصلحة حكومية فسمعه يقول شاكيا لزميله: الناس اتغيرت أوي بأقول له صباح الخير قال لي صباح الهباب والغلا.
وتواصل الاهتمام بما تنشره الصحف عن قرب إعلان نتيجة الثانوية العامة بعد عشرة أيام على الأكثر. وإعلان وزير الكهرباء محمد شاكر أنه ناقش مع رئيس الوزراء شريف إسماعيل الملامح النهائية للاتفاق مع روسيا على إنشاء المفاعلات النووية الأربعة في منطقة الضبعة.
وإلى ما عندنا…
الإرهاب
ونبدأ بأبرز ردود الأفعال على العملية الإرهابية التي قام بها «داعش» في سيناء ضد الجيش، وكذلك العمليات الأخرى العديدة ففي «الشروق» قال رئيس تحريرها عماد الدين حسين في عموده «علامة تعجب»: «في كل مرة تقع عملية إرهابية نوعية في سيناء، أو أي مدينة مصرية أخرى، نتحدث جميعا عن ضرورة عدم توفير بيئة حاضنة للإرهابيين، وإفشال خطتهم في استقطاب عناصر جديدة خصوصا من الشباب. قلنا وقال غيرنا مرارا وتكرارا ضرورة التنمية الشاملة وتوفير فرص العمل والعدالة والمساواة والحريات واحترام حقوق الإنسان في سيناء وغيرها. كل ذلك صحيح وعلينا ألا نتوقف عن تكراره، لكن الصحيح أكثر هذه الأيام ألا نلتمس العذر لهؤلاء الإرهابيين بأي صورة من الصور، وأن نبحث عمن يدعمهم بالقول والمال والسلاح، والأهم بالرعاية والتشجيع ونفضحه ونجرسه. مرة أخرى أخطأت الحكومات المصرية المتعاقبة في ملف تنمية سيناء، لكن من قال إن الإرهابيين ينفذون عملياتهم بسبب غياب التنمية أو غياب حقوق الإنسان أو نقص الحريات والديمقراطية؟ هؤلاء الإرهابيون وكما رأينا ما فعلوه في سوريا والعراق وليبيا واليمن ومناطق أخرى متفرقة يحاربون كل شيء يمت للحضارة والإنسانية والمدنية والتقدم والتعددية وسيادة القانون واحترام الآخر وقبوله، وبالتالي يمكن لأى منا أن يختلف كما يشاء مع الحكومة والنظام والرئيس، لكن عليه ألا يصطف بأي صورة من الصور مع هذه الجماعات الظلامية التي تكفر الجميع بمن فيهم بعض الفصائل والتنظيمات الإرهابية الأخرى، وعلينا أن نتذكر أن داعش حارب ويحارب النصرة في سوريا وتبادل الطرفان اتهامات بالتكفير أكثر من مرة».
كيف حدث هذا؟
لكن علاء عريبي في «الوفد» عبّر عن قدر كبير من القلق بالنسبة لوقوع الحادث، وقال في عموده «رؤى»: «أهم ما خرجنا به من هذه المكلمة، أن الشهداء أعضاء الكتيبة 103 صاعقة، وأن موقع الحادث اسمه «ألبرث» وأن أعضاء الكتيبة تحركوا لإنقاذ أعضاء الكمين، الذي تمت مهاجمته. بيان المتحدث العسكري جاء مقتضبا ومتجاوزا لكيفية وقوع الحادث وتوقيته ومكانه، فقط قيل لنا «إن قواتنا نجحت في إحباط هجوم ومقتل 40 تكفيريا وتدمير 6 عربات، واستشهاد وإصابة 26 من أولادنا بسبب عربات مفخخة». كيف وقع الحادث؟ وما هو السيناريو الواقعي؟ ولماذا لم يعلن عنه؟ وكيف وصل الإرهابيون إلى موقع الكمين أو إلى الكتيبة؟ ولماذا لم يشعر أولادنا بصوت السيارات؟ لماذا لم يروها عن بعد؟ هل لعدم تزويدهم بأجهزة رؤية ليلية؟ كيف لمجموعة من السفلة تباغت أولادنا بهذا الشكل؟».
حالة إحباط
أما في «الأسبوع» فقال محمد السيسي في بابه «م الآخر»: «إن الذين يقاتلون يحق لهم أن يأملوا في النصر، أما الذين لا يقاتلون فلا ينتظرون شيئا سوى القتل. أكثر ما يؤلمني بعد كل حادث إرهابي ــ إضافة إلى نزيف دماء شهداء القوات المسلحة أو الشرطة ــ أمران، حالة الإحباط التي تسيطر على البعض وفقدان الثقة في النفـس والدولة، والهجوم غير المبرر على أهالينا في سيناء واتهامهم اتهامات مفزعة وقاسية. أعرف أن هذه الحوادث الإجرامية صادمة، وأن عدد الضحايا غير مسبوق منذ بدء الحرب على الإرهاب، وأعترف بأن حالة من الإحباط سيطرت عليّ لبعض الوقت، لماذا تؤسس الدول الجيوش وتنفق عليها المليارات وتوفر لها أحدث الأسلحة؟ هل لتسجيل الأغاني الوطنية وإنتاج الفيديو كليب؟ هل لتنظيم العروض العسكرية وعمل قلوب بالطائرات في السماء؟».
حظر التجول
وسارعت الحكومة برئاسة شريف إسماعيل إلى إصدار قرار حظر تجوال نصه نقلا عن رفعت خالد من الصفحة الأولى من «المساء»: «أصدر المهندس شريف إسماعيل رئيس الوزراء قرارا بحظر التجوال في المنطقة المحددة شرقا، من تل رفح مارا بخط الحدود الدولية حتى العوجة غربا، من غرب العريش وحتى جبل الحلال وشمالا من غرب العريش مارا بساحل البحر وحتى خط الحدود الدولية في رفح وجنوبا من جبل الحلال وحتى العوجة على خط الحدود الدولية، وتبدأ ساعات حظر التجوال من السابعة مساء وحتى الساعة السادسة من صباح اليوم التالي، فيما عدا مدينة العريش والطريق الدولي من الساعة الواحدة صباحا وحتى الخامسة من صباح اليوم نفسه ولحين إشعار آخر».
والواضح من هذا القرار هو التضييق على أقارب وأهالي الاهاربيين الذين اتهمتهم الصحف بأنهم بعرفونهم ولا يبلغون عنهم بل ويقومون باخفائهم ومساعدتهم.
معيار الوطنية
وفي «الأخبار» دافعت الناقدة الأديبة عبلة الرويني في عمودها «نهار» عن الجيش قائلة: «فعلا الموقف من الجيش هو معيار للوطنية، من يصلي ركعتين لله شكرا على هزيمة القوات (كما فعل أحدهم في حرب 67) أو من يفرح ويشمت في قتل الإرهابيين للجنود في سيناء هو خائن بالتأكيد لا يستحق مصريته، ولا يستحق شرف الانتماء لهذا الوطن. نختلف سياسيا أو نعارض أو نلعن الحكومة صباح مساء، ونلعن معها الحياة الصعبة والأيام المعكوسة، لكننا ننحني احتراما للقوات المسلحة، ونقول سلاما حين يتكالب المجرمون والإرهابيون والصهاينة، ويتكالب الأعداء في حرب شريرة. ونقف إيمانا ولزاما إلى جوار الجيش في محاربة الإرهاب، نقدر تضحيات الجنود (دولا مين ودولا مين دولا عساكر مصريين دولا القوة دولا العزة دولا الورد الحر البلدي دولا خلاصة مصر يا ولدي) كلمات الشاعر أحمد فؤاد نجم، وموقف الشعب المصري كله تجاه جنوده وقواته المسلحة موقف تاريخي ثابت وراسخ، فالجيش المصري هو هويتنا الوطنية ومبلغ ثقتنا واعتزازنا وفخرنا أيضا. يحكي الكاتب أحمد زحام مشهدا مهيبا (كان أحد شهوده) قبل يومين على طريق مصر الإسماعيلية حين مرت سيارة عسكرية تحمل جثمان شهيد من جنودنا الأبطال الذين استشهدوا في العملية الإرهابية في منطقة كمين (البرث) جنوب رفح، كانت السيارة تسير بسرعة هادئة ودون اتفاق ولا ترتيب اصطفت السيارات المارة من الاتجاهين (ذهابا وعودة)على جانبي الطريق وترجل كل من فيها تحية للشهيد، مشهد مهيب وجليل ينطوي على احترام وتقدير لجنودنا الأبطال شهداء العزة والنصر، وينطوي على مشاعر وطنية عميقة».
تسريبات
وفي «الأهرام» كتب الشاعر فاروق جويدة في عموده «هوامش حرة» في الصفحة الأخيرة تحت عنوان «في مواجهة الإرهاب على أرضه» مطالبا بمهاجمة الإرهابيين، إذا كانوا قد أتوا من قطاع غزة وقال: «الواضح أن هناك تسريبات عن تحرك القوات المصرية تصل لهؤلاء الإرهابيين، والدليل أنهم يختارون مواقع مهمة ومؤثرة للهجوم عليها. إن الأخطر من ذلك كله حجم العمليات وعدد الشهداء، وكان آخرها واحدة من أهم فرق الصاعقة، وهي درة الجيش المصري. لقد استطاع الطيران المصري أن يرد بقوة وأن يسحق الإرهابيين، ولكن يبقى أن نراجع قوائم هؤلاء الذين يأتون من الخارج ويدخلون سيناء ويقتلون خيرة شبابنا، إن جيش مصر كان دائما حريصا على دماء الأبرياء ولكن حين يقتحم 150 إرهابيا ساحة المعركة ويعتدون على جنودنا ومن بينهم أهل وجيران من غزة، هنا لا بد أن يختلف الحديث ويكون الرد أكثر حسما. إن الإرهاب يحاول أن يثأر فقد دمرت قواتنا حشودا إرهابية كبيرة قبل أن تخترق الحدود المصرية مع ليبيا، وشاركت مصر بقوة في تحرير بنغازي، وكل هذه المواقف تجعل المواجهة أصعب. جاء الوقت أن نواجه الإرهاب على أرضه».
الثأر لدماء الشهداء
لكن زميله وأحد مديري تحرير الجريدة والمتخصص في هذه القضية أشرف أبو الهول قال في بابه «حديث اليوم»: «إذا ثبت صحة ما يتردد على مواقع التواصل الاجتماعي في فلسطين ومصر، مدعوما بصور حول فتح بيوت عزاء في رفح، في قطاع غزة لثلاثة إرهابيين من الذين قتلهم الجيش المصري خلال تصديه للهجوم الإرهابي، الذي تعرض له يوم الجمعة الماضي بالقرب من قرية البرث، في جنوب رفح المصرية، فهذا يعني أن من حق مصر أن تتصرف بنفسها داخل القطاع لكي تثأر لدماء شهدائها، خاصة أنه من الواضح حتى الآن أن قدرات حركة حماس محدودة في مواجهة هؤلاء الإرهابيين، كما تعهدت للسلطات المصرية مرارا وتكرارا، بل إنها هي أيضا قد تكون هدفا لهؤلاء التكفيريين، الذين يرون أنهم يجب أن يحرروا القاهرة ودمشق وبغداد، لكي تزحف الجيوش الإسلامية مجتمعة لتحرير المسجد الأقصى المبارك. والحقيقة التي يعلمها الجميع هو أنه رغم القبضة القوية لحماس على السلطة في القطاع، فإن تجنيد الشباب هناك للانضمام لـ«داعش» كان في ذروته خلال الأعوام الأخيرة، حيث نشطت الجماعات السلفية الجهادية في التجنيد، خاصة في رفح الفلسطينية تحت عين وبصر قادة حماس، باسم العمل الدعوي، بل إن بعض القادة المتشددين في حماس وجناحها العسكري وبعيدا عن القيادة الرسمية للحركة كانوا يساعدون في عمليات التجنيد وتهريب الإرهابيين، بمن فيهم عناصر منشقة عن كتائب القسام، عبر الانفاق الموجودة على الحدود، لكي ينضموا للجماعات الإرهابية، سواء في سيناء أو في ليبيا وسوريا. وقد ظهر تأثير الخبرة التي تلقاها هؤلاء الإرهابيون الفلسطينيون من خلال تدريباتهم المستندة إلى خبرات حزب الله اللبناني والميليشيات الإيرانية، بحجة التصدي للاعتداءات الإسرائيلية على غزة، خاصة ما يتعلق بتصنيع العبوات الناسفة والمفخخات وحفر الأنفاق».
أخطاء الإعلام
ولو نحن تركنا «الأهرام» وتوجهنا إلى «البوابة» سنجد الدكتور فتحي حسين يكتب مقالا عنوانه « سلبيات الإعلام المصري في تغطية أوجاعنا في سيناء» هاجم فيه الإعلام لعدة أسباب منها:
«ربما كان إعلامنا المصري، وربما العربي سببًا في زيادة أوجاعنا على قتلانا في سيناء، وغيرها من الأماكن، ليس فقط لأنه يعرض صور الأشلاء وفيديوهات القتلى والشهداء والدماء المتناثرة، ما يبث الرعب في قلوب المواطنين، ويدعّم عزائم الإرهابيين على استمرار أفعالهم الإرهابية، وربما كان الترويج للخطاب الإرهابي على نحو يؤدي إلى تحفيز فئات اجتماعية مسحوقة أو جماعات عرقية وقومية ومذهبية مهمشة، إلى سلوك سبيل الخيار الإرهابي العنيف للإعلان عن مطالبها الحقوقية. ربما كان من أخطاء الإعلام الجسيمة أنه يركز على الحدث نفسه أكثر من التركيز على الظاهرة التي تتكرر على فترات غير بعيدة».
عباس الطرابيلي: لا تصدقوا ما أعلنه إسماعيل هنية
وللخلاص من هذه الحيرة القاتلة حول تورط حماس أو عدم تورطها في الهجوم الإرهابي اقترح عباس الطرابيلي رئيس تحرير «الوفد» الأسبق أن نتوكل على الله ونهاجم قطاع غزة بأنفسنا قائلا في عموده «هموم مصرية»: «لا تصدقوا ما أعلنه إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، عندما قال – وبعد دقائق من عملية رفح الأخيرة عند قرية البرث- من أن الحركة ستتخذ إجراءات مكثفة على حدود قطاع غزة مع مصر لضمان عدم اختراق الحدود، بعد الهجوم الإرهابي الذي أسفر عن استشهاد 21 من رجال قواتنا المسلحة. والغريب أن أعلن ذلك خلال زيارته لخيمة عزاء أقامتها الجالية المصرية في غزة لتقديم واجب العزاء. وهو هنا يطبق حرفياً- دون أن يدري- المثل الشعبي القائل «يقتل القتيل ويمشي في جنازته» وكأنه يحس بمدى «البطحة» فوق رأسه. ثم تجيء خطوة حماسية «أخرى» عندما تجتمع القيادات السياسية والأمنية في غزة على الحدود مع مصر للسيطرة على كل شبر ولعدم اختراقها من قبل الإرهابيين، ثم لعدم هروبهم- أي عودتهم- مرة أخرى إلى داخل قطاع غزة. الآليات وبعضها عربات مصفحة وعربات دفع رباعي هل تجيء من البحر وإسرائيل تمشط كل متر في هذا البحر المتوسط؟ أم جاءت من غزة – حيث حماس- سواء من خلال الانفاق وما أكثرها التي تم حفرها تحت بصر وعلم كل رجال حماس، إذ لا يجرؤ فلسطيني واحد على حفر متر واحد دون علم وموافقة حماس؟ أم جاءت عربات الإرهابيين من أقصى جنوب شرق القطاع، أي من شرق الشريط الحدودي الذي يمتد 12 كيلومترا بين مصر وقطاع غزة، نقصد من ناحية النقب وهو الخاضع تماماً لإسرائيل؟ أم أن العملية تمت بمباركة من حماس ومن إسرائيل معاً لضرب استقرار مصر في سيناء؟ وشعب مصر- الذي كفر بحماس وكل رجال حماس- يطلب حسم هذه الأمور كلها، وأن نربط تقديم أي مساعدات لحماس بتقديمها خرائط كل الأنفاق وأن تتعهد بنسفها من عندها، أي من مداخلها في رفح الفلسطينية لنحمي رفح المصرية وكل سيناء من مخططاتهم، وإذا لم تلتزم حماس بذلك فلا أقل من أن نتعامل معهم تماماً كما تعاملت قواتنا المسلحة مع الإرهابيين الذين يعملون ضد مصر من داخل ليبيا، فهذا هو الرد الذي نصر عليه الآن وبعد هذا فقط نقبل عزاء حماس».
والأمر الغريب أن كل من اتهموا حماس تناسوا أن علاقتها مع مصر مهما حدث جزء من الأمن القومي لمصر وامتداد له، وأن عددا كبيرا من سكانها معهم الجنسية المصرية وملفها في يد المخابرات العامة، ومنذ حوالي عشرين يوما أمر الرئيس عبد الفتاح السيسي بإرسال كميات من البنزين والسولار والغاز إلى غزة لتشغيل محطة الكهرباء، بعد أو أوقفت إسرائيل إمدادتها لها.
انفصام سياسي وإعلامي
ومن رأي عباس الطرابيلي في «الوفد» إلى رأي جمال سلطان رئيس تحرير «المصريون» ومما جاء فيه: «فور وقوع العملية الإرهابية الأخيرة في سيناء، التي استشهد فيها أكثر من عشرين من رجال القوات المسلحة، سارع الإعلام الموالي للرئيس عبد الفتاح السيسي إلى تكرار الاسطوانة النمطية المحفوظة، حماس هي المسؤولة عن الجريمة، حماس هي التي دعمت الإرهابيين الذين قتلوا جنودنا، حماس هي التي سهلت دخول القتلة، حماس، هي التي تمثل التهديد الأخطر على مصر الآن في سيناء، وكانت المفاجأة أن المتحدث باسم الجيش «الإسرائيلي» أفيخاي أدرعي، ركب الموجة وكرر الكلام نفسه بحرفه، وكأنه ينقل عن الإعلام الموالي للسيسي أو كأن إعلام السيسي ينقل عنه، وكلا الاحتمالين فضيحة. حركة حماس في قطاع غزة أعلنت نعيا كبيرا لشهداء الجيش في تلك العملية، وأقامت صوان عزاء كبير حضرته قيادات الحركة، بمن فيهم إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي ويحيى السنوار رئيس الحركة، وعلقوا علم مصر فوق الجدران وصور الشهداء أيضا، في مبادرة واضحة على تقارب مصري حمساوي، ترجم في الفترة الأخيرة بزيارات مكثفة قامت بها وفود من حماس إلى القاهرة. حماس تلتقي بشكل دوري الآن بجهات سيادية مصرية، وأجهزة رفيعة، وتنسق الأعمال، وهناك تعاون أمني واستخباراتي واسع بين الجهتين، كما أن هناك اتفاقات لدعم مصري لحركة حماس، من شأنه أن يشمل عتادا عسكريا أيضا، من أجل ضبط الحدود ومنع تسلل المهربين أو المجرمين أو الإرهابيين. وقامت حماس طوال الشهر الأخير بعملية ضخمة على حدودها مع مصر أشبه بمنطقة عازلة لتأمين حدود مصر وحمايتها، وبالتالي فعندما يخرج إعلام رسمي أو إعلام موال لرئيس الجمهورية لكي يهاجم حماس، أو يردد كلاما سخيفا للمتحدث باسم الجيش «الإسرائيلي» ويقول إن حماس هي التي تورطت في قتل الجنود المصريين، وأن حماس الإرهابية هي التي تدعم الإرهاب في مصر، فإننا نكون أمام حالة انفصام سياسي وإعلامي، أو أننا أمام كيانين يسيطران على القرار في مصر، وليس كيانا واحدا. كيان متحالف مع حماس ويدعمها وينسق معها أمنيا وعسكريا، وكيان آخر معاد لحماس ويخوض معها صراعا، وأعتقد أن هذا أمر خطير ويهدد مصالح الوطن وأمنه القومي في الصميم. القاهرة، أيضا، رعت اجتماعات عالية الحساسية والأهمية، بين القيادي الفلسطيني محمد دحلان، صديق السيسي وحليفه المهم، وقيادة حماس، وتعددت اللقاءات، ومن الواضح أنه تم التوصل إلى صيغة اتفاق بين الطرفين، حسبما أعلنت مصادر الطرفين، بما يعني أن القاهرة تضع رهانها السياسي الآن على دور حماس في المنطقة، فما معنى أن يقوم الإعلام الموالي للسيسي، أو المتزلف للسيسي بالهجوم على حماس ووصفها بالإرهاب والتآمر على مصر وأنها متورطة في عملية قتل جنودنا في سيناء، ما معنى هذا «الهطل» الإعلامي المتفشي؟
والحقيقة أن الاتهامات الملفقة لحماس لم تكن إعلامية فقط، وإنما هناك جهات أمنية قدمت روايات «رسمية» مثيرة عن دور حماس في تدريب الجماعات الإرهابية التي تضرب في عمق مصر، وكيف أن هناك كوادر مصرية تذهب عبر الأنفاق للتدريب في غزة على يد قيادات عسكرية حمساوية ثم تعود لتنفيذ عمليات إرهابية ضد المنشآت والجيش والشرطة والقضاة، وبعضهم ربط بين عملية اغتيال الشهيد العميد عادل رجائي وبين اتصالات مزعومة جرت بين قيادات حماس التي أعطت التعليمات للتنفيذ وبين القتلة هنا، وكيف أن الجهات الأمنية «اليقظة» سجلت التمام الذي أعطاه القتلة لموجهيهم في حماس بنجاح العملية، ولا أدري ما هو مصير تلك «الحواديت» الآن، بعد أن ثبت أن حماس لا تنسق مع الإرهابيين، وإنما تنسق مع قيادات المخابرات المصرية».
عبد الناصر وثورة يوليو
ومع اقتراب ذكرى ثورة الثالث والعشرين من يوليو/تموز سنة 1952 بدأت ملامح المناقشات والمعارك حولها من الآن، حيث بعث أستاذ الإعلام في جامعة القاهرة الكاتب الدكتور سامي عبد العزيز رسالة إلى رجل الأعمال وصاحب «المصري اليوم» صلاح دياب، نشرها في عموده اليومي، الذي يكتبه تحت عنوان «وجدتها» ويوقعه باسم نيوتن جاء فيها: «أخشى أن يكون لتوجهاتك غير المؤيدة أو المحبذة للأفكار الناصرية دور في التحامل على الرجل؟ وفي التقييم السلبي لمرحلته نختلف على بعض سياساته ونتفق على أنه كان واحداً من أعظم القادة في تاريخ مصر. ورد عليه دياب قائلا: اتهمتني ظلمًا بكره عبدالناصر، أو اتخاذ موقف منه. في حين أنني أراه شخصية كاريزمية مبهرة، فهو قامة تاريخية سياسية، الجميع يعترف بها. عبدالناصر ملكنا جميعا، بحسناته كلها وسيئاته كلها. أهم منجزاته في رأيي أنه وضع حدًا أدنى لكرامة المصري البسيط والعربي البسيط، لذلك يجب تكريمه دائمًا بصفته «بطل حقوق الإنسان المصري والعربي» هذا أمر لا ينكره إلا المنافقون».
تأميم القناة
لكن دياب هاجم قرار تأميم شركة قناة السويس عام 1956 وكان نقيب الصحافيين الأسبق جلال عارف في «الأخبار» ينتظر هذا الهجوم على تأميم شركة قناة السويس، لذلك قال عنه في «يوميات الأخبار»: «كتبت من قبل أني عشت مع جيلي «الذل المزدوج» بين احتلال ترك باقي أرض الوطن ليركز تواجده في منطقة القناة، وبين قناة لا نملك- كمصريين- إلا النظر إلى مياهها، فنرى وجوه الأجداد الذين استشهدوا وهم يحفرونها، ونرى الوعد بأن يتحقق ما كان هدفا دائما للحركة الوطنية المصرية، وهي تقاوم محاولات مد عقد امتياز قناة السويس وتعرف – باليقين- أن استعادة القناة لم تتم إلا حين تملك مصر قرارها، وحين تكون قادرة على أن تدفع ثمن الحرية واستعادة الحق المنهوب. عشت تلك الأيام وقفت على شاطئ القناة بعد لحظات من قرار التأميم، مع الآلاف من أهل مدينتي «بورسعيد» شعرت بأن مصر تثأر لكل شهدائها استنشقت هواء غير الهواء، وفتحت عينيّ على زمن لا تصبح فيه مصر رهينة القناة، ولا تصبح فيه القناة قيدا على مصر، بدلا من أن تكون باب الخير لها، فالشعوب التي كتبت تاريخها بدماء الشهداء وتضحيات الأجيال لن تستسلم للمحاولات التي لا تنقطع لتزييف هذا التاريخ».
معارك سياسية
وإلى المعارك السياسية التي سيبدأها من «المصري اليوم» وجيه وهبة في مقاله الأسبوعي الذي أكد فيه استمرار السلطات المصرية في التنصت على المكالمات الهاتفية للبعض فقال: «نظام مبارك لم يكن نظاما قمعيا قمعا سياسيا منهجيا بالمفهوم التقليدي للقمع المادي المباشر، بل كان نظاما رخوا خائبا بطيء الفهم السياسي هو ووزير داخليته حبيب العادلي الذي تربى «الإسلام السلطوي»- بكل صوره- وازدهر في عزه. ولو كان نظاما قمعيا لما سقط كأوراق الخريف. نظم القمع الحقيقي لا تسقط من الداخل «أيوه بنراقب واللي خايف مايتكلمش». جملة شهيرة لوزير الداخلية الأسبق حبيب العادلى قالها في أحد حواراته التلفزيونية في زمن مبارك، جملة تعبر عن غرور وجهل سياسي عميق، ويا ريت «تنصته» نفعه أو نفع البلاد، ويا ريت مَن أتوا بعده يتعظون. التنصت هو أحيانا أداة من أدوات القمع الاستباقي، حينما يحذرني أحد الأصدقاء ويجزم بشدة أن تليفوني «متراقب» فإن ردى عليه هو الآتي، إذا كان الأمر حقيقيا: أعرف جيدا الفرق بين معنى الأجهزة الأمنية وتقدير أهميتها وقدرها، والإقرار بالانحراف المهني لبعض العاملين فيها، سواء كان ذلك عن جهل مهني أو عن عمد واختراق. لا أحب ادعاء البطولة والتعنتر، ولكني أتساءل: يا أيها المتنصت الغر ما جدوى محاولة تهديد أو ابتزاز مَن ليس لديه ما يخشى عليه أو منه؟ ومَن لم يُجْدِ معه ترغيب ولا ترهيب في ما مضى من العمر، هل يُجْدِى معه ذلك وهو في هذه المرحلة من العمر؟ إقرأ الملف يا بليد (لو كان هناك ملف حقيقي غير ملفق) أشعر بأن هناك مَن يتفننون بجهلهم ورعونتهم في جلب السخط والحنق على النظام، وأقول لهم ولأي نزق ينحرف بدور جهازه الأمني: «تنصتوا على مَن هم خطر حقيقي على البلاد والعباد، التفتوا لشغلكم بجد. الشجعان الأبطال الحقيقيون من الجيش والشرطة يسقطون كل يوم أمام أعيننا أما التافهون الجبناء فيجلسون أمام أجهزة التنصت للتسلية والابتزاز كفاية تفاهة قرفتونا».
أسس التنمية
وثاني معركة سياسية اتسمت بالهجوم العنيف كانت من «الشروق» التي نشرت مقالا عنوانه «المحظورات والأوهام في السياسة الاقتصادية في مصر» كتبه الدكتور مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، ومدير شركاء التنمية، أبدى فيه دهشته من عدم مناقشة مجلس النواب العديد من المشروعات وميزانية الجيش ومما قاله: «هناك أولا ميزانية القوات المسلحة التي تقدم لهم بحكم الدستور. بند واحد في الميزانية لم تجر العادة على أنهم يناقشونه، قد فقد وزير للاقتصاد منصبه في منتصف ثمانينيات القرن الماضي لأنه تجرأ واقترح على الرئيس الأسبق حسني مبارك خفض الإنفاق العسكري ولا شك لدى كاتب هذه السطور في ضرورة تمكين القوات المسلحة من الدفاع عن الوطن ولزومية توفير احتياجاتها، ولكن أصبحت ميزانية القوات المسلحة في مصر شأنا لا يجوز الاقتراب منه، على خلاف ما تعرفه كل الدول ذات المؤسسات النيابية، وحتى تلك التي تولي أهمية كبرى لأمنها الوطني، بما في ذلك دول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وحتى إسرائيل، التي تخضع موازنة الدفاع فيها لمناقشات حادة داخل مجلس وزرائها. وحدث أن طالب وزير المالية فيها بخفض الإنفاق العسكري خضوعا لاعتبارات اقتصادية. نحن استثناء من ذلك كله وهذا أحد المحظورات على صانع القرار الاقتصادي ويقبل الرأي العام في مصر ذلك، أو على الأقل يندر أن يعترض أحد على ذلك، من خلال أدوات الإعلام المتاحة. ثاني المحظورات هو ما يسمى بالمشروعات القومية الكبرى التي لم يتعرض أيها لنقاش جاد لا داخل مجلس الوزراء ولا داخل مجلس النواب، وحسب علمي لم يناقش مجلس الوزراء مشروع توسيع قناة السويس بشق تفريعة جديدة لها، ولم يناقشا ما يسمى بالعاصمة الإدارية الجديدة ولا المقر الصيفي، الذي تحدث عنه الرئيس السيسي في لقائه مع رؤساء تحرير الصحف الثلاث المسماة بالقومية، ولا الأسس الاقتصادية لمشروع استصلاح مليون ونصف المليون فدان، ولا خريطة شبكة الطرق الجديدة، ولا أثر تشييد الطريق الإقليمي الدائري على الأراضي الزراعية. الوهم الأخير في هذا السياق هو أن هناك لدينا الحل السحري، وهـــــو أن تتولى القوات المسلحة قيادة الاقتصاد فتحل محل القطـــاعين العام والخاص، مثلما رأينا في ممارسات عديدة خـــلال السنوات الثلاث الماضية. ليس هذا بالحل الواقعي فليست هذه مهمة القوات المسلحـــة ولا أولوياتها. الأخطار المحيطة بالوطن في الداخل والخارج تتطلب تفرغ القوات المسلحة لمهمتها الأساسية في الدفاع عن الوطن، ولا يمكن تعبئة موارد مصر إلا باستئناف القطاع الخاص لدوره في تحقيق التنمية المتوازنة للاقتصاد المصري، ولا بدون رفع كفاءة القطاع العام وقيامه بالدور الرائد في هذه التنمية. ليس القصد من هذا الحديث تثبيط الهمم، ولكن دعوة حكومتنا السنية والقطاعات المستنيرة من الرأي العام لرفض هذه الأوهام والبحث عن منطلقات واقعية لوضع التنمية في مصر على أسس سليمة ومستدامة».
حسنين كروم