عواصف من نقاشاتٍ حادة اندلعت وتكاد لا تعرف طريقها إلى الانحسار على مواقع التواصل الاجتماعي والصحف والمنابر العامة تسببت بها ثلاثة أفلام تلفزيونيّة وثائقيّة عرضت مؤخراً على تلفزيونات بريطانية بين المتابعين لتلك الشاشات المتعددة في انقسامهم الدّائم حول قضايا اجتماعيّة حساسة لا تجد عادة تغطية كافية لها – هذا إن حدث وغطّيت من حيث المبدأ. البرنامج الاستقصائي المشهور بانوراما ( بي بي سي) استعاد تحت عنوان (بريطانيا المقسّمة) حلقة قديمة له من مدينة صغيرة هامشيّة بُثت قبل عشر سنوات عن الانقسام العامودي الحاد بين السكان المحلييّن ذوي البشرة البيضاء والآخرين سواء مهاجرين أو حتى بريطانيين من أصول متنوعة وألوان بشرة غامقة (وتصادف في تلك البلدة حينها أن معظم هؤلاء كانوا من المسلمين). البرنامج حاول إعادة تنفيذ الحلقة مؤخراً بغرض تلمس مدى التغيير بما خص اتجاهات التعايش بين المجموعات الإثنيّة المختلفة في بريطانيا المعاصرة اليوم ، ليخلُص إلى أن الانقسام قد تجذّر وتعمّق. كذلك قدّمت القناة الثالثة في ال (بي بي سي) وثائقيّاً جديداً بعنوان كسر الصمت:ما يتعلّق باغتصاب الذّكور مسلطا الضوء على جانب مسكوت عنه من ضحايا العنف الجنسي داخلالمجتمع البريطاني، بينما انفردت القناة الرّابعة بعرض «أولاد الطبقة العاملة البيضاء البشرة) الذي كان بمثابة زيارة لعقل ستةٍ من أبناء ذلك المجتمع الغامض الذي غيّرت توجهاته الانتخابيّة من شكل الأفق السياسي في العالم «البريكست، انتخاب ترامب، صعود التيّار اليميني في السياسة الأوروبيّة».
وللحقيقة فإنّه لا يكاد يجادل أحد بأن القنوات التلفزيونيّةالبريطانيّة سواء العامة منها كـ «بي بي سي» أو حتى الخاصة كال «آي تي في» مروراً بالقناة «الرّابعة» باتت تشغل معظم فضاءاتها في عرض برامج تهدف أساساً إلى التسليّة سواء من خلال المسلسلات والأفلام الدراميّة «جرائم وغراميّات وفضائح عائليّة وتاريخيّات» أوعبر برامج مباشرة لما يدعى بتلفزيون الواقع (أغان ومواهب وأفكار للإثراء واستعراض سيارات أو حتى مسابقات الخَبْز وصناعة الحلويات)، وهو تماماً دورها المحدد وفق تموضعها في منظومة المجتمع الرأسمالي الحديث. إذ توفر تلك البرامج إلى جانب صياغة توجهات الرأي العام واهتماماته نوعاً من سلوى لا تستدعي إعمال كثير من الفكر أو النظر للمتلقين لا سيما أفراد الطبقة العاملةالّذين يقضون سحابة يومهم في عمل مضن ثم يعودون إلى منازلهم لاسترداد الأنفاس، فيلقون بأنفسهم في سرير الشاشة الفضيّة لعدة ساعات من لحظات استهلاك سلبي لمضمون مبسّط مسطّح قبل أن يغلبهم النوم.
ولهذا فإن هذي الأفلام التلفزيونيّة الثلاثة – وغيرها – بدت كعودة الأيّام الذهبيّة للوثائقيّات في القرن العشرين والتي كان البريطانيّون حينها روادها وجعلوا منها فناً قائماً بذاته متفننين في استكشاف طاقة الفيلم الوثائقي على تشكيل ثقافة قطاعات عريضة من المواطنين وهندسة سلوكهم الاجتماعي العام – لا سيّما بعد أن خبا نجم الدّين أو كاد، ولم تعد الكنيسة بقادرة على لعب ذلك الدّور التوجيهي. لكن ذلك النجاح المبكّر لفن الوثائقيّات كان استُنفِذَ لاحقاً نهاية القرن بعدما تحولت أشكاله ونحت موضوعاته نحو الأعمال السياسيّة أو المسائل الجزئيّة بشأن الحياة والطبيعة والغرائبيّات، لينتهى شكلاً آخر من أشكال التسلية المكثّفة أكثر منه محفزاً اجتماعيّاً.
ليس بالكعك وحده يتحقق التعايش
بلاكبيرن مدينة إنكليزيّة صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها ال 150 الف نسمة ينقسمون بين أغلبيّة ثلثين بيضاء البشرة وأقليّة (مسلمة) تنحدر أصول معظمها من شبه القارة الهنديّة. وقد زارتها كاميرا برنامج البانوراما قبل عشر سنوات للكشف عن مستوى تعايش الفئتين في المدينة. النتيجة الصادمة وقتها كانت أن المجموعتين لا تتعايشان أبداً، بل هما كما أقنومين منفصلين لا يلتقيان. سائق سيارة أجرة مسلم من المدينة عبّر في مقابلة مع طاقم البرنامج خلال الحلقة عن صرامة الفصل بين المجموعتين مشيراً إلى شعوره بالتشاؤم من آفاق القادم من الأيام.
وهكذا انطلقت كاميرا البانوراما من جديد لقياس مدى التقدم بعد عقد كامل لتجد أن الأمور اصبحت أسوأ بدرجات، وأن مخاوف ذلك السائق قد تحققت بالفعل في المدارس، في المناطق السكنيّة والأهم في التقاليد المجتمعيّة للمدينة.
لا شك أن الإرهاب الدّاعشي الّذي ضرب بريطانيا عدّة مرات قد أدى إلى استقطاب حاد يفسّر جزءاً هاماً من هذا الشقاق بين المجموعات المجتمعيّة بالإثنيّات المختلفة، لكن الجزء الأهم يبقى هيمنة التيّار اليميني المحافظ على الحكم داخل بريطانيا معظم الوقت، وتجاهل القابضين على مقاليد السلطة لعقود متتابعة والمنتمين قطعاً إلى الأغلبيّة البيضاء وجود ألوان بشرة أخرى من أجيال هاجر أجدادها منذ عقود وصار أبناؤها بريطانيين بحكم المولد والقانون. فالبريطاني عند المحافظين هو حكماً أبيض، والباقون مجرد إضافات شكليّة لا قيمة حقيقية لهم في صلب النظام.
سكان المدينة من ذوي البشرة البيضاء الذين تحدثوا للبرنامج أعربوا عن خشيتهم من فقدان ثقافة مدينتهم الإنكليزيّة قطعة قطعة دون أن يمتلكوا أدوات لوقف ذلك النزيف. بينما يحس الآخرون بقلق دائم من استهدافهم في لحظة ما بسبب العواطف الفائرة التي تتسبب بها الأعمال الإرهابيّة، لا سيما مع تصاعد أصوات اليمين الفاشي المتطرف في البلاد. والطرفان اتفقا على أن الحكومات المتعاقبة لم تبذل أي جهد لكسر واقع الحواجز التي هي وصفة حرب أهليّة مستقبليّة. «لقد فعلت ناديا حسين من برنامج مسابقة خبز الكعك في تعريف الطرفين ببعض ما لم تفعله الحكومة في عقود» يقول أحد المعنيين. وحسين هي بريطانية مسلمة محجبة فازت العام الماضي بالمركز الأول في مسابقة لخبز الحلويات والكعك ذات شعبيّة كبيرة على التلفزيون «.
كسر الصمت: عن الضحايا الذكور
يبدأ هذا الوثائقي الجرىء بعرض إحصائيّات صادمة. ففي بريطانيا واحد من كل ستة ضحايا لجرائم الاغتصاب هو من الّذّكور. وبينما يعترف المجتمع بضحايا الاغتصاب من النساء ويبدو أقدر اليوم على مساندتهن وإدانة المعتدين عليهن وتوفر لهن السلطات نوعاً من بيئات آمنة في الأماكن العامة، ينتهي معظم الضحايا من الذّكور إلى المعاناة الصامتة وربما الإصابة بأمراض نفسيّة عميقة تدمّر حياتهم. وبرغم أن جميع الضحايا الذين تحدثوا للبرنامج نقلوا تفاصيل مفزعة عن تلك المعاناة إلا أن أبلغ الصور كانت لضحيّة في الثالثة والسبعين من عمره كان يرتجف رعباً وغضباً بعد خمسة وخمسين عاماً على تعرضه للاعتداء.
«كثيرون مستعدون للاستماع لضحايا الاعتداءات الجنسيّة من النساء، لكن لا أحد تقريباً هناك لسماع صوت الذّكور منهم» يقول أحد الضحايا. «أنا قبلت التحدث علناً في هذا الوثائقي من أجل آخرين يعانون بصمت»، بينما الإحصاءات تقول إن 26 عاماً هي معدل فترة الانتظار قبل إفصاح الضحايا الذكور عن تجربة الاغتصاب المفجعة. أي بقايا بشر تعسة يتركها المجتمع لظلام أرواحها؟
أولاد الطبقة العاملة البيضاء البشرة: عبيد النخبة الغربيّة ومصدر قوتها
تاريخيّاً هذه الفئة من الجمهور تشكّل أغلبيّة في معظم دول الغرب ولذا فإن النخب المهيمنة تعتبرها دائماً خزّان قوتها وحصانها – الأبيض – الذي يتقدّم في أوقات الشدّة والرخاء ليضمن لها اوقاتاً مديدة في السلطة والنفوذ انتخاباً وتأييداً وحتى عنفا إن تطلّب الأمر. العالم كله شاهد هؤلاء يحملون أمثال دونالد ترامب من الشعبويين إلى مقاعد السلطة وكانوا هم وراء ترجيح كفة قرار البريكست الشهير.
وبالطبع فإن العمال سواء كانوا بيضاً أم سوداً هم سواء بسواء في الماكينة الرأسماليّة التي توحدنا جميعاً بمسطرة العبودية والقهروالاستهلاك، لكنها تواجهنا ببعضنا من خلال فروقات اللون أو اللغة أو الدين أو الأصول والمنابت كي تبقى طبقة الهيمنة فوق الجميع.
(وثائقي الطبقة العاملة) يذهب بنا إلى ستة نماذج ممن يصنفون ضمن فئة العمال ذوي البشرة البيضاء. ورسالته الحاسمة: الفقر والجهل وقلة التعليم تقود أياً منا إلى اتّباع ذوي الأصوات العالية حتى لو كانوا فعليّاً ضد مصالحنا. «يجب أن نتعلم» يقول صانع الفيلم، – وهو يعتبر نفسه من ذات الفئة – «التعليم فقط سيخرجنا من الحلقة المفرغة».
هذه الأفلام التي أُنتجت بميزانيات محدودة، لكن بحرفيّة عالية ألقت حجارة كبيرة في مياه المجتمع البريطاني الراكدة. أليست تلك المهمة الحقيقية للثقافة، لا التجهيل والأدلجة وتبرير الهيمنة؟
إعلامية لبنانية تقيم في لندن
أوجاع بريطانيا في وثائقيات صادمة: بلاد مقسمة وصمت لا يُكسر وطبقة عاملة عبدة للنخبة
ندى حطيط