كانت الأوضاع المعقدة والمختلطة مع مرور عام على رئاسة السيسي، والتوقعات بشأن الحكم بإعدام مرسي المحور الرئيسي لأحاديث الناس، الذين التقيتهم خلال أيام قضيتها في مصر الأسبوع الماضي.
ومن حسن الحظ أن الاراء التي استمعت اليها جاءت من اصحاب توجهات سياسية متنوعة، بمن في ذلك متعاطفون مع جماعة «الاخوان»، وأيضا ينتمون الى طبقات اجتماعية ومواقع جغرافية مختلفة.
وابدأ من اليوم الأخير الذي قضيته في مدينة تقع في شمال الدقهلية، المحافظة التي طالما عرفت أنها واحدة من اقوى معاقل الاخوان. في الطريق تذكرت ما قاله لي قبل سنوات قليلة المرشد السابق لجماعة «الاخوان» مهدي عاكف، أن نحو نصف أعضاء مجلس الشورى في الجماعة كانوا ينتمون في إحدى المراحل الى محافظة الدقهلية، وهو ما كان يثير حفيظة البعض في الجماعة. أما الواقع اليوم فيبدو مختلفا تماما. «اين الاخوان؟ سألت احد ابناء المدينة المتعاطفين مع الجماعة هناك. ولم استغرب حين قال: اختفوا، ليس فقط سياسيا لكن حتى على مستوى النشاط الاجتماعي الذي طالما كان المظهر الرئيسي لقوتهم في المدينة». وأضاف «باستثناء نقاط مبعثرة في انحاء البلاد، فان الاوضاع تحت السيطرة الامنية للنظام بالكامل».
نعم لقد شهد العامان الماضيان تغييرات جذرية للخريطة السياسية بل والاجتماعية في مصر، وليست الأوضاع في الدقهلية سوى نموذج متكرر في انحاء البلاد.
وبموازاة غياب الإخوان، يسجل الإهمال بل والفشل الحكومي حضورا بارزا. ومثال ذلك انهيار جسر تم بناؤه حديثا فوق الطريق الدولي شمال الدقهلية، وهو ما اضطرنا الى سلوك طرق التفافية للوصول الى تلك المدينة. وبالطبع فقد تحول الجسر الى مثار للتهكم والسخرية، إلا انه يقف دليلا على تغلغل الفساد وغياب إرادة سياسية حقيقية لتنمية الارياف، وهو ما يبدو واضحا في الحالة المزرية للطرق والنظافة في تلك المدينة، التي تعد الاكبر في المحافظة بعد المنصورة عاصمة الدقهلية.
ومن المفارقات أننا طلبنا مساعدة أحد المارة من ابناء المنطقة، حين كنا نبحث عن الطريق البديل للجسر المنهار، بينما كنا في قلب الريف وعلى ضفاف نيله الرائع والمختلف تماما عن نيل القاهرة «المسكين»، فإذا به يدلنا على الطريق بلهجة سورية واضحة. نعم لقد تمدد وجود اللاجئين السوريين في مصر إلى العمق بعد أن ضاقت بهم المدن الكبرى بأزماتها وغلاء أسعارها.
وفي أحد المساجد الرئيسية الفخمة للمدينة، تتبدى تناقضات المشهد الاجتماعي الجديد، حيث يبدو واضحا خطر استغلال السلفيين للفراغ الذي نشأ نتيجة لغياب الإخوان او تغييبهم، بينما تتعزز المكانة الرئيسية للمسجد في حياة الناس اليومية كمركز اجتماعي وثقافي، وليس مجرد مكان للتعبد، في غياب اي بديل توفره الدولة لاستثمار طاقة الشباب، الذين يمثلون نسبة كبيرة من ابناء المدينة.
وتتسع هذ الفجوة لتشمل التناقض الفاضح بين المسجد الفخم المبني بالرخام ناصع البياض، ومحيطه السكاني الذي يصرخ بالشكوى من الفقر والاهمال والاوضاع المتردية.
في المساء كان علينا ان نستعد لرحلة العودة الى القاهرة، التي تستغرق نحو اربع ساعات، وسط الهواجس بشأن الاوضاع الامنية في الطرق السريعة، وتحت جنح الظلام بشكل خاص، إلا أن الطريق كانت آمنة تماما، بل أننا لم نصادف أي أكمنة أمنية، وكانت بعض المناطق مكتظة بالمسافرين وكأننا في منتصف النهار وليس منتصف الليل. وهو ما يؤكد ما سمعناه من كثيرين حول تحسن حالة الامن باعتباره الإنجاز الرئيسي للعام الاول في حكم السيسي. لكن الصورة الحقيقية تبقى اكثر تعقيدا مما يحاول ان يرسمه طرفا الصراع في وسائل الاعلام. فقد كان الاستقرار الامني مكونا اساسيا من الحالة المصرية، حتى في ظل المعطيات الاستثنائية من حروب او تحولات سياسية، وهكذا فان المصريين يرون استعادته امرا مهما دون شك، الا انه يبقى «طبيعيا» في ظل غياب اي حاضنة اجتماعية للاعمال الارهابية بغض النظر عمن يقف وراءها. وبكلمات اخرى فان الفضل في عودة الأمن يعود الى طبيعة المجتمع نفسه او مناعته، بقدر ما يعود الى جهود اجهزة الامن. ويؤدي هذا تلقائيا الى تقوية مشاعر الاحباط تجاه اداء السيسي في عامه الاول، في ظل خيبة افرزها سقف توقعات مرتفعة بشأن تحسين الحالة الاقتصادية بشكل خاص. وبالنسبة للكثيرين فان السيسي أظهر الانحياز الخطأ عندما فشل في تحقيق اي انجاز في ملف العدالة الاجتماعية، بل اعتبر ان «المطالبات الفئوية» نوعا من الخيانة للوطن، في حين سارع الى الغاء قرار وزير ماليته بفرض الضريبة على الارباح في البورصة، حرصا على عدم اغضاب المستثمرين.
ثمة فجوة هائلة بين الخطاب الإعلامي الاقرب الى الرومانسية الذي يتبناه السيسي بشكل مرتجل، يكون ضرره أحيانا اكبر من نفعه، وممارسات حكومته على الارض التي تؤكد للناس يوميا انه لم يحدث تغيير كبير في الاوضاع مقارنة بما كانت عليه قبل الثورة. وهنا يكمن السبب الحقيقي في تراجع شعبية الرجل مقارنه بالعام الماضي، مع حقيقة انها تبقى مرتفعة لاسباب عديدة بينها، للمفارقة، أخطاء ألد اعداء النظام، أي جماعة الاخوان.
ومثال ذلك، وعلى عكس بعض المعارضين المقيمين في الخارج من الذين يرسمون صورة تناسب امنياتهم او اجنداتهم او مصالحهم الضيقة، فان الناس العاديين في مصر اصبح لديهم من الوعي السياسي ما يجعلهم يدركون جيدا ان اعمال العنف تصب في مصلحة النظام وتقويه، وهم يشعرون بالاستياء منها لانهم يرون ان النظام يستغلها في ارتكاب انتهاكات مروعة لحقوق الانسان. أما حملات الشتم المبتذلة ضد السيسي، التي يعتبرها البعض «نضالا سياسيا» فتثير نفورا تلقائيا عند المصريين، بل وتحقق نتيجة عكسية عند كثيرين، فيما يضعها البعض في السلة نفسها مع الممارسات الفجة والمثيرة للاشمئزاز لبعض الاعلاميين في مصر.
ولعل الدليل الأبرز حملة الاعتقالات التي شنها النظام مؤخرا في صفوف القيادات والكوادر الإخوانية الداعية الى السلمية. وكأنه يتدخل علنا فيما تشهده الجماعة حاليا من انقسام وصراع مرير بين قيادتين وتوجهين متناقضين، لمصلحة الداعين الى استمرار وتوسيع اعمال العنف او «الخيار الثوري»، كما يسمونه. والسبب أنه يعرف ان أعمال العنف تمثل تسريعا في اندفاع الاخوان الى المزيد من التفتت والانتحار السياسي والاجتماعي، قولا واحد، في ظل دولة تملك تراثا امنيا عريقا، ومجتمع ينبذ الارهاب طبيعيا ويرفض ان يكافئه سياسيا مهما كان الثمن الذي سيدفعه. والاهم ان استعادة الأمن وفرت غطاء نموذجيا أو «قنبلة دخان» لعودة «دولة الفلول»، حتى أن بعض مؤيدي اطاحة الاخوان اصبحوا يتساءلون: لماذا لا يعيدون مبارك ويخلصوننا على الاقل كانت الأوضاع افضل في ايامه؟
أما الحديث والاراء بشأن امكانية تنفيذ الاعدام بالنسبة لمرسي وقيادات الاخوان فنتركه الى الاسبوع المقبل، خاصة انه من المتوقع ان تصدر الاحكام الرسمية بهذا الشأن الثلاثاء المقبل.
٭ كاتب مصري من أسرة «القدس العربي»
خالد الشامي