إحالة «قضاة من أجل مصر ورابعة» إلى التقاعد… والصحف ترفع أسعارها

حجم الخط
1

القاهرة ـ «القدس العربي»: سيطر المؤتمر الاقتصادي العالمي في شرم الشيخ على معظم مساحات الصحف الصادرة يومي السبت والأحد، من استعدادات أمنية هائلة لعدم تسرب أي عناصر إرهابية لإفساده. ومع ذلك كشفت سحر زميلتنا الرسامة الجميلة في مجلة «روز اليوسف» في عددها الصادر يوم السبت عن حالة تسرب شاهدتها بنفسها، فقد وصل بالقرب من قاعة المؤتمر مواطن بائس ومعه أنبوبة بوتاجاز، فأوقفه الضابط لمنعه، واتضح أنه ليس إرهابيا وكان طلبه من الضابط هو:
– قولهم بس يا باشا إن فيه واحد بره مش عارف يملي الأنبوبة.
ورغم الحفاوة والفرحة بنجاح المؤتمر والمشروعات التي تم الاتفاق على تنفيذها، فإن الأهم والأبرز كان مواقف السعودية والإمارات والكويت وسلطنة عمان، إذ افتتحوا المؤتمر بالإعلان عن تقديم اثني عشر مليار ونصف المليار من الدولارات، في صور مساعدات وودائع في البنك المركزي واستثمارات. أمير الكويت أعلن عن أربعة مليارات دولار، وولي العهد السعودي أربعة، ونائب رئيس دولة الإمارات أربعة وسلطنة عمان خمسمئة مليون دولار، نصفها وديعة في البنك المركزي ونصفها مساعدة.
ورغم ذلك فإن معظم الأحداث والأخبار لا تشير إليها والأهم من افتتاح المؤتمر بهذه الأموال، كان روح العروبة والوحدة ومكانة مصر وقوتها لدعم الأمة العربية، في الكلمات التي ألقاها كل من أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد والشيخ محمد بن راشد نائب رئيس الإمارات وحاكم دبي والأمير مقرن بن عبد العزيز ولي العهد السعودي، الذي تعمد مهاجمة أمريكا بطريق غير مباشر، عندما طالب بعدم ازدواجية المعايير في مجال مكافحة الإرهاب، والفهم الدقيق لما يجري من أحداث في مصر. أما كيري فأعلن عن دعم بلاده لمصر، مبشرا بقرب استئناف إرسال الأسلحة، ورغم كثرة المشروعات التي تم الإعلان عنها فقد كان أبرزها التوقيع على الاتفاق مع الإمارات على بناء العاصمة الإدارية الجديدة وعلى مشروعات أخري من شأنها إحداث تنشيط لمئات الصناعات والحرف، مثل مشروعات البنية الأساسية والكهرباء والسياحة وغيرها.
ومن أهم الأخبار أيضا كان الاتفاق على اجتماع ثلاثي في العاصمة السودانية الخرطوم في الثالث والعشرين من الشهر الحالي بين الرئيس السيسي والبشير، ورئيس وزراء إثيوبيا للتوقيع على الاتفاق النهائي بشأن سد النهضة، وهو ما يضع نهاية للصداع الذي يسببه هذا الموضوع لمصر ومخاوفها منه. وأشارت الصحف بسرعة إلى قرارات مجلس الصلاحية بإحالة واحد وأربعين قاضيا إلى التقاعد، منهم عشرة من أعضاء تنظيم «من أجل مصر» وواحد وثلاثين وقعوا على بيان اعتصام رابعة، واتهامهم بالعمل بالسياسة والانحياز إلى فصيل سياسي.
كما رفعت الصحف أسعارها من جنيه ونصف الجنيه للنسخة، إلى جنيهين. وقرار قاضي المعارضات بتجديد حبس ضابطي الأمن الوطني المتهمين بتعذيب المحامي كريم حمدي وموته، لمدة خمسة عشر يوما أخرى، ووفاة الفنان محمد وفيق، وقتل ثلاثة وعشرين من الإرهابيين في شمال سيناء بواسطة طائرات الآباتشي، ستة منهم كانوا في سيارة ترفع علم «القاعدة» والبقية كانوا في اجتماع في إحدى المزارع. وإلى بعض مما عندنا….

الصراع بين الأزهر والأوقاف

ونبدأ بالمعركة التي تشتعل ثم تهدأ لتعاود الاشتعال ثم الهدوء، بين الأزهر ووزارة الأوقاف. في البداية عندما تعرض الأزهر وشيخه الدكتور أحمد الطيب إلى حملة تتهمه بأنه يحتضن في مكتبه بعض الإخوان المسلمين، كما يحتضن صديقنا المفكر الدكتور محمد عمارة، ويبقيه رئيسا لتحرير مجلة «الأزهر» الشهرية، رغم وصفه ما حدث في الثلاثين من يونيو/حزيران بأنه انقلاب. وظهرت اتهامات بأن الذي يحرك الحملة الصحافية ضد الأزهر وشيخه هو وزير الأوقاف الدكتور الشيخ محمد مختار جمعة، الذي نفى الاتهام، وزار الشيخ وأكد أنه تلميذه وأنه صاحب الفضل عليه ويتبع تعليماته وينفذ سياسات الأزهر، ولكن عندما أعاد شيخ الأزهر تشكيل مكتبه الفني عزل رئيسه الإخواني السابق ورئيس مجمع اللغة العربية الدكتور الشيخ حسن الشافعي، كما أخرج منه وزير الأوقاف، ما عزز الشكوك بأن شيخ الأزهر اعتقد فعلا أن الوزير كان له دور في تحريك الحملة الصحافية التي أجبرته على إبعاد رئيس مجمع اللغة العربية وعضو هيئة كبار العلماء عن رئاسة مكتبه الفني.
ثم تجددت الأزمة وكان سببها هذه المرة الشيخ ياسر برهامي نائب رئيس جمعية الدعوة السلفية، عندما سمحت وزارة الأوقاف له وللدكتور يونس مخيون رئيس حزب النور السلفي بإلقاء خطبة الجمعة. وثارت التساؤلات حول أسباب موافقة الوزارة للسلفيين على إعتلاء المنابر، وذهب البعض إلى أن هذا حدث نتيجة تدخل من شيخ الأزهر اعتمادا على أن مخيون وبرهامي كانا قد زارا شيخ الأزهر من مدة، وأكدا قيادة الأزهر للعمل الإسلامي. والحقيقة أن وزير الأوقاف كان قد أعلن مرارا أنه ينفذ خطة الأزهر فيمن يلقي الخطب في المساجد، التي تشرف عليها الوزارة، بأن يكون خريج إحدى كلياته، وبشرط آخر هو أن يكون ملتزما بفكرة الوسطي وأن يمر بامتحان شفهي وتحريري تجريه له الوزارة. أما غير خريجي الأزهر الراغبون في الخطابة، فستجرى لهم الاختبارات وعليهم التقدم بطلبات. وكان برهامي ومخيون قد تقدما بطلبين وتم امتحانهما ونجحا، أي أن المسألة ليس فيها صفقة، لكن لأنه في هذه الفترة حدثت مشكلة الحملة على الأزهر وعزل الشيخ حسن الشافعي وتحميل وزير الأوقاف المشكلة فقد شكل موضوع الموافقة ليونس مخيون وياسر برهامي على الخطابة حساسية أخرى بين الأزهر والأوقاف، بعد تعرض الأوقاف إلى حملة صحافية تتهمها بعقد صفقة مع السلفيين وحزب النور وهو ما أثار سعادة مكتومة عند الأزهر.

تصاريح الخطابة حاليا مؤقتة
وورقية لمدة ثلاثة أشهر

فقد نشرت صحيفة «المصري اليوم» إضافة إلى صحف أخرى يوم الثلاثاء تصريحا للشيخ محمد عبد الرازق رئيس القطاع الديني في الوزارة قال فيه: «تم تطبيق مشروع الخطبة الموحدة لمنع الميول والأهواء الشخصية، ويمنع التحدث في السياسة مطلقا على المنابر وفي دروس المساجد. بالنسبة لموضوع حزب «النور»، نحن لم نعقد أي صفقات معه، وإنما طبقنا القانون ولم نمنح أي تصاريح للخطابة إلا للشيخ ياسر برهامي نائب رئيس الدعوة السلفية، والدكتور يونس مخيون رئيس حزب «النور»، اللذين تقدما سابقا لاختبارات الخطابة والحصول على التصريح، كونهما حاصلين على مؤهلات أزهرية، لكنهما تخلفا عن الحضور مرتين متتاليتين، وتم التغاضي عن ذلك وعقدت لجنة خاصة برئاستي وعضوية وكيل أول الوزارة لشؤون الدعوة ووكيل الوزارة لشؤون المساجد ونجحا في اجتياز الاختبار، وتم إصدار التصاريح الخاصة بهما، وتم تسليمهما تصاريح الخطابة وأصبحا خطيبين بالمكافأة معتمدين من وزارة الأوقاف، ومن حقهما الحصول على مكافأة شهرية وقدرها 200 جنيه. وأحب أن أؤكد أن تصاريح الخطابة الموجودة حاليا هي مؤقتة وورقية لمدة ثلاثة أشهر، لأن الوزارة ستقوم باستخراج بطاقات خاصة بخطباء المكافأة، يتم بموجبها اعتلاء المنابر في المسجد المرخص له، ولا يجوز الخطابة في مساجد أخرى أو محافظات أخرى، إلا بعد الحصول على موافقة كتابية من مدير إدارة الأوقاف التابع لهذا المسجد. كما ستتم متابعة خطباء المكافأة وفي حالة عدم التزامهم بضوابط الوزارة أو خروجهم عنها سيتم إلغاء التصريح فورا. الوزارة ليست في خصومة أو عداوة مع أحد، خاصة التيار السلفي مثل الشيخ محمد حسين يعقوب أو الشيخ محمد حسان أو الشيخ أبي أسحق الحويني، أو أي من رموز الدعوة السلفية، ومن لديه مؤهل أزهري يمكنه التقدم لاختبارات الخطابة والحصول على التصريح حال اجتيازه الاختبارات.
أي أنه لم يتم منح تصاريح إلا للحاصلين على شهادات من الأزهر، دبلومات أو ماجستير أو دكتوراه، إذا كانوا من غير خريجي الأزهر وأكملوا دراساتهم في الأزهر وهو ما حدث في حالتي مخيون وبرهامي».
الفصل لمن يستخدم المنبر
في التحريض على العنف

وزيادة في الرد على الحملات التي اتهمت الوزارة بعقد صفقة مع السلفيين صرح الشيخ إسماعيل رفعت من القطاع الديني ومجلس الوكلاء في الوزارة للصحف يوم الثلاثاء ومنها صحيفة «اليوم السابع» قائلا: «إن إجراءات حاسمة ستتخذ في الأيام المقبلة قد تصل إلى الفصل، وذلك لمن يثبت في حقه استخدام المنبر في التكفير أو التحريض على العنف، مع استبعاد من يثبت في حقه العمل على الإضرار بالمصلحة الوطنية من الخطابة والدروس الدينية في المساجد، خاصة العناصر التي تنتمي إلى الجماعات الإرهابية….. إن الأوقاف كانت في المرحلة الماضية تكتفي بمنع المنتسبين لهذه الجماعات من أي عمل قيادي في الوزارة، وتراقب عملهم الوظيفي وتتخذ الإجراءات تجاه المخالفين منهم».

إقرار براءة من تهمة الإرهاب

ويوم الجمعة نشرت «الوطن» نص الإقرار الذي وقع عليه العاملون في الوزارة وهو:
«أقر بأنني لا أنتمي إلى أي جماعة إرهابية ولا علاقة لي بجماعة الإخوان، وأرفض كل محاولات العنف والإرهاب والتخريب والتفجير على يد هذه الجماعات أو غيرها. وإنني أبرأ إلى الله عز وجل من هذه التفجيرات والعمليات الإرهابية، وهذا إقرار مني بذلك».

أزهريون يطالبون
بإلغاء منصب وزير الأوقات

لكن المعركة أو الحساسية بين الأوقاف والأزهر انعكست في تحقيق نشرته مجلة «آخر ساعة» يوم الأربعاء أعده زميلنا حسن حافظ جاء فيه: «نستمع إلى الأصوات الأزهرية مطالبة بضرورة إلغاء منصب وزير الأوقاف، وإخضاع الأوقاف لإشراف شيخ الأزهر المباشر. فقد طالب الدكتور أحمد كريمة أستاذ الشريعة الإسلامية في جامعة الأزهر بتبني اقتراح ضم وزارة الأوقاف ونقل اختصاصاتها إلى مشيخة الأزهر، لأن الأخيرة لها حق الإشراف على الدعوة، كما أن ضم الأوقاف يعني تمويل الأزهر ذاتيا، من خلال الإشراف المباشر على أوقاف الأزهر، التي تدر مئات الملايين سنويا ولا يوجد لها حصر كامل وشامل حتى يومنا هذا. من جهته أكد أستاذ الفقه المقارن في جامعة الأزهر الدكتور سعد الدين هلالي لـ«آخر ساعة» أن تضارب الاختصاصات بين الأزهر والأوقاف هو سبب الاختلاف الأخير، مطالبا بضرورة العمل على تجنب هذا الأمر مسبقا، ومعلنا انحيازه لموقف الأزهر الشريف الرافض لإعطاء تصاريح الأوقاف خطابة لمشايخ السلفية، على اعتبار أن أفكار السلفية هي التي تخرج من عباءتها الأفكار الأكثر تطرفا لتنظيمات «القاعدة» و«داعش». مطالبا بالعودة إلى القرار السابق الصادر عقب ثورة 30 يونيو/حزيران بمنع غير خريجي الأزهر من اعتلاء المنابر».

الأزهر الشريف
لا يتدخل في عمل وزارة الأوقاف

لكن ما حدث أن «التحرير» نشرت حديثا مع الشيخ ياسر برهامي أجراه معه زميلنا باهر القاضي قال فيه، إن الأزهر كان له دور في التصريح له بالخطابة. وقامت الدنيا فأنكر برهامي وردت «التحرير» عليه بأن التسجيل الصوتي له موجود، وأحس الأزهر بالإحراج لأنه كان يلقي بالمسؤولية على وزير الأوقاف، ولذلك أصدر بيانا جاء فيه نقلا عن زميلنا في جريدة «عقيدتي» حسام وهب الله: «في إطار حرصه على الشفافية والمصداقية، وهي الأمور التي تغيب للأسف عن بعض الصحف ووسائل الإعلام، فالأزهر الشريف يؤكد للجميع بشكل حاسم لا ريب فيه بأنه ليس طرفا، بأي شكل من الأشكال، في إصدار وزارة الأوقاف لتصاريح خطابة لعدد من قيادات الدعوة السلفية.
ويؤكد الأزهر الشريف ما سبق أن بينه من قبل، أن أبوابه مفتوحة للجميع وللاستماع لآرائهم والتحاور معهم بما يخدم صالح الوطن. ولكن الأزهر الشريف لا يتدخل أبدا في عمل وزارة الأوقاف، ولا يوجه الوزارة لإعطاء تراخيص الخطابة لجهة دون سواها، حيث تمارس وزارة الأوقاف دورها في ذلك، من دون تدخل. ولم يؤخذ رأي الأزهر في إعطاء وزارة الأوقاف تصاريح الخطابة لعدد من قيادات الدعوة السلفية أصلا. كما يؤكد الأزهر الشريف الإشارة إلى أنه إذا أراد منح تراخيص خطابة لأي شخص أو جهة، فهو ليس في حاجة للتدخل بالوساطة لدى وزارة الأوقاف، حيث بإمكانه منح الترخيص بالخطابة مباشرة بصفته المنوط بالدعوة الإسلامية، بنص الدستور، لا توجد قيادات إخوانية في الأزهر الشريف، وقد واجه أعنف الحملات من الإخوان في وقت كانوا يتحكمون فيه في مصر، ووصلت حملاتهم ضد الأزهر الشريف إلى حد احتلال مشيخة الأزهر الشريف.

متى نروج لمصر الجديدة..
من دون تأليه للفرد

وإلى المعارك والردود وقيام صاحبنا نيوتن يوم الاثنين الماضي في عموده اليومي في «المصري اليوم» (وجدتها) بإعطاء تفسير لاستمرار شعبية خالد الذكر واهتدى أخيرا إلى أنها استخدامه للإعلام والأغاني وقال: «هكذا فعل عبد الناصر نادى بالقومية العربية، غنى عبد الوهاب ومعه كل النجوم أوبريت «وطني حبيبي الوطن الأكبر» أعقبه «صوت الجماهير». روج للاشتراكية فورا كانت غنوه «على باب بستان الاشتراكية» عبد الحليم حافظ «يا عديم الاشتراكية .. يا خاين المسؤولية». عند بناء السد العالي «حكاية شعب» و«واقفين بنهندس على المية خبرا وعمال ومعانا جمال». أم كلثوم تشدو «يا جمال يا مثال الوطنية» و«أجمل أعيادنا القومية برياستك للجمهورية» «ردوا عليّ» وما زلنا نرد عليها حتى يومنا.
هكذا دخل عبد الناصر في أنسجة الشعب المصري والعربي، احتل وجدان المواطنين حتى عند الهزيمة في 1967، تمسكنا به جميعا. موته كان مصاب العرب جميعا سحر هو؟ أم علم؟ طبعا علم.. علم الترويج لأي شيء سلعة.. فكرة.. مذهبا، حتى الإخوان استعملوه، جاءونا بالشعار الشافي من كل شيء «الإسلام هو الحل». السؤال: متى نروج لمصر الجديدة؟ من دون تأليه للفرد هذه المرة بالفن بالإعلام لمصر التي نريد».
المهم أنه في يوم السبت زميلنا في «المصري اليوم» هيثم دبور رد على نيوتن بطريقة غير مباشرة بقوله: «بعد عامين من الآن، كان يتوجب أن تُتم الدولة مشروعها العملاق- أو الذي عملقته وقتها- وهو مشروع توشكي، منذ أن قرر مبارك عام 1997 أن يخلق لنفسه ولوجوده مشروعا حقيقيا أكبر من الكباري والمدن التي يطلق عليها اسمه، ففكر في إطلاق مشروع توشكي ليكون بمثابة فرع موازٍ للنيل، يخلق ملايين الأفدنة وما إلى آخر تلك الأهداف التي تتذكرها جيدا بحكم ما سمعته وحفظته من الإعلام، خلال تلك الفترة، ثم لم يبق في مخيلتك من المشروع سوى تلك الصورة الخالدة لمبارك وسط بعض المحاصيل الخضراء وحقول القمح وهو يداعب سنابلها بيده، لأن المشروع والقائمين عليه وقتها لم يهتموا بتحويله إلى مشروع شعبي يسكن وجدان الشعب ومخيلتهم وأشعارهم وأغنياتهم أيضا، اكتفوا بالصورة المبهرة ووجود الرئيس فقط.
الوضع في أواخر التسعينيات لم يكن مختلفا عن الوضع في الستينيات، التلفزيون الرسمي للدولة هو الغالب، ولا وجود لفضائيات تقريبا أو صحف مستقلة، موجة من التماهي مع الدولة، إلا أن دولة «ناصر» نجحت في خلق هذا التوحد الشعبي حول مشروعه الأبرز، السد العالي، بأغنيات قد تضحكك- الآن- فرط مباشرتها، والتي يجلس فيها عبدالحليم على رأس بستان الاشتراكية «يهندز» على المية، ويتندر على «اللي مش اشتراكي»، ثم يخرج حراجي القط من ثنايا الخال كبطل شعبي يناطح ملاحم وسير أبوزيد الهلالي والزير سالم، وتدور قصة حب تتنهد فيها ماجدة مثلما تفعل دائما مع حبيبها الوسيم إيهاب نافع، وتخرج الرحلات المدرسية لتعلم الأجيال الجديدة قيمة المشروع والمعاناة التي واجهها النظام لإكماله، وهو ما خلق شعورا عاما لدى الشعب بالتملك والرغبة في النجاح، ودفعه وقتها للتبرع والمشاركة والتفاخر بما حققوه. على عكس نظام مبارك في التسعينيات، الذي لم يختلف إطلاقا في عقليته الرقمية المميزة المهتمة بصورة الرئيس والمشروع ومخاطبة الشعب خطابا فوقيا، فلم يستغل لحظة التماهي مع الدولة، ودأب على الترويج للمشروع بصورة الرئيس، وبالعديد من الأرقام وملايين الأفدنة التي ينظر لها المواطن البسيط متسائلا عن معناها أو عن حصته فيها، حتى إن طلبة 97 وما بعدها لم يقوموا برحلات مدرسية إلى مشروع الدولة التي تتحاكى مقرراتهم عنه، يتعثر المشروع، يختلف النظام مع عدد من رجال الأعمال الذين لم يستصلحوا الأرض، ولا يشعر المواطن بأي شعور تملك حقيقي للمشروع أو قلق لخسارته، وبالتالي لا يدعمونه مثلما فعلوا بعد ذلك في مشروع مبارك النووي الموقوف أو بيانات عز عن النمو في مصر. ما الذي يفرق ستينيات ناصر وتسعينيات مبارك عن فترة السيسي؟ لا شيء، تماهٍ تام مع الدولة، شعبا وإعلاما، وحكومة ترغب في تأكيد دورها بمشروعات ثقيلة: الفرع الجديد لقناة السويس، والمؤتمر الاقتصادي الذي تحشد له الدولة، وغيرهما.. إلا أن وسط هذا الزخم يجب على السيسي أن يسأل نفسه: ما الذي سيبقى أثره طويلا في نفوس الشعب لدعم تلك المشروعات: أن يتغنى الشعب بصدق للمؤتمر، وتفرز القناة ملحمة حراجى قط جديد.. أم الأرقام المتوقعة للاستثمار أو عدد المترات المكعبة التي تم تكريرها؟».

أحزاب وتحالفات تتاجر باسم مصر

ومن المعارك إلى انتخابات مجلس النواب التي تضاءل الاهتمام بها بسبب حكم المحكمة الدستورية ببطلان المادة التي تحرم على مزدوجي الجنسية الترشح في الدوائر الفردية، بينما تعطي للمصريين في الخارج نسبة في القوائم، وكذلك بسبب عدم عدالة تقسيم الدوائر، كما أن المؤتمر الاقتصادي في شرم الشيخ جاء ليخطف كل الاهتمامات. مع ذلك وجدنا من اهتم بالانتخابات مثل زميلنا وصديقنا في مجلة «روز اليوسف» الكاتب الساخر عاصم حنفي ليقول يوم الأربعاء في مقاله الأسبوعي في «المصري اليوم»: «يا دين النبي على هذا الارتباك في المشهد السياسي ودولة عظمى بحجم مصر لا تستطيع صياغة قانون متزن لانتخاب نوابها. وأقطع ذراعي والحال كذلك أن التيار الديني سوف يكتسح انتخابات البرلمان، التيار الديني موحد رغم الخلافات الداخلية. والنور ابن عم الإخوان، وسوف يخوض الانتخابات تحت شعار «انصر خالك ظالما أو مظلوما» سوف يساند أفراده بعضهم بعضا والفضل للتمويل والفلوس وارد بلاد بره والعسل الذي تنام فيه أحزابنا المدنية.
الفوز المتوقع للتيار الديني المتوحد لا يعني أنهم متفوقون في الشارع بقدر ما يعني أنه هزيمة للنخبة المدنية التي هجرت الشارع السياسي، واستقرت في الفضائيات، تزعم أنها تتكلم باسم الناخب. نخبة متشرذمة تحارب بعضها بعضا. بعض النخبة استفادت من المناخ السياسي المرتبك، استفادت خصوصا في جمع ثروات طائلة، وعندي عشرات الحكايات والأمثلة وحتى السكرتارية والموظفون بتوع العلاقات العامة في الأحزاب والتحالفات، فتح الله عليهم من وسع، فاقتنوا السيارات والشقق في الزمالك وافتتحوا الكافيهات آخر موضة، لزوم الكلام في النضال الذي يدر عليهم الملايين، ودلني على تيار واحد يحظي بالأغلبية والاحترام بين الأحزاب والتحالفات التي تتاجر باسم مصر».

الناس تعيش في حالة من اليأس والإحباط

أما زميلنا وصديقنا في «الوفد» وأحد مديري تحريرها مجدي حلمي فقد نظر يوم الخميس إلى ناحية أخرى هي: «الفساد يعمل بكل جد ضد الرئيس عبد الفتاح السيسي واستعانة الحكومة بالفاسدين في المواقع المختلفة بداية من الوحدات القروية، جعل الناس تعيش في حالة من اليأس والإحباط، وعاد الجميع يمد يده في جيب الآخر، وكما يقول المثل «أحمد طلع زي الحاج أحمد»، فعندما تفتح تلفزيون الدولة تجد الفاسدين نجوما في جميع برامجه. وعندما تستمع للراديو تجدهم يتحدثون عن أمجادهم. وفي الفضائيات تتحكم فيها شلل الفساد. فلا تسأل لماذا عاد الإحباط واليأس إلى الناس. وما زاد هذه الحالة الانتخابات البرلمانية، أموال طائلة يصرفها مرشحون وأحزاب ولم يكلف أي جهاز رقابي نفسه سؤال هذه الأحزاب أو الائتلافات من أين أتت بهذه الأموال؟ وعندما تسأل رئيس جهاز المحاسبات وهو المسؤول عن مراجعة الأعمال المالية للأحزاب سيقول لك، قدم بلاغا».

مرشحون للانتخابات
كانوا متهمين في موقعة الجمل

أما آخر زبون في موضوع الانتخابات في تقرير اليوم فسيكون زميلنا في «الجمهورية» محمد مرسي وتحقيقه الذي جاء فيه: «اشتعلت الدوائر التي ترشح فيها نواب الحزب الوطني المنحل، الذين زاد عددهم على ثلاثمئة وخمسين نائبا، وتعرض الكثير منهم لحملات شرسة على الفيسبوك، تصدرهم المرشحون الذين كانوا متهمين في موقعة الجمل، رغم أن المحكمة برأتهم، وأبرزهم حسين مجاور رئيس اتحاد عمال مصر ونائب المعادي، ورجب هلال حميدة نائب عابدين لعدة دورات، الذي وصفته منافسته المطربة سما المصري «بالحبسجي». وكذلك يوسف خطاب نائب الشورى عن جنوب الجيزة. وواصل شباب المنوفية، خاصة أبناء مدينة السادات، حملاتهم على أحمد عز أمين التنظيم السابق في الحزب الوطني، رغم استبعاده خارج السباق، إلا أن إصراره على الترشح بالطعن على القرار دفع الشباب لتكثيف الهجوم عليه. وتواجه زوجته شاهيناز النجار النائبة السابقة للمنيل أزمة تكاد تعصف بها مبكرا، بعد التصريحات التي أطلقتها الراقصة الأرمينية صافينار، في أحد برامج «التوك شو» واتهمت فيها الفندق الذي تمتلكه في الجيزة بممارسة الرذيلة، وبعدها بدقائق انطلقت عشر جروبات لصفحات أبناء المنيل ومصر القديمة تشن هجمات سخرية على المرشحة لتمثيل الدائرة أبرزها جروب «بكرة أحلى في المنيل» و»المنيل الجميل»، ورغم مقاضاة إدارة الفندق للراقصة على هذه التصريحات، إلا أن انعكاساتها ما زالت تلقي ظلالها على حملة شاهيناز، رغم سلسلة الأعمال الخيرية التي تقدمها منذ شهور، إلا أنها لم تشفع لها أمام تصريحات صافينار».

تخفيض ضرائب الدخل
يصب في صالح القادرين

وعن حظوظ الفقراء في المؤتمر الاقتصادي المنعقد في شرم الشيخ يكتب فهمي هويدي في «الشروق» عدد أمس الأحد قائلا: «لست أشك في أن المستثمرين سيخرجون سعداء من مؤتمر شرم الشيخ. وهو أمر يسرنا لا ريب. لكن سعادتنا ستكون أكثر لو أن المصريين سعدوا بالدرجة نفسها. صحيح أن الإعلام لم يقصر في ذلك، حتى إن بعض منابره اعتبرت أن الفجر لاح والمستقبل بدأ، ونقلت على لسان أحد «الخبراء» قوله إنه يحمد الله أنه عاش حتى شهد ذلك اليوم المجيد الذي بزغ فيه الأمل وتحقق المراد حتى إنه ما عاد يروم لبلده شيئا من رب العباد، إلا أن ما اعتبره الإعلام واجبا أدَّاه يعد سلاحا بحدين في حقيقة الأمر. فهو حين يلهب الوجدان ويدغدغ المشاعر ويتنافس في التهليل والمزايدة على النحو الذي رأيناه، فإنه يتخلى عن الحذر ويرفع سقف التوقعات بأعلى مما ينبغي، وتلك مغامرة خطرة لها عواقبها الوخيمة إذا جاءت الحقائق دون التوقعات التي جرى الترويج لها.
إن التشاؤم تسرع غير محمود وغير مسؤول. لكن الحذر والتوازن والوعي بالتحديات تجنبنا الانزلاق في المغامرة. في هذا الصدد أزعم أننا نواجه معضلة أساسية تستدعي تحديات ينبغي أن تؤخذ على محمل الجد. هذه المعضلة تتمثل في أن إسعاد المستثمرين كثيرا ما يكون على حساب الطبقات الفقيرة قبل المتوسطة. في حين أن إرضاء تلك الطبقات يكون في الأغلب متعارضا مع مصالح المستثمرين. وتكون المشكلة الكبرى في هذه الحالة هي إلى أي الطرفين تنحاز السلطة. ذلك أن انحيازها للمستثمرين له تكلفته العالية وأضراره الجسيمة. أما انحيازه إلى الفقراء ومتوسطي الحال فيحتاج إلى رؤية اجتماعية واضحة ودرجة من استقلال القرار الاقتصادي. وهذه مسألة تحتاج إلى بعض الشرح الذي أستعين فيه بشهادة خبير اقتصادي محترم هو الأستاذ عمر الشنيطي الذي نشرت له جريدة «الشروق» في 7 مارس/آذار الحالي مقالة تطرق فيها إلى الموضوع، ومما ذكره ما يلي: لتشجيع المستثمرين فعلى صانع القرار أن ينضبط ماليا بالعمل على خفض عجز الموازنة والسيطرة على الدين الحكومي لتحسين التصنيف الائتماني. كما أن عليه تحرير سعر الصرف. وهذه الإجراءات ستشجع المستثمرين بالتأكيد، لكنها تحمل الكثير من الأخبار السيئة للفقراء. ذلك أنهم في هذه الحالة سيواجهون زيادة في البطالة وارتفاعا في الأسعار على المدى القصير. والأمل معقود على أن يؤدي ذلك التوجه إلى إيجاد فرص عمل تحسن الوضع على المدى المتوسط والبعيد. أما لو ركز صانع القرار على الفقراء فإن ذلك سيتطلب زيادة في الإنفاق الحكومي لإيجاد فرص عمل وزيادة الميزات الاجتماعية، من خلال توفير أشكال الدعم المختلفة لانتشال البعض من دائرة الفقر. لكن ذلك سيأتي على حساب زيادة عجز الموازنة وبالتالي التوسع في الدين الحكومي. وهو ما يمثل أخبارا سيئة للمستثمرين «انتهى الاقتباس».
لا ينكر أحد أن الطبقات الفقيرة والمتوسطة عانت الكثير خلال السنوات الأربع الماضية، خصوصا في ظل ارتفاع نسبة البطالة وتعثر القطاع الصناعي وارتفاع الأسعار، مع رفع الدعم عن الوقود وتدهور قيمة الجنيه. وترتب على ذلك أن الفقراء ازدادوا تعاسة، أما الطبقة المتوسطة فقد ازدادت عسرا والتحقت بشريحة الفقراء. والجهد الاستثماري المفترض إذا استمر على وتيرته العادية فإنه سوف يؤتي أُكُلَه بعد ثلاث سنوات على الأقل. وربما لاحظت أن الشهادة التي أوردتها توا تحدثت عن أن إيجاد فرص العمل المنشودة يمكن أن يؤدى إلى تحسن الوضع على المدى المتوسط والبعيد، أى أنه سيبدأ بعد ثلاث سنوات…
لست أشك في أن الرغبة في الإنجاز والحرص على قطف الثمار كانت وراء ترجيح كفة جذب الاستثمارات على فكرة تجديد البنية التحتية وتحسين الخدمات العامة. وهو ما يعطي انطباعا بأن ثمة انحيازا أكبر لصالح المستثمرين. في الوقت ذاته فإنني لست متأكدا من نجاح محاولة حفظ التوازن بين مصالح المستثمرين ومصالح الفقراء. ذلك أن أهل الاقتصاد يعرفون جيدا أن مواجهة العجز في الميزانية تعالج من خلال تحصيل الضرائب وزيادة الإنتاج. كما أن العجز في ميزان المدفوعات يعالج بالحد من استيراد السلع الكمالية وتشجيع السياحة. ولا يبدو في الأفق أن هناك إجراءات حاسمة على هذين الصعيدين. من ناحية لأن ضرائب الدخل خفضت فجأة من 30 إلى ٪22.5، الأمر الذي يصب في صالح القادرين، رغم أن ذلك التخفيض لم يكن ضروريا. وهو ما يعني أن نسبة الـ٪7.5 التي جرى تخفيضها تحملتها فئات أخرى أقل قدرة. ثم أن قضايا الإنتاج والسياحة مرتبطة باستقرار الأمن وتحقيق السلم الأهلي، وهو الموضوع الذي لم يتطرق إليه أحد، أغلب الظن لأنه يستدعي ملفات سياسية حرجة ودقيقة.
إننا نريد لمؤتمر شرم الشـــــيخ أن ينجـــح، لكننا نريد أيضا لفقراء مصر «ومساتيرها» أن يفوزوا منه بشيء قبل أن ينفد صبرهم وتتبدد طاقتهم على الصبر والاحتمال».

حسنين كروم

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية