أقدم مسلمون، مراراً أيضاً، على ارتكاب مجازر جماعية، وأعمال قتل عمد، بالدم البارد، تندرج دون تردد في تصنيف الإرهاب ضدّ الأبرياء؛ سواء اتفق المرء أو اختلف، في كثير أو قليل، مع تعبير «الإرهاب الإسلامي». ومجزرة أورلاندو الأخيرة نفذها إرهابي مسلم، أفغاني الأصل، قيل إنه تعاطف مع «القاعدة»، ثمّ «حزب الله»، ثمّ «داعش»؛ ولا يجوز، تالياً، استبعاد هذه المعطيات عن شبكة الدوافع التي كمنت في قرارة نفسه عند تنفيذ المجزرة. ولكن، في المقابل، لا يصحّ أيضاً غضّ الطرف عن دوافع أخرى ليست أقلّ أهمية، بل لعل بعضها يحمل مغزى أوضح، وأبعد غوراً في تكييف نفسية القاتل.
بين هذه، على سبيل المثال الأول، أنّ ما تردد عن ميول عمر متين المثلية كانت قد تكفّلت بدفعه نحو تخبّط شعوري طاحن: بين جسده، الذي يحثه على إشباع رغبات أخذ المجتمع يسبغ عليها شرعية متزايدة؛ ودينه، الإسلامي، الذي يحرّم هذه الصيغة من العلاقة الجنسية. وذاك تخبّط، يتفق المشتغلون بالتحليل النفسي، يمكن أن يقود إلى ردود أفعال متباينة، معظمها غير منتظَر، غير متناسق، غير قابل للتحكّم؛ بعضها ينبثق من الداخل، وفيه يبقى، يتفاعل أو يخمد؛ وبعضها لا يكتفي بالداخل، فيخرج إلى العلن، ويمكن أن يتصف بأبعاد تعبير ليست ذكورية نقيضة فقط، بل عنيفة معادية لشخص الذكر أيضاً. فإذا صحّ أنّ متين كان عضواً في النادي المثلي، ذاته الذي اختاره لتنفيذ المجزرة، فإنّ سلسلة الانشطارات النفسية السابقة سوف تبدو متطابقة مع الفعل العنيف الأقصى الذي لجأ إليه.
وهناك، على سبيل المثال الثاني، حقيقة اشتغال متين، بصفة مأجورة، في المؤسسة الأمنية الخاصة المعروفة باسم G4S، والتي تجعل من بريطانيا مقرّاً لها، وتوفّر خدمات أمنية متنوعة لعدد من الدول، بينها الولايات المتحدة وإسرائيل. وهذه تعدّ قرابة 600 منتسب، يتضمن عقدها الأمريكي، مثلاً، اعتقال المهاجرين غير الشرعيين، والإشراف على ترحيلهم إلى بلدانهم الأصلية؛ وأمّا عقدها الإسرائيلي، فينطوي على إجراء التحقيقات مع الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، وكذلك إدارة بعض الحواجز العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة. ولقد عمل متين في هذه المؤسسة، وتدرّب فيها على السلاح العسكري الثقيل، ونقل زملاؤه في العمل أنه اعتاد إطلاق تصريحات ذكورية متطرفة وعنصرية الطابع، على صلة بانتمائه الجنسي، وليس العرقي أو الديني.
وهنالك، على سبيل المثال الثالث، ثقافة العنف المتأصلة في المجتمع الأمريكي؛ متضافرة، وبوشائج لا يمكن إلا أن تكون وثيقة، مع ثقافة عبادة البندقية وحمل السلاح، بما في ذلك الطراز العسكري الثقيل، والتي يبيحها القانون (ومع ذلك، فإنّ 12٪ فقط، من السلاح الذي يحمله الأمريكيون، مرخّص قانونياً!). ويكفي التذكير بأنّ عدد السلاح الفردي، حسب أحدث إحصائية تضمنها تقرير رسمي أعدته لجنة خاصة في الكونغرس، بلغ 310 قطعة؛ أي: أكثر من عدد سكان الولايات المتحدة! وإذا كانت أصول قاتل أورلاندو ليست أمريكية» صافية، كما قد يساجل البعض هنا وهناك (وليس في صفوف مناصري دونالد ترامب وحدهم!)؛ فماذا عن أصول مرتكبي آخر 25 مجزرة جماعية، من مجمّع واكو، إلى كنيسة شارلستون، ليس دون المرور بمدرسة كولومباين؟ وأيّ فارق، جوهري يخصّ ثقافة العنف والقتل العمد، حين يكون الاسم عمر متين، وليس آدم لانزا، جيمس هولمز، إريك هاريسون، أو ديلان كليبولد…؟
تنسى أمريكا، أو يحرص البعض على جعلها تتناسى، أنّ 12/6/2016، تاريخ مجزرة أورلاندو؛ سبقه 19/4/1995، تاريخ استهداف المبنى الفدرالي في أوكلاهوما، تكساس: حين نجح الأمريكي تيموثي ماكفي في تفجير شاحنة مفخخة أمام المبنى، فسقط جرّاء العملية 168 من الأطفال والنساء والرجال، فضلاً عن جرح قرابة 680 شخصاً، وإلحاق الأضرار بـ324 مبنى مجاوراً، و652 مليون دولار من الخسائر في الأملاك العامة والخاصة. يومذاك، دارت طواحين أمريكا الرسمية، قبل تلك الإعلامية، لتوجّه أصابع الاتهام إلى «الإرهاب الإسلامي»، ومعها طفت على السطح حكايات صدام الحضارات، والارتطام الثقافي المحتوم بين التراث اليهودي ـ المسيحي (الغرب) والتراثات الإسلامية ـ الكونفوشية (الشرق)؛ استناداً إلى تبشيرات أناس مثل صمويل هنتنغتون وبول جونسون وبرنارد لويس.
خلال الفترة ذاتها كان هنتنغتون، في مقالة بعنوان «الدين والموجة الثالثة»، سبقت مقالته الشهيرة حول صدام الحضارات، قد اعتبر أنّ موجة الديمقراطية تجتاح العالم من أقصاه إلى أقصاه، باستثناء… العالم الإسلامي الممتد من المغرب إلى أندونيسيا، والعالم الكونفوشي الممتد في شرق آسيا. ولم يكن مستغرباً أن يلجأ هنتنغتون إلى أطروحات إرنست غلنر حول «الإسلام كشكل ثقافي أعلى، محكوم بالوحدانية والتفرد الإثني والفردية والطهورية وبعض السحر والعداء الفطري للحداثة»؛ لكي يستنتج تعذر قيام أية علاقة بين هذه الثقافة والديمقراطية. ولأنّ توزيع المحاصصة العادلة بين القيصر والله ليست مطروحة في الإسلام، كما ساجل؛ فإن «المفاهيم الإسلامية عن السياسة تختلف في العمق عن، وتتناقض مع، الديمقراطية والسياسة الديمقراطية».
من جانبه كان وليام بيري، وزير الدفاع الأمريكي في حينه، قد حسم أمره بعد ساعات معدودات من وقوع الانفجار، وقرر أنّ «الإرهاب الإسلامي» يقف وراء العملية. ولم يجزم مراسل الـ CNN حول ما إذا كان الوزير العتيد قد عرّج أيضاً على «جبهة الإنقاذ» الجزائرية، وجماعة «التكفير والهجرة»، و»حماس»، قبل أن يختم اللائحة النموذجية بالشيخ حسن الترابي (لم تكن «القاعدة» على لوائح الموضة يومها، بالطبع). ولقد تكفل اعتقال الإرهابي ماكفي (عن طريق الصدفة المحضة، للتذكير، ولأنه كان يقود بلا شهادة ويحمل سلاحاً غير مرخص) بكشف النقاب عن دوافع التفجير، من جهة؛ وبكشف سوأة الذين سارعوا إلى اتهام الإسلام والمسلمين، على نحو يقيني شبه مطلق، من جهة ثانية.
وسرعان ما اتضح أنّ ماكفي، وشريكه تيري نيكولز، ينتميان إلى ميليشيا شبه عسكرية، معادية لنظام الحكومة الفدرالية؛ واختارا للعملية توقيتاً يتناسب مع الذكرى الثانية لحصار واقتحام مجمّع واكو، حيث قضى حرقاً 76 شخصاً، بينهم نساء حوامل وأطفال، من جماعة «الفرع الداودي». فيما بعد، تبيّن أنّ فرنون واين هاول، زعيم الفرقة الذي اختار لنفسه اسم داود قورش تيمناً بالملكَيْن العبراني والفارسي، كان ينتظر اسوداد الشمس واحمرار القمر قبل أن يستسلم ويسلّم الحصن؛ وبالتالي كان في وسع سلطات مكتب التحقيقات الفيدرالي أن تنتظر قليلاً، حتى تبلغ هلوسات الرجل نهاية سلمية.
بيد أنّ رجال المكتب، بأمر مباشر من جانيت رينو، وزيرة العدل آنذاك، اقتحموا المجمّع عن طريق الدبابات والقنابل المسيلة للدموع، ولجأوا بالتالي إلى طراز من العنف أبشع بكثير من ذاك الذي يأنف منه مستنكرو المجازر/ مناصرو الترخيص بحمل السلاح. التحقيقات اللاحقة لم تحسم تماماً ما إذا كان قورش هو الذي أعطى أتباعه الأمر بارتكاب انتحار شعائري جماعي، أم كانت قنابل مكتب التحقيقات هي التي أشعلت الذخائر العسكرية المخبأة داخل المجمع؛ لكن الثابت الأكيد كان تذكير العالم بـ»ذهنية الشرطي الأمريكي المستعدّ دائماً لجذب الزناد وإشعال الجحيم»، كما قالت صحيفة «تايمز» البريطانية.
على عناصر ثقافة العنف هذه شبّ إرهابي أورلاندو قبل، وأكثر من، أن تتكفل بنشأته أية ثقافة دينية؛ والتعامي عن هذه الخلاصة لا يُعمي جوهر الحقيقة فقط، بل يتكفل باستيلاد أمثال عمر متين، والأشدّ منه ضراوة وبهيمية وحشية.
٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
صبحي حديدي