تذكرت الوحدة «8200» في جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية المعروفة بمختصرها «أمان» ودورها في التجسس والتشويش ونشر البيانات الكاذبة.
تذكرت هذا الشيطان الأكبر وأنا أقرأ تقريرا بعث به زميلنا ومراسلنا في مدينة الناصرة وديع عواودة، حول إعلان مجهول المصدر، استبق الفعالية الأساسية لإحياء الذكرى الستين لما يصفها فلسطينيو48 بـ»الملحمة» وهي المجزرة البشعة التي ارتكبتها عصابات جيش الاحتلال في بلدة كفر قاسم داخل الخط الأخضر في اليوم الأول للعدوان الثلاثي على مصر في 29 اكتوبر 1956 ردا على قرار الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، تأميم قناة السويس.
شعرت، وهناك طبعا احتمال الصح والخطأ، بأن ثمة أيادي خفية تقف وراء هذا الإعلان، بغرض إفساد وتخريب المناسبة. وثمة ما يدفع في اتجاه تأكيد هذا الإحساس، وهو كما اسلفنا أن الإعلان صدر عن مجموعة مجهولة الهوية، قبيل المسيرة الشعبية لإحياء ذكرى استشهاد 49 فلسطينيا برصاص جنود «الدولة الفتية وباكورة الديمقراطية في الشرق الأوسط»، وهذا يعزز القول إن غرض هذا الملصق المغلف بغلاف ديني هو إفساد هذه المناسبة التي تعتبر نقطة سوداء من بين العديد من النقاط السوداء في تاريخ هذا الكيان. وهذه المناسبة كانت على مر السنين مناسبة وطنية جامعة لا مفرقة، وليست حكرا على طرف أو تنظيم أو مجموعة، كما ليس من حق أحد أن يفرض على الاخرين رؤاهم وقناعاتهم.
الاعلان الذي يحمل توقيع «لجنة المنظمات» وهي لجنة مجهولة الهوية، يدعو النساء اللاتي يرغبن في المشاركة في إحياء الذكرى لاختيار اللباس من أجل «الحفاظ على قدسية» المناسبة وهيبتها. ولو كان من يقف وراء هذا الإعلان طرفا او تجمعا حقيقيا معروفا حريصا، لما حجب اسمه، إذ ليس هناك ما يدعو للخجل في هذه الدعوة. وهذا يبقي الاحتمال قائما جدا وهو أن الغرض هو إثارة فتنة تلحق ضررا بالنضال الفلسطيني نحن بغنى عنه، سواء في الداخل الفلسطيني أو في الأراضي المحتلة عام 1967، وما لدينا من انقسامات وشرذمات «بيكفي ويفي».
ويبدو أنه كما كان مخططا له فقد حظي المنشور أو الملصق بردود فعل شديدة وأثار خلافا بين من لا يرى غضاضة في هذا الاعلان ومن حق أي جهة التعبير عن موقفها، وبين من يعارضه ويصفه بملصق مرفوض ويرى فيه تهديدا باستخدام كلمة «إحذري».
وأيا كان الطرف المسؤول وسواء كان بحسن نية وعن تدين حقيقي، والارجح انها ليست كذلك، أم لغرض إفساد المناسبة وحيدها عن هدفها.. فإن الفشل كان حليفه هذه المرة، لحكمة وتعقل الاطراف المعنية التي نجحت في إضاعة الفرصة عليهم.
وهذا يقودنا الى موضوع المقال الذي بدأت به وهو تسليط الأضواء على الدور الذي تلعبه الوحدة الاسرائيلية الاستخباراتية «8200» من تنصت وتخريب وإثارة الاكاذيب والخلافات والتفرقة والإشاعات المخربة، ليس ضد الفلسطينيين في جميع الاراضي المحتلة وحسب، بل على صعيد العالم العربي، خاصة على صفحات المواقع الاجتماعية التي اصبحت متاحة للجميع. وللتذكير أنه ليس كل ما يكتب على المواقع الاجتماعية وما يصدر من بيانات أو اعلانات غير معروفة المصدر صحيح ويجب ان يكون التعامل معها بريبة وشك.
فما هي هذه الوحدة وما هو الهدف من إنشائها وما هي المهام المناطة بها.. الوحدة «8200» ويشار إليها أيضا بوحدة «SIGINT» هي مركب أساسي من مركبات جهاز «أمان»، والوحدة المركزية المسؤولة عن قيادة الحرب الإلكترونية. وأنشئت قبل ثلاثة عقود كقسم متخصص في مجال التجسس الإلكتروني ويقودها ضابط برتبة عميد. وتوجد لهذه الوحدة في صحراء النقب أهم وأكبر قاعدة تجسس إلكترونية للتنصت على البث الإذاعي والمكالمات الهاتفية والفاكس والبريد الإلكتروني ومواقع التواصل الاجتماعي في قارات آسيا وأفريقيا وأوروبا.
وتعتمد الوحدة على ثلاثة أوجه من العمل الاستخباري وهي: الرصد والتنصت، والتصوير والتشويش. وسخر مجمع الصناعات العسكرية الاسرائيلية لخدمة هذه الوحدة، اذ يعمل على تطوير أجهزةٍ إلكترونية بناءً على طلباتها الخاصة. وهذه الوحدة قادرة على رصد الرسائل ذات القيمة الاستخباراتية، من خلال معالجة ملايين الاتصالات ومليارات الكلمات.
وعمل هذه الوحدة يتجاوز عمليات التجسس والتنصت الأمنية، بل يدخل بيوت الفلسطينيين للتجسس عليهم ما دفع حوالي 43 ضابطا وجنديا لرفض الخدمة العسكرية لاسباب أخلاقية ولعدم قانونية التجسس لأهداف غير مرتبطة بالدفاع عن النفس. وكشف بعض هؤلاء الجنود عن طرق المخابرات في تجنيد العملاء من الفلسطينيين من خلال استغلال نقاط ضعفهم سواءً الإنسانية أو الجنسية أو المالية بعد متابعة مكالماتهم الهاتفية وأجهزة كمبيوتراتهم.
لا تفوت «8200» فرصة أو وسيلة لاثارة الخلافات والنعرات في اوساط الشباب العربي ايضا، عبر التوغّل في اوساطهم تحت أسماء وهمية. وتعمل على استهداف الناشطين والمثقفين وتأجيج فتن مذهبية دينية، عبر انتحال أسماء عربية وهمية، وفتح صفحات في مواضيع وقضايا مختلفة، في سبيل خلق روابط افتراضية مع العرب، وتجريعهم الأفكار التطبيعية على دفعات، أو استغلال هفواتهم لأهداف استخباراتية إسرائيلية. وكشف تحقيق أعده معلق عسكري إسرائيلي عن تحول طرأ على عمل الوحدة منذ بداية ما يسمى «الربيع العربي» فباتت تهتم بمتابعة مواقع التواصل الاجتماعي التي يرتادها الشباب العربي، لاسيما فيسبوك وتويتر، لبناء تصور بشأن التحولات التي يمكن أن تطرأ في العالم العربي.
وفي السياق لا يزال الكثير من الفلسطينيين صغارا وكبارا واناسا عاديين ومسؤولين يفتقرون للحس الأمني، ولا يتوخون الحذر في مكالماتهم الهاتفية، لهذا فإن أعدادا كبيرة من الناشطين والمقاومين والقيادات كانت مكشوفة لأجهزة المخابرات الاسرائيلية، بسبب التواصل عبر شبكات الهواتف الخلوية وحتى الارضية.. فالتجسس والتنصت على أجهزة الاتصال السلكية واللاسلكية بما فيها الهواتف الأرضية والنقالة، من صلب المهام الأساسية للوحدة 8200.
أضف الى ذلك حقيقة أن إسرائيل هي التي أقامت شبكة الاتصالات في الضفة وغزة، فانها بالتالي لا تحتاج إلى عمليات التقاط للمكالمات، بل إن المقاسم الرئيسية لشبكة الاتصالات الفلسطينية مرتبطة بشكل تلقائي بشبكة الاتصالات الإسرائيلية «بيزيك».
أما شبكة الهاتف «الجوال» الفلسطيني الوحيدة العاملة في الاراضي الفلسطينية، فتعتمد على إسرائيل في الكثير من خدماتها، فضلاً عن توقيعها على اتفاق مع شبكة «أورانج» الاسرائيلية وهذا بالطبع يسهل عمل الوحدة 8200. أما بالنسبة لأجهزة الاتصالات اللاسلكية الأخرى المستخدمة في الاراضي الفلسطينية، لاسيما أجهزة «ميريتس» فهي أجهزة اسرائيلية خالصة.
ونتيجة لهذا الجهل في استخدام الاجهزة الالكترونية والهواتف ومواقع التواصل الاجتماعي ومخاطرها، واحيانا الاهمال، فقد الفلسطينيون العديد من خيرة قادتهم ومناضليهم بين اغتيال واعتقال.. والامثلة عديدة وفي مقدمة هؤلاء الشهداء المهندس يحيى عياش قائد كتائب القسام الذي فجر فيه هاتف نقال اثناء محادثة، ورائد الكرمي من قادة كتائب شهداء الاقصى وغيرهم الكثير.
أما بالنسبة للناس العاديين فإن الوحدة «8200» لا تتركهم وشأنهم بل تتجسس عليهم داخل منازلهم لمعرفة نقاط ضعفهم واسرارهم واحوالهم الاجتماعية واستخدامها في تجنيدهم عند الضرورة.. فالعميل على الارض يبقى أساسيا في عمليات التجسس مهما بلغ التطور الالكتروني. فاحذروا الوحدة «8200» وشقيقاتها.
كاتب فلسطيني من اسرة « القدس العربي»
علي الصالح