أفول زمن أمراء الحرب في لبنان

ما الذي ستخسره السياسة اللبنانية باعتزال وليد (بيك) جنبلاط العمل السياسي وإخلاء موقعه في الحزب ومجلس النواب لابنه تيمور؟ سيخسر المسرح السياسي في لبنان وربما العالم العربي شخصية من الصعب تكرارها، ويبدو أن جنبلاط  ومعه بقية شخوص لبنان السياسية من أمراء الحرب الأهلية سيتركون فراغاُ في البلاغة السياسية العربية من الصعب تعويضه في أي بلد آخر.
ولكن هل يمثل الانسحاب الذي يتحين له جنبلاط أقرب فرصة لانعقاد مجلس النواب إيذاناً بعصر لبناني جديد؟ بالنظر إلى أفراد الجيل الجديد من ورثة مرحلة كميل شمعون والصراع على هوية لبنان، مثل سليمان فرنجية، فإن الورثة كثيراً ما فشلوا في استعادة أمجادهم العائلية وتكرار التاريخ السجالي لآبائهم وأجدادهم، ولكنهم في الوقت ذاته وقفوا حائلاً دون ظهور أسماء جديدة من شأنها أن تثري الحياة السياسية في لبنان، وباستثناء أبناء جيل الحرب الأهلية مثل، سمير جعجع وحتى الحريري الذي بدأت تجربته في التشكل في فترة اتفاق الطائف، فإن الاختراقات للنخبة السياسية اللبنانية بقيت محدودة، وظلت معادلة الطوائف تتحكم في إنتاج الزعامات المحلية، التي ربما لسبب أو لآخر تتعثر في الوصول إلى المناصب العليا، ولكنها تبقى عنصراً وازناً في تحديد توجهات النظام السياسي وحدوده.
جنبلاط هو أقدم أمراء الحرب الأهلية، ممن احتفظوا بموقعهم إلى اليوم، أتى بعد اغتيال والده ليتصدر المشهد، ولم يكن قبل ذلك سوى شاب مهووس بالدراجات النارية، وفي فترة وجيزة تحول جنبلاط إلى ظاهرة في زمن الحرب، وكان الرجل الذي لا يمكن التنبوء بأفكاره، جنبلاط الذي يفتقد للكاريزما إلى حد كبير، ويبدو دائماً وكأنه أفاق من النوم للتو، استطاع في مسيرته أن يمشي على الحبل المعلق الذي يتجاذب طرفيه النظام السوري والتنظيمات الفلسطينية، متجنباً أن يسقط في بحيرة الزجاج المهشم والأسياخ الحديدية التي كانت تمتد بين الخصوم في الحرب الأهلية.
ربما فقدت اللعبة إيقاعها السريع بالنسبة لجنبلاط، وباستثناء نبيه بري وسمير جعجع يتبقى الجيل الجديد وشبابه الذين تعوزهم التجربة والخبرة، باهتين في معظمهم ويفتقرون للبديهة الحاضرة التي تلزم السياسي، أمام غيلان الإعلام اللبناني وأساطينه، والاستقطاب الذي توزع بين صعود حسن نصر الله زعيماً استثنائياً للطائفة الشيعية، وتواضع الأداء لدرجة العقم لدى سعد الحريري في الطائفة السنية، لم يترك لجنبلاط مكاناً لائقاً أو فرصة لإعادة إنتاج نفسه في موقع حاسم ضمن منظومة الترويكا اللبنانية.
الزعامة الدرزية توزعت بين جنبلاط وأرسلان، ومن الصعب أن ينفتح مجال لآخرين، فكل أبناء الطائفة سيحتاجون لغطاء من الزعامتين للدخول في معترك الحياة السياسية، ولذلك فمن الطبيعي أن يوجد رجل من طراز غازي العريضي تحت العباءة الجنبلاطية، بينما تقلب وئام وهاب بين العباءتين الجنبلاطية والأرسلانية، وفي النهاية فالطائفة الدرزية ليست استثناء، فالتحاصص في لبنان تحول من استراتيجية لإحباط التوتر الاجتماعي، إلى أسلوب حياة وبقرة مقدسة لا يجوز الاقتراب منها، فضلاً عن المساس بها.
كانت لبنان الدولة العربية الأكثر اقتراباً من المعاصرة على مستوى الوعي والزخم، أو على الأقل الريادة المعرفية، وهذه النقطة كانت تحديداً تتمدد مثل برميل من البارود ينتظر، بصبر ومكر، شرارة من نار ليلتهم الأخضر واليابس على هذه البقعة الصغيرة في شرق المتوسط، وكانت هذه الشرارة تشتعل في الحرب الأهلية لتلقي بتراكمات عقود من الزمن دفعة واحدة في وجه أجيال من اللبنانيين وجدت نفسها مضطرة للاندفاع في سباق إلى الوراء لتلوذ بالطائفة، فسقوط نموذج التعايش الذي أتبع الاستقلال أسس لمرحلة من الردة المعيبة لأكثر المشاعر بدائية وتوحشاً، ولأن التسوية في الطائف عملت على صيانة الحل الطائفي على أساس الضمانات الإقليمية ومبدأ لا غالب ولا مغلوب، فإن لبنان بقيت مرتهنة لأمراء الحرب ورؤوس الطوائف، من دون أن تتمكن من استئناف مشروعها التنويري الحضاري في المنطقة، ويبدو أن زعماء الطوائف وجدوا التحاصص بمثابة الوسيلة الوحيدة للتوازن في الحياة السياسية ومختلف أوجه الحراك الاجتماعي.
هل يمكن أن يمثل الانسحاب الجنبلاطي قراءة مبكرة للتحولات التي ستفرض نفسها على لبنان؟ هل أدرك وليد (بيك) قبل غيره أن المعتصمين في أزمة النفايات سيصبحون نواة لحركة وطنية ما بعد طائفية، لن تطرب لأي خطاب طائفي، ولن تقبل أن تقع تحت طائلة أي ابتزاز بالفوضى أو الفراغ أو حتى الاقتتال؟
أربعون عاماً من التاريخ السياسي تجعل قراراً مثل انسحاب جنبلاط حدثاً يجب التوقف عنده، وإشارة إلى أفول عصر قديم في لبنان، وليس بالضرورة أو على سبيل التلازم، إيذاناً بعصر جديد، فثمة مراحل رمادية وباهتة تحول النظام إلى رجل عجوز، وفي لبنان يمكن أن يبقى النظام ميتاً متكئاً لسنين على عكازه حتى ينخره الدود، كما أن أفول عصر جنبلاط لا يعني أيضاً أن يكون البديل هو المنتظر والمأمول، فالنظام يسقط ليلتقطه الأكثر جاهزية من بين القوى السياسية.
شهدت لبنان الطائفية محاولات عسكرية للحيلولة دون تفاقم الحرب الأهلية، أو لتسوية موجعة وحاسمة وسريعة تفوت على زعامات الطوائف محاولات الانقضاض غير المحسوب على الدولة في لبنان لتجعلها مطية لنزواتها السياسية والمالية، فكانت تحركات أحمد الخطيب مع جيش لبنان العربي، وانقلاب عزيز الأحدب الاحتوائي، ولكن الطائفة بقيت تتغلب على أي مؤسسة أخرى حتى لو كانت الجيش، ولكن هل يصبح مثل هذا الحديث سياقاً تاريخياً لا أكثر، ففرضية تدخل عناصر أخرى غير المنظومة الطائفية تبقى محتملة، سواء من خلال أبناء الطبقة الوسطى الذين وجدوا أنفسهم تائهين بين شعبوية الخطاب الطائفي، كما في حالة حزب الله، وانتهازية الرأسمالية الاحتكارية التي تتبادل المنافع مع الزعامات الطائفية، أو من خلال مغامرة عسكرية يمكن أن تستفزها مشاهد السفينة الغارقة للدولة اللبنانية.
جنبلاط يمثل عصر الحرب الأهلية ومنطقها، ورجال هذه الحرب وصلوا إلى النهاية كل على طريقته الخاصة، فجعجع الديناميكي والبراغماتي والنبي المسلح للتطرف الماروني يتحول في الآونة الأخيرة إلى لاعب أكروبات سياسية بقصد التسلية أكثر من اقتناص المكتسبات، وأتى رده إلى الرئيس بري بخصوص التوافق على مرشح الرئاسة: «معاذ الله أن أتسلى بكم. جل ما في الأمر أنني أتسلى معكم»، تعبيراً عن المرحلة بأسرها، فالجميع يحاول أن يستبقي أوراقه للنهاية، ولا أحد يجرؤ في لبنان أن يكون أول من يلقي.

٭ كاتب لبناني
 

سامح المحاريق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية