■ المبالغة في رؤية إنجاز حفر قناة السويس الجديدة أضاعت الحقيقة حول المشروع، وجعلت أي حديث واقعي حول متطلبات مرحلة التشغيل أسيراً للتشنج والتوتر.والتهوين من المشروع أيضاً يدعو للرثاء لأصحاب توصيف (الترعة)، فحتى مجرد حفر ترعة تمتد لمسافة 35 كيلومتراً يعتبر إنجازا لبلد في مثل ظروف مصر.
والحقيقة أنه يمكن الالتجاء لرأي منظرين اقتصاديين مهمين لتقييم المشروع في إطار واقعي، الأول، من أقصى اليسار، وهو المفكر سمير أمين، الذي يركز على قدرة مصر على الاستغناء عن التمويل الأجنبي والتوجه لحشد المدخرات المحلية، خاصة أن مصر كانت تستجدي قبل فترة غير بعيدة قرضاً من البنك الدولي، تقل قيمته عن التمويل المحلي الذي توجه لحفر القناة.
لا يناقش أمين بكثير من الجدية مسألة (فرعونية) المشروع، ولكنه يتساءل بكثير من الاستخفاف المبطن من رفضوا المشروع قائلاً: ولماذا لا؟ وحتى في إطار التوجهات الاقتصادية المعـــتدلة فإن مشروعات مثل، قناة السويس الجديدة، يمكن أن تعتبر منهجية مماثلة لما جرى في الولايات المتحدة تحت عنوان «الاتفاق الجديد» في عهد الرئيس فرانكلين روزفلت.
من اليمين، ينظر الدكتور فهد الفانك للمشروع بوصفه إنجازاً باهراً لمصر، وجانباً من عملية استعادة الشرعية الدولية، كذلك فإن المشروع له قيمة سياسية بالغة الأهمية، ويبقى الجانب الاقتصادي محلاً للخلاف، فالفانك يرى أنه حتى لو تتحقق الزيادة في الإيرادات بصورة متفائلة، كما قدرت الأرقام المعلنة في مصر، فإن المشروع سيكون قادراٌ على استرداد تكاليفه خلال سنوات معدودة.
المنطقي والعقلاني أن المشروع سيكون قادراً على استرداد تكلفته مضافاً لها عوائد مناسبة للمكتتبين في تمويله، خلال فترة لا تتجاوز عقداً من الزمن، وبعد ذلك سيكون أحد مصادر الدخل المستدامة، ولكن لن يكون مشروعاً تاريخياً إلا في حالة تحقيق الجانب المهم، وهو تحويل المنطقة إلى محطة تجارية عالمية تستطيع أن تنافس مواقع أخرى بمشاريع استثمارية وصناعية مهمة، وذلك يحتاج إلى تصحيح العلاقة مع دول الخليج العربي، وربما في مقدمتها قطر والإمارات والكويت، فالسعودية في النهاية منافس في منطقة البحر الأحمر.
الواقعية السياسية تقتضي النظر إلى استثمارات الدول المذكورة بكثير من الجدية، خاصة أن المنافسة على فوائضها واحتياطيات صناديقها تشهد منافسة كبيرة، والمصريون لا ينافسون فقط محطات أخرى في المحيط الآسيوي والأفريقي مثل سنغافورة أو كوالالمبور أو شنغهاي، ولكن الاستثمارات الخليجية أصبحت تشكل هاجساُ أوروبياً، خاصة في لندن وبرلين وباريس، والرئيس الفرنسي تحول في الفترة الأخيرة إلى مندوب مبيعات لمصانع الأسلحة وشركات المقاولات في بلاده، وحفاوته بحلفائه الخليجيين وضعته أصلاً تحت ضغوط شعبية واسعة من اليساريين واليمينيين على السواء.
حصلت مصر على إسناد كبير من قطر في مرحلة الرئيس مرسي، وتالياً من السعودية والإمارات والكويت، ولكن ذلك كان إسناداً مرحلياً لا يتصف بالاستدامة، والنموذج الخليجي في الاستثمار لم يتحصل على هويته الكاملة، وربما كانت تجربة دبي التي حققت نهضة اقتصادية واضحة، تحمل في داخلها تضليلاً كبيراً، بوصفها تجربة قامت على مديونية هائلة، ولا أحد يعلم حالياً مدى صواب قرار العاصمة الجديدة في ظل نموذجها – الـ (دبي) وي ـ فربما كانت مصر في مرحلة ما بحاجة إلى استعادة تراث عمراني مختلف أسسه واحد من أنبغ أبنائها وهو المهندس حسن فتحي، فمصر دولة زراعية من مصلحتها أن تدعم التمدد في الرقعة المزروعة لتحرير قرارها السياسي، وتجاوز التبعية التي عمقتها تجربة عبد الناصر في الانتقال العشوائي من الزراعة إلى الصناعة.
مدن أخرى مثل دبي والدوحة وأبو ظبي، لم تكن تمتلك أصلاً سوى خيارات التمدد الرأسي نتيجة لواقع بيئي ومناخي مختلف، وتجاربها غير ملائمة لمصر وأولوياتها، ولكن التمويل يجب أن يكون مرتبطاً برؤية لتحقيق الأرباح في المدى البعيد، ودول الخليج تدرك أنها ستحتاج استثماراتها في النهاية من أجل الاحتفاظ باستدامتها في عصر أفول النفط، وعلى ذلك، فالمصريون مطالبون بتقديم جدوى عملية لأي مشروعات كبرى يبحثون عن تمويلها لاحقاً، وقناة السويس تحتاج إلى مبالغ طائلة من غير المتوقع أن تتحصل عليها عن طريق الدين الداخلي، فما تحتاجه مصر شراكات اقتصادية وليس ديوناً إضافية، ولذلك فإن المسألة مرتبطة بتحقيق الاستقرار السياسي.
العلاقة بين الخليج ومصر يجب أن تخضع لإعادة الإنتاج، فدول الخليج عليها أن تتفهم أن ما تقدمه لمصر ليس أعطيات، ولكن استثمارات طويلة المدى، ترتبط بأبعاد استراتيجية وأمنية، لأن مصر عمق للخليج العربي، والمصريون عليهم في المقابل ألا يعتبروا أموال الخليج حقاً مكتسباً، ولكنها دين طويل الأجل، يمكن ألا يكون رده مادياً ولكن في إطار شراكة تقوم على التزام قومي وأخلاقي يترسخ في الثوابت المصرية. مصر ما زالت تخوض صراعات متعددة، السياسي منها هو ما يظهر في الواجهة، ولكن ثمة صراعات طبقية وفئوية متعددة، تتصف بالشراسة والعنف، وتوجد حالة انفلات واسعة في الأداء الإعلامي وتلميع غير مدروس لوجوه جديدة لا تصلح أصلاً لتمثيل مصر أو غيرها، مصر تأكل ثورتها، تضرب رموزها وتشوهها، الحرس القديم يمول ذلك، ويعيد إنتاج نفسه، فبينما يتخذ الصراع بين العسكر والإخوان شكله الراهن بكثير من التوتر والانفعال، فإن عمليات ضرب الحراك الشعبي وشباب الثورة تجري بإيقاع متسارع، وإزاحتهم من المشهد أصبحت على وشك الاكتمال، وبعد ذلك سيتصالح النظام المصري مع الإخوان تحت أي شعارات أو تسويات، ولكن ستكون ثورة يناير وكل ما حملته من أحلام انتهت إلى غير رجعة.
ما المشكلة في أن تنتهي ثورة يناير، وأن تعتبر انتفاضة توجهت لأهداف محددة وأهمها وأد مشروع التوريث، وإنهاء تغول دولة رجال الأعمال التي حملت مشروع الوريث؟
الجزء الأول تحقق باستعادة الجيش لتقاليده في وجود رئيس عسكري، فالجيش كان ينظر إلى مرسي النظرة نفسها التي حملها لجمال مبارك، ولم يكن قادة الجيش مهيئين من الناحية النفسية والذهنية للتعامل مع رئيس مدني في مصر، بما يعني أن الثورة تحركت لغاية كان سيتدخل الجيش بطريقة أو بأخرى لتحقيقها.
أما مشروع وأد رجال الأعمال فهو بدون أي قيمة تذكر إذا لم تتحقق العدالة الاجتماعية، ففي النهاية كانت توجهات الإخوان تدفع بخيرت الشاطر وحسن مالك لمواقع أحمد عز وحسين سالم، وحالياً تتأهب مجموعة من رجال الأعمال للحصول على الامتيازات التي تركت مؤقتاً أمانة في يد الجيش، الأراضي والموارد والتسهيلات المختلفة، الجيش يستطيع أن يشارك إلى حد ما في الاقتصاد، في النهاية هو جيش يفوق في حجمه وتكلفته ما تحتاجه مصر، ولأسباب كثيرة فإن التراجع عن الوضع القائم غير ممكن في المدى المنظور، إلا أن وضع الجيش في صلب العملية الاقتصادية، كما حدث إلى حد بعيد في مسألة قناة السويس الجديدة مسألة خارج قدرة الجيش، وفي النهاية ستصب لحالة من الانفصام بين الجيش والمصريين.
الجيش المصري يمتلك تاريخاً عظيماً ومشرفاً، ولكنه حالياً يقف في طريق مصر المستقبل، مصر الديمقراطية والحرية والكرامة والعدالة، وكانت رسالة السيسي بارتداء الزي العسكري أُثناء افتتاح قناة السويس في غير محلها على الإطلاق، وربما مثلت بالون اختبار للمزاج العام في الشارع المصري، وللأسف فإن الإعلام استقبلها بكثير من الحفاوة، متناسين أنه كان من المفترض أن يكون آخر عهد السيسي بالزي العسكري يوم استقالته من الجيش وإعلانه الترشح للرئاسة، فالرئيس الأمريكي دوايت ايزنهار الذي يمتلك تاريخاً ومنجزاً عسكرياً لا يمكن الاختلاف عليه لم يقدم على ارتداء بزته العسكرية أو أوسمته ونياشينه في أي مناسبة أثناء إقامته في البيت الأبيض، وكل ما يخشاه المتابع أن يعيد السيسي البدلة العسكرية للمشهد المرة بعد الأخرى، خاصة أن المرات السابقة استقبلت بكثير من التهليل الإعلامي.
٭ كاتب أردني
سامح المحاريق