لعلّ هذه واحدة من الفضائل القليلة المتبقية للرئيس الفلسطيني محمود عباس: الأطروحة الأكاديمية التي تقدّم بها إلى جامعة باتريس لومامبا، أيام الاتحاد السوفييتي، سنة 1982؛ وصدرت، بعدئذ، في كتاب بعنوان «الوجه الآخر: العلاقات السرية بين النازية والصهيونية». وبصرف النظر عن ملابسات كتابة الأطروحة، وطبيعة أدوار الباحثين/ «الجنود المجهولين»، كما يتوجب القول، خلف استكمال المادّة؛ فإنّ خلاصات الأطروحة تظلّ حمّالة دلالات راهنة، خاصة عندما تُستغلّ مناسبات الهولوكوست لتأثيم الكثيرين واستثناء المجموعات الصهيونيةـ
المرء يتذكر الأطروحة هذه الأيام، إذاً، في مناسبة إحياء الذكرى السبعين لتحرير مجمع أوشفيتز النازي، جنوب بولندا، والذي اقتحمه الجيش الأحمر السوفييتي في 27 كانون الثاني (يناير) 1945. كما تُستذكر، في السياقات ذاتها، مسرحية «الهلاك Perdition»، للمسرحي وكاتب السيناريو البريطاني المعروف جيم ألن، الذي يعدّ الشريك الإبداعي الأوّل للمخرج السينمائي الكبير كين لوش. لقد جرى إيقاف العرض، في لندن ثمّ في دبلن، سنة 1987، لأنّ المسرحية تتناول التواطؤ بين الشخصية الصهيونية البارزة رودولف كاشتنر، والضابط النازي الأشهر أدولف إيخمان. وكانت الصفقة تتضمن موافقة النازيين على تسهيل هجرة 2000 من اليهود الهنغار إلى فلسطين، مقابل سكوت المؤسسة الصهيونية عن سَوْق قرابة نصف مليون يهودي إلى معسكرات الاعتقال!
أخيراً، وليس آخراً بالطبع، لا مفرّ من وقفة عند إيلي فيزل، الكاتب والروائي والأكاديمي الأمريكي، الذي لا يفضّل لقباً آخر على صفته الأثيرة الأقرب إلى امتياز وحيد لا ينافسه عليه أحد: عميد ضحايا الـ «هولوكوست»، والقيّم على شؤونهم الدنيــــوية والروحية.
ولد في رومانيا عام 1928، وتمّ ترحيله مع أسر يهودية أخرى إلى أوشفيتز في عام 1944، وكان بين قلائل ظلوا على قيد الحياة. عاش في باريس ونيويورك، وعمل مراسلاً لصحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية، وفي عام 1963 حصل على الجنسية الأمريكية، ثمّ مُنح جائزة نوبل للسلام في عام 1986. مَنْ سواه يستحقّ العمادة، والحال هذه!
صفة سليل ضحايا أوشفتز لا تكفيه البتة، من جهة أولى؛ إذْ تليق بشخصه ألقاب أخرى غير «رسول السلام»، الذي أسبغته عليه حيثيات الأكاديمية السويدية، من جهة ثانية. لقد توجّب، أيضاً، أن يكون ضحية/ ناطقاً باسم دولة إسرائيل؛ مدافعاً عن سياساتها كافة، بلا تمييز؛ مجنداً في الحملات الصهيونية، سواء استهدفت تجميل جرائم الحرب، أم تسويغ الاستيطان وتهويد القدس (يقول، مثلاً، إنّ مفردة «أورشليم» تتكرر في التوراة 600 مرّة، وتغيب نهائياً عن القرآن!). هوايته الكبرى هي رفض أيّ وجه للمقارنة بين أوشفتز وسواها من مآسي البشرية، لأنّ مشروع الهولوكوست انطوى على «إبادة شعب بأكمله، حتى آخر طفل وآخر أسرة وآخر نفس»؛ وتلك ليست الحال مع الأقوام الأصلية في أمريكا، أو التصفيات العرقية في البوسنة، أو الإبادة والمجازر الجماعية التي يمارسها نظام بشار الأسد في سوريا هذه الأيام.
وفي كتابه الشهير، «كلّ الأنهار تصب في البحر: مذكرات»، شنّ فيزل حملة اتهامات جديدة ضد لائحة طويلة من اليهود الذين تعاطفوا مع عذابات الفلسطينيين، تحت الاحتلال الإسرائيلي، بعد أوسلو الأولى والثانية، وليس قبلئذ كما يمكن للمرء أن يتخيل. وبين ضحاياه كان جان دانييل، الصحافي الفرنسي اليهودي المعروف ومؤسس أسبوعية «لونوفيل أوبسرفاتور»، لأنه يواصل انتقاد الدولة العبرية، وذلك يرقى إلى ارتكاب الإثم الأكبر في يقينه.
وأمّا في الولايات المتحدة فإنّ فيزل مندوب غير مباشر عن منظمة الـ AIPAC، أشهر مجموعات الضغط الإسرائيلية، وأشدّها شراسة، في تأثيم عدد من كبار الكتّاب والصحافيين والفنّانين الأمريكيين اليهود، ليس بسبب تخاذلهم في الدفاع عن إسرائيل، فحسب؛ بل كذلك توجيه التهمة العظمى: العداء للسامية! بين هؤلاء، مثلاً: وودي آلن، الممثل والسينمائي المعروف، الذي تعرّض لحملة تشهير منظمة لأنه أعلن العجز عن هضم مشهد الجندي الإسرائيلي وهو يدقّ بالحجارة عظم فتى فلسطيني أعزل؛ وسيمور هيرش، الكاتب والمحقق الصحافي المعروف، لأنه نبش خفايا الـ «موساد» وأسرار التسلح النووي الإسرائيلي في سلسلة مقالاته وتحقيقاته، ثمّ في كتابه «خيار شمشوم»؛ وأخيراً، مايكل ليرنر، الحاخام المستنير ورئيس تحرير المجلة اليهودية الثقافية ـ الفكرية Tikkun، لأنّ خطّ تحريرها ينتقد إسرائيل بشدّة.
كانت أوشفيتز وصمة عار، وجريمة نكراء بحقّ الإنسانية جمعاء؛ لكنّ إعفاء الصهاينة من التوطئة لها، والتواطؤ عليها مع النازيين، لا يضيف الإهانة إلى جراح الضحايا فقط؛ بل يواصل إعادة إنتاج تلك المعجزة الكاريكاتورية الخائبة: حجب شمس الحقيقة، بغربال الباطل!
صبحي حديدي