(في بث حي ومباشر من أمام غرفة الولادة): «اللهم يا حنان يا منان، يا رب «البعث» و»الجيش الحر» و»النصرة» و»البغدادي»، وكل أعضاء نادي «شامستان المسلح»، يَسّرْ هذه الولادة ولا تعسرها، كما عسرت قضية الشرق الأوسط»!
هذا هو الدعاء الذي توجه به المواطن السوري المُعْدَم إلى ربه قبل لحظات من ولادة الطفلة «أحلام»، التي فارقت الحياة بعد عام من ميلادها، ليس إثر قصف برميلي أو تشويت «داعشي» مفخخ، أو «طخطخة» معارضاتية فالتة العقال، إنما لانشغال الطبيب بمريض مسؤول من بلاط النظام، مهمته تبييض وجه الدولة بمغامراته السريرية حول العالم، قبل أن يصاب بعجز جنسي! فيا لسواد وجه النظام أمام شقراوات البيت الأبيض ومجالس النميمة الإعلامية في بلاد «الواق واق»!
تموت «أحلام»، فلماذا سيهتز ضمير السماء حين تموت؟ وبعدين شو يعني جدها شهيد، «طز»، فالعالم العربي منذ بدء الخليقة وشهادة ميلاده هي وثيقة استشهاده، فلا هو تعب من هذه التركة، ولا أراحنا من تدليل الخلد له دون سواه، وهنا راديو «أرب كارلو»: فماذا أعددتم للطفل في سنينه العربية العجاف، وأعوام الموت المر!؟
يجيب المسؤول الأممي: لم نترك حفل عشاء إلا شاركنا به؟
الراديو: يا عيني يا عيني..
المسؤول: سنخطط لبناء مستشفيات ومدارس ومسارح!
وبعد ما يقارب النصف قرن من لقاء «أرب كارلو»، تصير المدارس مرمى للنيران الصديقة، وتتحول المستشفيات ملاجئ للإرهابيين، ولا ينجو من هذا المشهد المجنون سوى المسرح، وأغنية حزينة اختلط بها صوت الناي مع صوت البرميل وهي تناشد لجنة التحكيم: اعطونا الطفولة، ظنا منها أن مجلس الحرب سيصغي للضحية، فمرحبا بكم أيها الشهداء من مسرح الملائكة: «ذا فويس كيدز»، أنتم على متن المركبة: «أم بي سي»، فهل صليتم الجنازة على أحلام؟ أم تبرعتم بالجثة لمذابح النظام؟!
أحباب الله في الجحيم
إنها مسرحية «كاسك يا وطن»، مع بعض التعديلات الزمنية، مراعاة للتقويص الإقليمي، وزاوية تسديد «الفلقات» الوطنية بعد احتراق مراجيح العيد، وتنازل أطفال العرب عن الجنتين: «الأرض والسماء»، فالمشوار إليهما يتطلب فيزا من المقبرة وحفلة قيامة ونفخا في الصور ورحيلا نحو المجهول، أما مسرح «أم بي سي» فلن يستغرق أكثر من رحلة طيران باذخة، فهل هذا حرام على أطفالنا، حلال على أبناء الدم الأزرق؟!
حين تفرح طفلة عراقية لاجئة في لبنان، وهي تغني موالها العراقي المذبوح: أموت حسرة وقهر لو لحظة تنساني، وتقفز بحنجرتها إلى عوالم «ديزني» الإنكليزية على إيقاع «ملكة الثلج» فتوجع قلب كاظم، الذي أحس بها قبل صعودها المسرح، فهل هذا يعني أن «أم بي سي» تتاجر بأحلام الملائكة وهي تحررهم من أراجيح الجحيم؟
أين هو الجحيم يا إلهي؟ تحت سمائنا المدججة بالبراميل، أم في مسرح مستورد للمواويل الشهيدة؟ هؤلاء هم أحباب الله، نخرجهم بأيدينا من رحمته لنزج بهم في خاناتنا السياسية القذرة، نصنفهم حسب انتماءات ذويهم، فنرمي الجمرات على حناجرهم الرقيقة، نعاقبهم على قسوتنا بحقهم، على تهمنا لبراءتهم، على صفقاتنا المسلحة التي تطلق الرصاص على كل من يغني لوجه الله وجبين الوطن للرئيس! يا أيها الرئيس، لقد نجحت مرتين: لما قتلتهم لكرسيك، ولما أعدت قتلهم لمرآتك! أما وقد فشلنا في قتلك، فإننا قتلناهم بك، فهل تبكي أم تضحك؟!
برامج أطفال من بحر الظلمات وجزيرة الكنز
عندما كان برنامج «مدرسة المعجبين» الشهير، يشق طريقه من فرنسا إلى العالم منذ السبعينات، وحتى صعود نجمه في الثمانينيات والتسعينيات مع مقدمه الشهير «جاكيز مارتن»، كان العالم لم يزل يتعاطى مع الأطفال بنزاهة تتوسل دعاية إعلامية تخضع للشروط الأخلاقية دون الإستغناء عن عنصر الإبهار التجاري، ولهذا تحديدا حصد البرنامج جماهيرية واسعة دفعت العديد من الدول لمحاكاته بنسخ محلية، لم ترق لمستواه الإعلامي ولا التأثيري، إلا أنها تركت بصمة طيبة في وطننا العربي كبرنامج «عالم دريد» على قناة «أم بي سي»، و»ستار صغار» لمقدمه سعيد المعمري، على قناة «أبو ظبي» الأولى، ليسجلا استثناء فضائيا ضمن إمكانيات بسيطة ارتكزت على فطرية المذيع أو خبرته أو شهرته أو شخصيته، أكثر من اشتغالها على التقنية الإعلامية، والجماهيرية العريضة، تماما كما ترى في برنامج المسابقات الذي قدمه أحمد حلمي «من سيربح البونبون» و«لعب عيال» ، دون أن ننسى «ماما أنيسة»، برنامج الأطفال الكويتي الأشهر في الخليج، فما أن بدأ عصر الفضاء، وفرقع نجم «بريتني سبيرز» و»كريستينا أغلييرا « في برامج البحث عن النجوم وجيوب الهواتف المحمولة حتى بدأت هذه الصناعة تنحو منحى تجاريا بحتا، يدر الملايين على أصحابها، عداك عن الشهرة والأضواء وعالم المجد والثراء وسكنى القمم، إلى أن جاءنا «ذا فويس كيدز»، فوق صحن فضائي طائر من وراء البحور والمحيطات، من مملكة كولومبس المسروقة من رحلة القرطبي الخشخاش بن سعيد، الذي سبق هذا الإيطالي القاتل عبر بحر الظلمات، قبل أن يقوم باغتيال ربان لجأ إليه بعد غرق سفينته وفي حوزته رسوم أندلسية وعثمانية للأرض المجهولة. ومنذ ذلك الحين ونحن نسرق من السارق مجدنا دون أن نستعيده!
القفاز السحري وصندوق العجائب
في وطننا العربي يختلف الأمر كثيرا عن باقي دول العالم، فهنا الجحيم، هنا أطفال يولدون في المعتقلات والمقابر وأعراس جهنم، فكيف يستطيع برنامج خرج كقفاز سحري من سروال كولومبس العربي المخطوف، أن ينتشل أطفالنا منه ويدخلهم إلى جنته بكامل براءتهم وشهيتهم للحياة؟
قبل فترة نشرتُ صورة على الـ»فيسبوك» لأطفال فلسطينيين يلعبون بأسلحة «خردة»، فانهالت تعليقات من نشطاء غربيين يتهموننا بالإرهاب ويطالبون بقتل هؤلاء الأطفال، كي لا يهددوا مستقبل الإنسانية، فهل عاش هؤلاء الأطفال حياة طبيعية كأطفال العالم بعيدا عن مجنزرات الاحتلال وحملات الإعتقال والتصفيات الجسدية حتى نطالبهم باللعب بدمى «عالم ديزني» و»سبايدر مان»؟
ثم هل تصدق أيها العربي أن إحدى الأمهات البريطانيات هاجمتني وهمت بالاعتداء علي واتهمتني بالإرهاب لأنني أهديت طفلي ابن الخمس سنوات مسدسا مائيا اشتريته من محل ألعاب وسط لندن؟ وأن مركز الشرطة الذي استعنت به طلب مني الرحيل من المنطقة لعجزه عن اتخاذ أي إجراء أمني؟ فماذا تقول يا ابن دمي العربي في هذا؟ لا تقل سوى: عالم جبان الذي يرتجف من مسدس كذبي في يد طفل عربي صنع في لندن!
ربما سيغير برنامج «ذا فويس كيدز» بنسخته العربية الكثير، ليفتح صندوق العجائب، ويدعو أطفالنا إلى الحياة والتقاط أنفاسه في زمن الحرب والمنافي بعيدا عن أصوات الكلاشينكوفات والمفرقعات الدموية والشبهات الإرهابية، لا بد للصورة أن تتغير، وللألم أن يكون أكثر رقة وحنانا، وللتجارة في سبيل الخير أن تكون رابحة لا تراهن على أحلام الأبرياء أو تتحرش بها ما دامت تؤدي رسالتها كمهمة إنقاذ أخيرة للفن والطفولة، وكلنا أمل ونحن نناشد هذه الفضائية العربية أن تُتوج مشروعها بتخصيص نسبة من الأرباح المادية لإغاثة المنكوبين من أطفال الحروب والمجاعات في وطننا العربي!
يبقى أن نشيد بشيخ هذه المدرسة الفنية «كاظم الساهر» الذي لا نشك برقي فنه وسمو رسالته، وأهليته التامة لتنشئة جيل فني يحترم أصالته وخصوصيته ويتمتع بمرونة كافية للانفتاح على الآخر، ترافقه نانسي عجرم، التي احترمت ذكاء الطفل ولم تخدش براءة أحلامه بأعمالها الفنية، بالإضافة لتامر حسني بخفة ظله المصرية.
عزيزي المشاهد، إلى هنا نصل إلى الحلقة الأخيرة من مسلسل «أحلام» لنرفع «كاسك يا وطن» عاليا في الجنات الضائعة، ونشرب نخب الشهداء على رواق ونحن نسدل الستار على مقابر الملائكة في مسرح الجحيم!
كاتبة فلسطينية تقيم في لندن
لينا أبو بكر