«أنا تركي وأنت مش وطني» في حرب الردّة على «أم بي سي» و«الشاكالاته ساحت» مع عمرو أديب!

 

إنها عاقبة سِنمّار… وأخيرا! تم إيقاف عرض المسلسلات التركية في مجموعة تلفزيون الشرق الأوسط، ولكن، وقبل ذلك أيها المشاهد، عليك أن تحتاط أولا وأخيرا من «أم بي سي»، خاصة وأنت تتذكر كيف تبكيك على غُزاتك بدل أن تحذرك منهم، وكيف تجرعك سمهم، بدل أن تشفيك من أمصالهم الدرامية، وكيف تستعطفك لتنحاز لأوجاعهم، وأنت تتنازل عن وجعك التاريخي معهم، فهذه مهمتها الأساسية التي أنشئت لها، بل إن وصاياها العشر، التي دشنها العرابون في أحد مقاهي «ستار بكس» في جدة، تقضي بتلفزتك وطنيا، إلى الحد الذي تنجذب فيه مغناطيسيا لمغامرات الجنود الأمريكان في الصومال، وأنت تصفق كالبطريق المسطول، لنصرهم السينمائي على أشقائك الصوماليين في فيلم «سقوط النسر الأسود – Black Hawk Down»، الذي تعيد «أم بي سي» عرضه مرارا وتكرارا، كسردية مبهرة للإعجاز الأمني للغزاة بتحرير طاقم الطائرة التي سقطت بقاذفة صاروخية، في معركة مقديشو، بعد أن تمضي ما يقارب الساعتين، مغرورقا بدموعك على شهداء عمك «يافث»، مقشعرا خجلا من عروبتك، ولا غرابة، ما دامت هذه هي بركات التبني الدرامي الذي تتخصص فيه القناة كعلامة تجارية حصرية، فأهلا أهلا، أولاد «أم بي سي» أنتم!

يُتم درامي

نجحت المسلسلات التركية، في اختطاف المشاهد العربي من كل العروض الأجنبية الأخرى على القناة السعودية، لِما يتوافر لها من مقومات لا يمكن أن تجدها في غيرها ولا حتى في مسلسلاتها العربية، وعلى رأسها، السمات الثقافية والاجتماعية المشتركة بين الأتراك والعرب، ثم إبداع الطواقم الفنية في تركيا بتوظيف هذه السمات في الأعمال الدرامية بشكل ساحر وسلس ومتمكن، تخضع له أساليب الإبهار الحديثة، والمواصفات التجارية اللافتة، تعززها حبكات إبداعية مشوقة، وشحنات عاطفية رقراقة، تسد البؤر المترهلة في الوجدان العربي المدجن، دون إغفال تركيزها الذكي والعبقري على التفاصيل الحياتية والممارسات السلوكية، والتعويذات والرقى التراثية، وموروثات الذاكرة الخبيئة، فتلعب على الحس النوستالجي عند المشاهد العربي… الذي يعاني من يُتمِ درامي متعمد!
هذه سجادة صلاة أمي يا «خالد آرغنش»، وهذا شالها الحريري الشفاف يا «عزيزة – بيرغوزار كوريل»، هذه أرغفتنا الطازجة، أطباقنا الفخارية، أصوات مآذننا الشجية، أبواب جداتنا في قرانا المنسية، أقفال آبائنا في بيوتنا السرية، أسماؤنا في بطاقات الهوية، أوجاعنا وغزاتنا في معاركنا المغدورة، أدعيتنا وعباراتنا في طقوسنا المقدسة، من أمركم بحظرها الآن؟ بعد أن مارستم النفاق التجاري المحرم معها، وأغرقتم السوق العربية بإدمان مزمن دام لأكثر من عشرة أعوام عجاف، شح فيها الإبداع العربي على كل الأصعدة، ليبهت الأداء وتتخلخل البنى الوجدانية والمنطقية للنصوص، وتدخل المسلسلات في نوبة اجترار مرضية للدراما التركية، بطابع عربي متكلف، لا يشبه سواه، ولا يعبر عن ذاته، كالمسلوخ من شجرة لقيطة، مبتورة الجذور!
ما البديل إذن؟ مسلسلات منحلة من أمريكا اللاتينية؟ علما بأن الكثير منها مقتبس من دراما تركية لها أصولها الروائية، التي لم تتنكر لها، لكن بين ليلة وضحاها، تضرب «أم بي سي» بعرض الحائط، أصول العشرة الدرامية مع الأتراك، والأواصر العاطفية والمشهدية التي أسستها بعروض مكثفة وممطوطة، مع مُشاهد تعلق بها، إلى حد الصبابة، ودُقّي يا ربابة!

الحجر السري في قلعة «حيص بيص»

حين يرتكب الخطأ ذاته مرتين، فإن الصفح جناية، وإن كان يُحسب لمؤسسات الإنتاج العربية، خطأها الأول لصالح المشاهد العربي، حين انتشلته من مستنقع درامي مستورد من المكسيك، لا يمت لمنظومته الاجتماعية والأخلاقية والتاريخية بصلة، لإغراقه بشلال درامي يصب في عرقه الحضاري والإيديولوجي، لأنه ينبع من الوريد الثقافي ذاته الذي يربطه بتركيا.
الشره، الذي أصاب «أم بي سي» بالتعاطي مع الدراما التركية، كان مستغربا، ومستهجنا، من قبل الكوادر الفنية والإعلامية العربية على المستوى النخبوي، الذي كان دائما يخشى من عمليات وأد منظمة للإبداع العربي، بسبب هذا التهافت الغريب على الهوس الاستهلاكي، الذي لم يأبه يوما بكل التحذيرات والاعتراضات، ولم يراع سبل إنفاق عادلة تقيه التبذير المجاني، الفالت من زمام الضوابط الاستثمارية، والمعايير المهنية، والاعتبارات الوطنية، ورغم أن موقع « فلسطين اليوم» ينقل على لسان شخصيات ثقيلة الوزن في «أم بي سي» أن سبب توقف العروض التركية يعود لتفاقم الأزمة السياسية الراهنة بين تركيا والسعودية، يأتيك مازن الحايك بـ «حيص بيص»، عبر بيان رويترز، بمبررات إنتاجية، من قبيل تحفيز المنتوج الدرامي العربي والخليجي النوعي العالي الجودة، وبما يشبه صحوة الموت المتأخرة، يعلن عن فوارق التكلفة التي تتراوح بين 40 – 100 ألف دولار لحلقة واحدة من مسلسل عربي، بينما تصل تكاليف الحصة التركية الواحدة إلى ما يفوق الربع مليون دولار ! حسنا إذن، أين كنتم عندما كان المبدعون العرب يحذرونكم من مغبة تغييب الإنتاج لصالح الاستهلاك، ويستعصمون بجيوبكم وهممكم وإمكانياتكم ومساعيكم لتأمين مواصفات قادرة على المنافسة الإقليمية والعالمية ؟! كيف تتجرؤون على اللعب بذاكرة ووجدان وذائقة المشاهد العربي بكل هذا الإجحاف السافر، واللامبالاة المهينة، والأرجحة المزاجية… في حفلات العبث الدرامي!؟
لماذا الآن بالذات؟ هل باءت محاولات الدبلجة السخيفة بالفشل في ترويض الانجذاب العربي للثقافة والفن التركيين؟ هل أدرك المعنيون أن الحجر السري في مملكة الدراما التركية هو حجر سنمار، الذي سينسف به هؤلاء أعظم القلاع الدرامية التي هزت عروشهم الزمبركية، وأصابتهم في خوف، من حصانتها الإبداعية ومتانة قماشتها التاريخية؟
إنه الخوف، على المصالح السياسية، لا الوطنية، ولا الثقافية، ولا الأخلاقية ولا الإبداعية ولا المادية، ولا ما يحزنون، فحجم ما تعرضه أم بي سي من البضاعة الإباحية الصهيونية، والماسونية، والأمريكية، يفوق بكثير تكلفة البضاعة التركية، ويخلخل منظومة الوعي الوطني والأخلاقي والمشاعر القومية في المجتمع العربي، المفكك دراميا!
حسنا إذن، من وراء هذا البتر الثقافي غير الصهاينة والعملاء، الذين لا تهمهم الآثار المعنوية المترتبة على التعسف في الخطأين: النفاق في بحبحة الإنفاق والشقاق في حظر الاستهلاك؟

رِدة درامية مع عمرو أديب

على تركيا أن تتدارك تجاهلها للتأثير العربي في أعمالها التاريخية، لكي لا تخسر مرتين، في حين أن خسارة «أم بي سي»، لا تتوقف فقط على العقود الدرامية مع الجانب التركي بقدر ما ستستغرقه القناة من جهد زمني وتجاري ووجداني لاستعادة مشاهد لن تغريه محاولاتها بملء الفراغ، لأن المواقع التي تتخصص بترجمة الأعمال التركية على اليوتيوب، تحظى بمتابعات مليونية، سرعان ما ستختطف المشاهدين اليتامى، من العروض المدبلجة التي تتأخر عادة حتى تصل لشاشات المحطات الفضائية، محتفظة لهم بالانفعالات الحقيقية، والأداء الصادق والحي، وباللغة الأصلية دون تجريدها من مخزونها المعرفي والعاطفي، حتى ليكاد العربي يصرخ صرخة الوجود التي صرخها اليوناني «كوبيلاي آكا» وهو يتابع «أنت وطني»: (أنا تركي وسأخون وطني) ، على طريقة الشخصية الدرامية المتبناة «علي كمال»، وهو لعب فني خطير، يحول المشاهد إلى ضحية بهوية مزدوجة: درامية وعرقية، وهذا ربما ما أخاف المعنيين الذين لا تنقح عليهم عروبتهم سوى مع الأتراك والإيرانيين، بينما يبيعونها «بتعريفة» عندما يتعاطون الأفيون الدرامي في النيغاتيف الصهيوني!
أما من يشاهد فرحة عمرو أديب بهذا القرار، يظن أن العرب فتحوا الأندلس، وأن المماليك في امبراطورية السيسي الإعلامية على مشارف «سدرة المنتهى» في بيت المقدس، فلقد تركوا حروبهم الرخيصة وهزائمهم وغزاتهم المدلدلين وتاريخهم السليب وشرفهم المدنس وحدودهم المستباحة وراءهم، ولم يتبق لهم من انتصاراتهم سوى حرب الردة الدرامية، وحنقتهم المشوهة على القومية العربية كالبضاعة الفاسدة، التي رُدّت إليهم، ولك أن تتصور بعد هذا اللمبي خارجا من غرزة فضائية مسطولة يهتف بنشيد وطني جديد: الشاكالاته ساحت، راحت ما طرح ما راحت، فيرد عمرو أديب منتشيا: عظمة على عظمة يا ستْ! ويحكم!

كاتبة فلسطينية تقيم في لندن

«أنا تركي وأنت مش وطني» في حرب الردّة على «أم بي سي» و«الشاكالاته ساحت» مع عمرو أديب!

لينا أبو بكر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية