أوراق تونس ضئيلة في المفاوضات مع صندوق النقد الدولي لكنها مُؤثرة

حجم الخط
0

رشيد خشانة : استأنفت تونس وصندوق النقد الدولي الخميس في واشنطن محادثات كانا بدآها في تونس مطلع الشهر الجاري، على هامش الاجتماعات السنوية للصندوق. وتتزامن هذه المحادثات مع تقديم الحكومة التونسية قانون المالية الجديد إلى مجلس النواب، والذي يُتوقع أن يُثير مناقشات وتجاذبات في شأن ما يتضمنه من إجراءات تقشفية. تقليديا، يُعتبر صندوق النقد الدولي مصدر وصاية وإملاءات مُشطة على الحكومات التي تضع رأسها بين كفيه، فيما يرى فيه آخرون (وهم قلة) خيارا أوحد لإعادة تدوير عجلة الاقتصاد المحلي. والحقيقة أن هذه المؤسسة المالية الدولية، بما لها وما عليها، لا تطرق أبواب الحكومات، وإنما تذهب إليها الحكومات في أوقات الاختناق للاقتراض منها، بأسعار فائدة متفاوتة وبشروط مختلفة من بلد إلى آخر.
وقالت بعثة الصندوق في وقت سابق من الشهر الجاري إنها جاءت إلى تونس لـ»دراسة الآفاق الاقتصادية والسياسات التي تعتزم السلطات التونسية وضعها موضع التنفيذ، في إطار برنامج الاصلاحات الاقتصادية التي تعتزم تطبيقها، والمدعوم باتفاق رباعي يحمل عنوان «الآليات المُوسَعة للإقراض» مثلما جاء في بيان رئيس البعثة. ولا يُعرف ما ستُسفر عنه هذه «الدراسة» وكيف ستُراجع الحكومة خطتها الاصلاحية، إذا اتضح أنها لم تستجب لمعايير الصندوق.

تعامل شفافٌ

وخلافا لما يروج فإن التعامل مع الصندوق أيسر مما نتصور في الوهلة الأولى، فهو يعتمد في قسم كبير منه على مدى قدرة البلد على إيجاد حلول موازية تنطلق من إمكاناته الذاتية. وكان يمكن أن يكون تعامل تونس مع الصندوق شفافا وقويا لو هي بادرت في الوقت المناسب، بإدخال الاصلاحات التي لا مناص منها على بنية الاقتصاد، والتي أرجأتها الحكومات العشر التي تعاقبت على البلد منذ 2011 لاعتبارات انتخابية.  وليس هناك اختلاف جوهري مع الصندوق على ضرورة اعتبار إيجاد فرص العمل واحتواء الدين العمومي المتصاعد في قلب أولويات الاصلاح الاقتصادي. كما لا يمكن الاختلاف على ضرورة تحسين إدارة كتلة الرواتب، التي تشكل إحدى أكبر الكتل في العالم، وهي تبتلع نصف النفقات العمومية. ربما سيكون هناك تباعد في شأن الطريقة المثلى لإدارتها، لكن المواقف لن تتباعد حين يتعلق الأمر بضرورتها المُلحة اليوم لإيقاف النزف.
الخلل الثاني الذي يُؤرق التونسيين هو عجز الميزانية المتفاقم، الذي يقترح قانون المالية الجديد معالجته بإصلاح واسع للمنظومة الجبائية. لكن هذا الاصلاح لا يكتسب معناه إلا إذا ما وضعت دراسة علمية لمعرفة من يدفع الضرائب، ومن لا يدفع، وسنكتشف قطعا أن الدولة تخسر أموالا طائلة من الضرائب التي كان يمكن جبايتها، لكنها لا تُجبى لأسباب شتى، ليس التهرب الضريبي سوى واحد منها. وستُفيد تلك الإيرادات في دعم المؤسسات الصغرى والمتوسطة بما يزيد من فرص التشغيل ويُنشط التصدير، الذي يدرُ العملة الصعبة. كما أن الحوكمة والمراقبة الصارمة للمؤسسات العمومية ستحدان من هدر المال العام وتساهمان في إيجاد موارد للإنفاق على قطاعات ذات أولوية مثل الصحة والتعليم.
غير أن جميع هذه الخطوات الاصلاحية متوقف على شرط أساسي واحد هو مدى رسوخ الثقة بين الحكومة والشعب. والثقة مزاج سياسي يستقرُ في النفوس حين ترى إجراءات عملية، مصداقا للخطاب السياسي المُتصدي للفساد مثلا. والثقة هي التي تُطهر أيضا المناخ السياسي من ظلال الريبة التي ركب على صهوتها بعض مُشعلي الحرائق، لتعطيل قطاع الفوسفات ثم قطاع النفط، ومازالوا يبحثون عن ولاَعات أخرى، ولو بالنفخ في الرماد. لكن هذه الثقة ما زالت مشروخة بسبب طغيان المحاصصات على سلوك الحكومات، المُرتهنة لأحزاب ما فتئت قاعدتها الاجتماعية تتآكل. وأظهر سبر آراء قام به «المركز الجمهوري الدولي» (أحد اللوبيات المؤثرة في أمريكا) أن التونسيين يشعرون بخيبة أمل عميقة، وأن 41 في المئة منهم لا يعتزمون التصويت في الانتخابات البلدية المقبلة، وحتى الذين سيقترعون لا يعرفون لمن سيمنحون أصواتهم. وتبلغ نسبة أولئك الحيارى 83 في المئة، وهي نسبة مُخيفة. وإذا ما دققنا في سبب القلق وانعدام الثقة سنعثر عليه في شعور 89 في المئة من التونسيين المُستجوبين بأن الفساد زاد في السنوات الأخيرة، وأن 54 في المئة من المُستجوبين ليست لديهم ثقة في الأحزاب السياسية، بحسب نتائج سبر الآراء.

وعود سخية

يؤثر وجود الثقة أو عدمها في دعامة أخرى من دعامات الانتعاش الاقتصادي وهو الاستثمار، وبخاصة الاستثمار الأجنبي. ولم يظهر حتى الآن حصاد نوعي لمؤتمر الاستثمار «تونس 2020» الذي أعطيت خلاله وعود سخية مازال أكثرها لم يُنجز. ولعل من المبادرات الايجابية عقد اجتماع الشهر الماضي في نيويورك، على هامش الاجتماعات نصف السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة، لتقويم الخطوات التي أنجزت. وتونس بحاجة لإيلاء هذا الملف اهتماما خاصا، لاسيما أن الصورة التي يحملها المستثمرون العرب والأجانب عن مناخ الاستثمار في البلد مازالت سلبية. ومردُ هذا الشعور إلى عنصرين، أولهما ثقل البيروقراطية الإدارية، التي جمعت بين مُخلفات الإدارة العثمانية وإرث الإدارة الفرنسية، المتخلفة أوروبيا. وثانيهما الفساد الذي اكتوى بناره كثير من المقبلين على الاستثمار في تونس، حتى فضل بعضهم العدول عن مشروعه وغادر البلد. وبالعودة إلى سبر الآراء الذي قام به  «المركز الجمهوري الدولي» أظهرت تصريحات المستجوبين أن 17 في المئة منهم أقروا بأنهم أعطوا رشوة إما في مستشفى أو لشرطة المرور أو لموظفي البلدية. من هنا يبدو المُضي في الحرب على الفساد، من دون حسابات حزبية أو مراعاة لتوازنات زائفة، أداة مهمة من أدوات طمأنة المستثمرين وحفزهم على جلب مشاريعهم إلى تونس.

وطاقات مهدورة

في هذا السياق يشكل تراجع الحركات الاحتجاجية شرطا من شروط الاستقرار الذي يجلب الاستثمار ويُحسن أداء الاقتصاد. وأفضل مثال على ذلك ما وفره تراجع الاعتصامات والاضرابات في الحوض المنجمي من زيادة في الانتاج هذه السنة، إذ يُتوقع أن يبلغ 5 ملايين طن، أي بزيادة تُقدر بـ34 في المئة مقارنة بحجمه في 2016. لكن الفرحة لا تكتمل لأن الفوسفات المستخرج لا يجد طريقه إلى المعالجة والتكرير في مصانع قابس إلا جزئيا، بسبب سوء حالة القطارات التي انتهت صلاحيتها ولم يتم تجديدها، ما جعل شركة فوسفات قفصة تلجأ للنقل بواسطة الشاحنات، وهي أعلى كلفة وأكثر خطرا على مستعملي الطريق. ولهذا السبب لم يُحقق إنتاج مشتقات الفوسفات سوى زيادة ضئيلة لا تتجاوز 10 في المئة، وفي بعض الأصناف فقط، فماذا لو تجدد أسطول القطارات، لكي يرتفع مستوى الإنتاج وتباشر تونس محاولة استعادة الأسواق التي خسرتها في السنوات الأخيرة؟
وما يُقال عن الفوسفات يمكن أن ينطبق أيضا على النفط والغاز، فكثرة الحركات الاحتجاجية عطلت الإنتاج وجعلت أعمال البحث والتفتيش تتعثر، إن لم تتوقف تماما، جراء المناخ الاجتماعي المضطرب. من هنا يتضح أن مجالات اقتصادية عدة تمنح التونسيين فسحة الاصلاح الذاتي، الذي يُغير من ميزان القوى في المفاوضات مع سائر المُقرضين، وليس مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي فقط. ولكن هذا الجهد يتطلب كثيرا من العزم والحزم، ويحتاج لوضع الملفات على مائدة الحوار الصريح مع الأطراف الاجتماعيين لتحقيق الانقاذ الاقتصادي وتجنيب البلد، ذي الموارد الطبيعية المحدودوة، الارتهان إلى المانحين الدوليين.

أوراق تونس ضئيلة في المفاوضات مع صندوق النقد الدولي لكنها مُؤثرة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية