المفارقة الأساسية في انتساب بريطانيا للاتحاد الأوروبي قبل الاستفتاء الأخير أنها بعضوية الحد الأدنى لعبت دوراً أساسياً في تشكيل بنية هذا الإتحاد كما نعرفه الآن، القائمة على التفاوت في الانضواءات ضمن مؤسساته ومجالاته بين أعضائه. وبعد أن حكمت بريطانيا على التركيبة الأوروبية بهذا التفاوت في «الإلتزام الوحدوي» داخلها، أحالت الرابط نفسه لاستفتاء الناس، فصوتت أكثرية ناخبيها لهجر المنظومة التي ما كانت لتكون بهذا التفاوت في درجات الانضواء، لولا الحرص البريطاني على أن تكون التجربة الأوروبية على هذا النحو، وأن تكون بريطانيا تحديداً خارج سياق العملة الأوروبية الموحدة اليورو، واتفاقية شنغن للتنقل الحر وانمحاء الحدود داخل الاتحاد.
لكن بريطانيا نفسها التي آثرت «رجل في الاتحاد ورجل خارجه»، سبق لها أن ناضلت للانضمام إلى السوق المشتركة. في الستينيات وقف الجنرال شارل ديغول بالمرصاد لطلب لندن الانضواء في العمل الأوروبي المشترك، ولم تفلح في الدخول إلى السوق الا مطلع السبعينيات.
ثم عادت بعد سنوات قليلة على دخولها، فشبّ الجدل داخلها حول بقائها في المجموعة. المعارضة الأساسية جاءت من يسار «حزب العمال» وقتها. كانت هناك معارضة للبقاء في المجموعة الأوروبية داخل «حزب المحافظين» أيضاً لكنها كانت أخف وقعاً. التيار الرئيسي الداعي للخروج من المجموعة منتصف السبعينيات كان يسارياً، ويعتبر أن السياسات الاشتراكية في الحقل الصناعي وأسعار الغذاء ستصاب بالضرر إذا بقيت بريطانيا في السوق الأوروبية.
مع احتدام الجدل حدث أول استفتاء عام في تاريخ المملكة المتحدة، وبقي استفتاء يتيماً لعقود. ففي حزيران/يونيو 1975 كان على الناخبين البريطانيين الاجابة على سؤال: «هل ترى ان على المملكة المتحدة البقاء في المجموعة الأوروبية؟»
النتيجة جاءت مدوية لصالح البقاء في السوق الأوروبية، وتقدمت «النعم» في انكلترا بنسبة 68 بالمئة على نسب ايجابية أقل منها في ويلز ثم اسكتلندا فايرلندا الشمالية بالتدريج، لكن الأكثرية انتزعت في بلدان المملكة الأربعة، وبنسبة 67 بالمئة بالمجموع العام.
بعد واحد وأربعين عاماً سيحدث العكس، ويغلب الاستقلال عن أوروبا في انكلترا، بخلاف اسكتلندا وايرلندا الشمالية، ويزكي هذا بدوره نزعة الاستقلال عن انكلترا، خصوصاً في اسكتلندا.
كانت عودة النشوة السوفياتية في أعقاب احتلال الفيتناميين الشماليين لسايغون، من الدوافع الأساسية لرجحان كفة أوروبا في بريطانيا بهذا الشكل الواسع في حزيران/يونيو 1975.
يومها شعر البريطانيون بوحدة حال تجمعهم مع أوروبيي القارة: فالانتشار العسكري والصاروخي السوفييتي في أوروبا الشرقية والوسطى كان يتزايد في تلك المرحلة، في مقابل «بلادة أمريكية» تجاه الأمن الأوروبي ميزت سنوات اكمال جيرالد فورد الرئاسة الأمريكية بعيد تنحي نيكسون. كان هذا قبل أن يهذي فورد خلال المناظرة التلفزيونية عشية الانتخابات الرئاسية التالية بأنّ «الاتحاد السوفياتي لا يهيمن على أوروبا الشرقية»، الأمر الذي أثار حفيظة البولونيين الأمريكيين والمتحدرين من أوروبا الشرقية في أمريكا.
الشعور بـ»التخلي الأمريكي» عن أوروبا كان حافزاً للبقاء البريطاني فيها، والبحث الألماني الفرنسي البريطاني المشترك عن معادلة تحمي الشطر الغربي من القارة من النشوة السوفياتية، ومن مفارقة التردد الأمريكي في تأمين التوازن العسكري الاستراتيجي وسط القارة، في مقابل مضي واشنطن في استفزاز موسكو أكثر بالتدخل في شؤونها الداخلية، من بوابة حقوق الإنسان وخصوصاً حق السوفيات، لا سيما اليهود السوفيات، في الهجرة.
زادت الحاجة إلى أوروبا مع كثرة الحديث عن تصدّع «حلف شمالي الأطلسي» في اثر الأزمة القبرصية، وانهيار الديكتاتوريات العسكرية المنضوية فيه في اليونان واسبانيا والبرتغال، قبل أن يظهر لاحقاً بأنّه ما من داعي للقلق من «تمدّد شيوعي» في جنوب القارة، وبأن «الناتو» هو أكثر الأنساق الدولية صلابة في أواخر الحرب الباردة، والى اليوم، بعدها بربع قرن.
لكن بريطانيا ستحتاج لأمريكا ولصندوق النقد الأوروبي وليس لـ»أوروبا» يوم حلّت بها أعتى أزمة شهدها الجنيه الاسترليني عام 1976، وهي الأزمة التي شكّلت نقلة نوعية باتجاه اليمين، فبزغ مارغرت تاتشر في أعقاب تلك الأزمة، حيث صورت الانهيار النقدي على أنه نتيجة الغلو في الانفاق يوم حكم اليسار، وبالتالي لا بدّ من تخفيف عبء الالتزامات الاجتماعية للدولة بشكل واسع، فدولة الرعاية تعني اقتصاداً ضعيفاً، ونظاماً مالياً هشّاً. وهنا حدثت انعطافة يتعلق بالموقف من أوروبا: فبعد أن كان يسار «حزب العمال» هو الرافض للسوق المشتركة، من موقع الدفاع عن دولة الرعاية، والسير بها قدماً نحو سياسات صناعية اشتراكية، فان الجيل الجديد من المحافظين، ومع بقائه في السوق الأوروبية ثم الاتحاد، أخذ ينظر بريبة إلى أوروبا بوصفها قارة الديماغوجية الاجتماعية. منذ أواخر السبعينيات أوضحت لندن أنّها خارج سياق السعي وراء توحيد النقد. وأظهرت بعد ذلك بقليل، في حرب الفوكلاند ضد الأرجنتين عام 1982 أنها لا تزال تنظر إلى نفسها كدولة عظمى، بمعزل عن العمل الأوروبي المشترك.
ومن حرب الفوكلاند إلى اليوم، لا تزال المملكة المتحدة هي القوة العسكرية الأهم في أوروبا، الأمر الذي حمل برندان سيمز في تاريخه الشيّق للصراع على الصدارة في أوروبا من القرن الخامس عشر إلى اليوم (2013)، لتشبيهها بـ»بروسيا»، تلك المملكة التي صنعت الوحدة الألمانية (الرايخ الثاني) انطلاقاً من تفوقها العسكري ضمن البلدان الألمانية. وهذه مفارقة الاتحاد الأوروبي، كون القوة العسكرية الأهم فيه «جزيريّة» وليست «قاريّة»، ومكتفية بالتزام الحد الأدنى ضمن الاتحاد قبل التصويت للخروج منه. أما ألمانيا، فهي القوة الاقتصادية الأساسية ضمن الاتحاد، وجزء أساسي من الأزمة، البريطانية والأمريكية معها، أنها لا تريد أن تكون قوة عسكرية أيضاً.
الاتحاد من غير بريطانيا سيظهر أكثر فأكثر كتعاضد فرنسي ألماني. وهذا التعاضد بدوره مشكلاته منه وفيه، وهي خرجت سريعاً إلى العلن في الأيام الأخيرة على خلفية التباين بين ردة الفعل الفرنسية، الداعية لتعجيل انسحاب بريطانيا من الاتحاد بعد الاستفتاء، وبين التريث الألماني، واعتبار انجيلا ميركل أنّ ما ينبغي السعي وراءه الآن هو ارساء معاهدة بين الاتحاد الأوروبي وبين المملكة المتحدة، وأن مثل هذا السعي ضروري لعدم تضعضع الاتحاد أكثر.
مخطئ دائماً من يستعجل اضمحلال الشعور القومي، ومن يعتبر الدولة القومية وراءنا. كذلك يخطئ دائماً من يستعجل انتهاء «النزوع إلى الامبراطورية»، وما الاتحاد الأوروبي الا شكل من أشكال استمرارية هذا النزوع، واستمرارية شبح «الامبراطورية المقدسة الرومانية الجرمانية»، والصراع على الصدارة داخلها، واستمرارية مشكلة الاطار المهلهل لهذه الامبراطورية التي استمرّت رسمياً حتى مطلع القرن التاسع عشر.
القوة العسكرية الأوروبية الأهم، بريطانيا، تخرج من أوروبا. القوة الاقتصادية الأهم، المانيا، تحاول الحفاظ على الاتحاد، ومشكلتها تتفاقم مع الرؤية الفرنسية للأمور من ناحية، ومع كون «الشهوة الانفصالية عن أوروبا» تسكن ألمانيا جدياً أكثر من أي بلد قاريّ آخر، فالشقاق معتبر في ألمانيا بين نزعة متنامية في الرأي العام، تعتبر الاتحاد وطأة يعيل بموجبها الألمان الشعوب الأوروبية الطرفية، وبين عقلانية الاستبلشمنت والمصارف التي عبثاً تحاول اقناع الناس بأنّ المس بأساسات البناء الأوروبي يعرّض النظام المصرفي الألماني للخطر قبل سواه. اعادة وصل القوة الاقتصادية الأوروبية الأهم بالقوة العسكرية الأوروبية الأهم، اعادة شحن الصلة الالمانية البريطانية رغم «البريكست»، وفي وجهة النظرة الفرنسية، هما محك أساسي، هذا إذا ما أريد للتفكير المحافظ أن يحمي نفسه من شعبوية اليمين، هذا في وقت لا يزال أمام اليسار، وخصوصاً الاشتراكيين الديمقراطيين الألمان، الكثير الذي ينبغي فعله بغية التفسير النظري والعملي على حد سواء لشعارهم الجديد، «اعادة التأسيس الاجتماعي لأوروبا».
٭ كاتب لبناني
وسام سعادة