أول صدام بين الدولة والاتحاد العام التونسي للشغل

حجم الخط
0

 

شكل الإضراب العام الذي دعا إليه اتحاد نقابات العمال في تونس يوم 26 يناير (كانون الثاني) 1978 انعطافا مهما في تاريخ البلد، لأنه أول صدام بين الدولة بأجهزتها العسكرية والأمنية والحزبية، و«الاتحاد العام التونسي للشغل» بزعامة حبيب عاشور. وسيُؤثر توازن القوة الجديد الذي أفرزه ذلك الحدث الاستثنائي في تغيير كافة الموازين، ليس فقط بين الحكم والاتحاد، وإنما داخل دوائر القرار في الحزب الحاكم أيضا. ولم يكن مُصادفة أن الذي قمع النقابيين واعتقل قيادة الاتحاد في ذلك اليوم لم يكن سوى مدير عام الأمن الوطني العقيد زين العابدين بن علي، الذي سيعتلي سدة الرئاسة بعد سبعة أعوام بواسطة «انقلاب طبي» على الرئيس الحبيب بورقيبة. وبسبب هذا التشابك ظلت تلك الأحداث الدموية، التي أطلق عليها التونسيون اسم «الخميس الأسود»، منطقة شبه مُحرمة قلما ارتادها المؤرخون والباحثون على مدى ثلاثة عقود.

قمع الاضراب العام

يُلقي الكتاب الجديد الصادر تحت إشراف المؤرخ التونسي الدكتور عبد الجليل التميمي، أضواء كاشفة على تلك الحقبة، ويتضمن شهادات لقياديين في اتحاد العمال، ممن سُجنوا إبان تلك الأحداث. ويُخبرنا التميمي أنه حاول إقامة ندوة في الذكرى العاشرة لاندلاع الإضراب العام، أي في عهد بن علي، بمشاركة نقابيين وأكاديميين، غير أن السلطات هددته بغلق المؤسسة التي يُديرها لو أقام الندوة! وبالعودة إلى وقائع المواجهة بين الاتحاد وحكومة رئيس الوزراء الهادي نويرة (1970-1980) حمل التميمي المسؤولية للطرفين، معتبرا أنه كان من واجبهما إيجاد أرضية لحوار متوازن وتوافقي حفاظا على مصلحة البلد، إلا أنهما فضلا المُضي في نهج التحدي المتبادل. وربما من المفيد التذكير هنا بوساطتين لم تُفلحا في نزع فتيل المواجهة، أو قُل الهجمة المُبرمجة على الاتحاد. أتت المحاولة الأولى من ثلاثة وزراء سابقين (أحمد المستيري وحسيب بن عمار والباجي قائد السبسي) زاروا نويرة في مبنى الحكومة وعاشور في مقر الاتحاد، وأخفقوا في التقريب بينهما. أما الوساطة الثانية فقام بها القيادي الفلسطيني الراحل صلاح خلف (أبو إياد)، الذي كان يحظى بتقدير الرجلين، إلا أنه فشل في تحقيق المصالحة بينهما.
وتجدد الصراع بين الحكم واتحاد العمال في عهد رئيس الوزراء محمد مزالي الذي خلف نويرة، لكن من دون إضراب عام، فقد شجعت الحكومة عناصر نقابية موالية لها على احتلال المقرات وإزاحة القيادات، في سيناريو تقليدي يُظهر الأزمة كما لو أنها صراعٌ داخليٌ لا يد للحكومة فيه. لم يُسجن النقابيون مُجددا، عدا عاشور، ولكن وجدوا أنفسهم خارج القلعة يلتقون في المقاهي ويعقدون اجتماعاتهم في البيوت. وتشكل الشهادات التي جمعها التميمي في هذا الكتاب مرجعا مهما لفهم عقدين من التجاذبات بين اتحاد العمال والحكم، على الرغم من الجبهة التي شكلاها لخوض انتخابات المجلس التأسيسي غداة الاستقلال، (1956) والتي استأثرت بجميع مقاعد المجلس. من هنا تبدو هذه العلاقة مُلتبسة ومُتقلبة، إذ نجح بورقيبة في تنحية ثلاثة أمناء عامين آخرهم عاشور، فيما كان دوما حريصا على أن يكون الاتحاد في حلف مع حزبه، الحزب الاشتراكي الدستوري، وهو ما سار عليه بن علي، ولكن بقليل من الحنكة والذكاء.

نشوء التعددية

المحور الثاني من الكتاب خصصه الناشر الأكاديمي لشهادات عن نشوء حزب ليبرالي معارض في العام 1978 سرعان ما بات حزب المعارضة الرئيسي في انتخابات 1981. وينحدر مؤسسو حزب «حركة الاشتراكيين الديمقراطيين» من حزب بورقيبة، الذي أقصى عددا من مساعديه في مؤتمر 1974 بعدما حازوا على الغالبية في المؤتمر السابق. ومحور هذا الصراع كان يدور حول انتخاب المكتب السياسي، إذ حاول الليبراليون بقيادة أحمد المستيري جعل القيادة العليا منتخبة من أعضاء اللجنة المركزية، فيما أصرَ رئيس الحزب بورقيبة على أن يختار بنفسه المساعدين الذين يشتغل معهم. وشكل قسم من المحتجين، بعد طردهم من الحزب حركة بديلة خاضوا تحت رايتها معركة الانتخابات البرلمانية في 1981 منافسين للحزب الحاكم، وكانت أول انتخابات تعددية بعد عشرين سنة من انتخابات اللون الواحد والصوت الأوحد. غير أن عمليات التزوير كانت واسعة وشهد بها لاحقا محافظون ووزراء كانوا قريبين من مركز القرار آنئذ، وذلك في المذكرات والشهادات التي أدلوا بها عن تلك الفترة. ولم يكن حزب «حركة الاشتراكيين الديمقراطيين» الوحيد الذي خاض الانتخابات، إذ شارك فيها أيضا الحزب الشيوعي ومنشقون عن «حركة الوحدة الشعبية» التي أسسها أحمد بن صالح في المهجر. ويجوز اعتبار تلك المناسبة فرصة مهدورة لوضع البلد على سكة الديمقراطية، لو قبل بورقيبة بترك مقعد الرئاسة، وقد تجاوز الثمانين، وأفسح المجال لمنافسة حقيقية بين مساعديه، في إطار استقرار النظام. غير أن اشتداد المنافسة في البلاط على خلافة «المجاهد الأكبر» العجوز، والتي أطاحت برئيسي وزراء كانا يُعتبران حسب الدستور الخليفتين المُعينين (محمد مزالي ثم رشيد صفر)، زاد من تعفن الأوضاع السياسية والاجتماعية، ومهد لاستيلاء وزير الداخلية بن علي على الحكم. واستخدم بن علي بعد شهر واحد من تسميته رئيسا للوزراء، في خريف 1987، شهادة انتزعها من أطباء بورقيبة ليشهدوا بعجز الأخير عن مزاولة الحكم، فيجلس رئيس وزرائه في مكتبه في قصر قرطاج، ويأمر بنقل الرئيس المعزول إلى قصر مُرناق جنوب العاصمة تونس، قبل أن يضعه في إقامة إجبارية في مسقط رأسه المنستير حتى مماته في السنة 2000.

بن علي المُخاتل

أتى بن علي ناشرا خطابا مُطمئنا، واتخذ عدة إجراءات تحرُرية لكسب شرعية كان يفتقد إليها بحكم مسيرته البوليسية. وبدا كما لو أنه يشجع على إطلاق تجربة انتقال ديمقراطي حقيقي، خصوصا عندما ألغى الرئاسة مدى الحياة ووضع سقفا للولايات الرئاسية ووسع من هامش الحرية المُتاح للصحافة. غير أن مؤشرات أخرى كانت تدل على انتكاسة إلى المُربع الأول، ومن بينها المحافظة على حزب بورقيبة، مع تعديل اسمه من «الحزب الاشتراكي الدستوري» إلى «التجمع الدستوري الديمقراطي»، والإبقاء على معظم الوجوه الحزبية السابقة. ولذا لم يكن غريبا أن أول انتخابات خاضها الحزب الجديد في 1989 أسفرت عن النتائج نفسها التي كان يُحققها الحزب القديم، أي الاستحواذ على جميع مقاعد البرلمان.
وتعرض الكتاب في هذا السياق إلى المخاتلة التي تمثلت بإدخال معارضين انتقاهم النظام إلى البرلمان في الانتخابات التالية (1994)، على الرغم من إعطائهم نسبا ضئيلة من الأصوات، وهو ما أرسى أسلوبا جديدا يقوم على دعم الموالين وإبرازهم إعلاميا، في مقابل تهميش المعارضين الحقيقيين، وقمعهم عند الاقتضاء. ومع أن بن علي استنسخ هذا النموذج من ظاهرة أحزاب القصر، أو الأحزاب الإدارية، مثلما تُسمى في المغرب الأقصى، حيث عمل ملحقا عسكريا في السفارة التونسية على أيام الملك الحسن الثاني، إلا أنه طور هذه الخدعة وحولها إلى واجهة تعددية يُحاول أن يُطفئ بها الانتقادات اللاذعة الموجهة إلى نظامه الاستبدادي من الداخل والخارج. وفي هذا المجال يُقدم الكتاب نماذج من غزو الأحزاب وقياداتها بعيون النظام، واستحواذ جواسيسه على قيادة تلك الأحزاب، لقاء مكافآت مُجزية، ما أدى إلى إفراغها من كوادرها، وزيادة خضوعها لتوجيهات الحكم، وتحديدا أجهزته الأمنية. بناء على هذا العرض لمسار تزوير التعددية، يمكن القول، مع القائد الأسبق للكشافة التونسية محمد التريكي، الذي كان أيضا عضوا في اللجنة المركزية لحزب بورقيبة، إن تونس خسرت ثلاثين عاما من التدرُب على الديمقراطية.

عبد الجليل التميمي (إشراف): «اتحاد الشغل والمعارضات السياسية من الخميس الأسود إلى الثورة»
مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات، تونس 2017
523 صفحة.

أول صدام بين الدولة والاتحاد العام التونسي للشغل
عبد الجليل التميمي في»اتحاد الشغل والمعارضات السياسية من الخميس الأسود إلى الثورة»:
رشيد خشانة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية