أوباما: أمثولة العدّاء في جنازات اليمن

حجم الخط
8

 

تقول الأرقام الرسمية الصادرة عن القيادة المركزية للقوات المسلحة الأمريكية إن طائرات التزويد بالوقود نفّذت 1200 طلعة منذ اندلاع الحرب الأهلية في اليمن، وخدّمت 5600 طلعة سعودية فوق الأجواء اليمنية. فإذا احتسب المرء حقائق لجوء الطيران الحربي السعودي إلى قصف المشافي اليمنية، وبينها تلك التي تديرها منظمة «أطباء بلا حدود»؛ وأنّ هذه المنظمة اضطرت، مؤخراً، إلى سحب 550 عنصراً من مجموعاتها العاملة في الشمال، وأخلت ستة مواقع على الأقلّ؛ فإنّ مقداراً أكبر من الشكوك، وربما العجب، يتوجب أن يكتنف ما تردد مؤخراً عن مبادرة سلام أمريكية حاول تسويقها وزير الخارجية جون كيري، في السعودية.
كذلك، ضمن سياسة عسكرية جديدة اعتمدتها السعودية منذ استئناف القصف بعد انهيار محادثات الكويت وتهدف إلى عزل العاصمة صنعاء، يعمد الطيران الحربي السعودي إلى تدمير جسور حيوية وحساسة، مثل جسرَي المدرجة في مديرية صعفان، وجسر مكحلة في باب الشق ـ مديرية بني سعد؛ رغم أنّ هذه الجسور تُستخدم، أيضاً وأساساً، لمرور قوافل «برنامج الغذاء العالمي» إلى المناطق المنكوبة. هنا، أيضاً، يُثار السؤال حول طبيعة مبادرة السلام الأمريكية: إذا صحّ أنّ البنتاغون هو الذي يتولى تزويد الطيران الحربي السعودي بلوائح أهداف القصف على الأرض، وأنّ بعض مسؤولي القيادة المركزية الأمريكية أبلغوا الكونغرس بأنّ هذه الجسور كانت على لوائح الأهداف محظورة القصف؛ فهل كان البنتاغون يغضّ الطرف، متواطئاً، أم كان الطيران السعودي يضرب عرض الحائط باشتراطات البنتاغون، عامداً؟
صحيح، تماماً، أنّ جميع أطراف النزاع على الأرض تتحمل مسؤولية مباشرة عن الحال المأساوية، الإنسانية والغذائية والصحية خاصة، التي يعيشها اليمن؛ وأنّ الحوثيين وأنصار الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح يتحملون وزراً أكبر، لأسباب سياسية وعسكرية وأخلاقية؛ إلا أنّ الشراكة الأمريكية ـ السعودية، في أعمال القصف الجوي تحديداً، تتحمل المسؤولية الأشدّ في حصيلة ما شهدته مختلف أرجاء البلاد منذ آذار (مارس) 2015: مقتل قرابة 3800، وجرح 6700، وتشريد 2،4 مليون، ومعاناة 6،7 مليون من سوء التغذية… حسب آخر تقارير مجلس حقوق الإنسان في جنيف.
بذلك فإنّ المبادرة الأمريكية تبدو، اليوم، أقرب إلى تلك الأمثولة العتيقة، حول قاتل يقتل القتيل ثمّ يسير في جنازته؛ خاصة وأنّ الرئيس الأمريكي باراك أوباما، صاحب عقيدة سحب الولايات المتحدة من ميادين الحروب الخارجية، كان بين أكثر رؤساء أمريكا المعاصرين تعطشاً إلى استخدام عمليات الاغتيال الفردي عبر الطائرات بلا طيار، في اليمن تحديداً. وهو، بهذا، لا يسير خبباً في جنازات اليمن، بل هو يعدو عدواً، خائضاً في الدماء والجثث ومواكب النازحين وقوافل الجياع؛ ليس أقلّ، بل أعظم، مسؤولية من سادة الحرب الأهلية أنفسهم.
وفي مقابل مهزلة الاتفاق بين جماعة الحوثي وحزب «المؤتمر الشعبي العام»، حول إنشاء مجلس سياسي أعلى لإدارة شؤون البلاد، واجتماع البرلمان اليمني للمرة الأولى منذ سنتين لمنح «المجلس» الثقة، واقتصار حضور الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي على اللقاءات البروتوكولية والتصريحات الجوفاء وامتداح التحالف السعودي؛ فإنّ المبادرة الأمريكية لا تبدو كسيحة ومعاقة وتحصيل حاصل لتراث العجز في جولات الكويت، فحسب، بل هي معطّلة سلفاً ما دامت تنطلق من مطالبة الحوثيين بسحب أسلحتهم من صنعاء (أي الاستقالة من النزاع طواعياً، عملياً!)، والقبول بتشكيل حكومة وحدة وطنية (وكأنّ «المجلس السياسي» العتيد لم ير النور وسط ضجيج وعجيج!).
وما خلا السير في جنازات اليمن، ما الجديد الذي أضافته المبادرة الأمريكية إلى حلول ومقترحات جهد في اختراعها إسماعيل ولد الشيخ، مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن، طيلة أشهر ممضة وثقيلة و… دامية؟

أوباما: أمثولة العدّاء في جنازات اليمن

صبحي حديدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية