القاهرة ـ «القدس العربي»: سيطرت الاهتمامات السياسية على الغالبية من المصريين، بسبب المعارك والمناقشات التاريخية التي تثيرها أحداث الجزء الثاني من مسلسل «الجماعة» لوحيد حامد، وعلاقة عبد الناصر بالجماعة، وكذلك تنظيم الضباط الأحرار، وعلاقة عبد الناصر مع سيد قطب وحقيقتها، وهي مناقشات أنعشت الذاكرة التاريخية عن أحداث وقعت في عهده، واشتعلت أكثر بعد وصول الإخوان للحكم عام 2012 ثم الاطاحة بهم في العام التالي.
كما استمرت الصحف المصرية الصادرة أمس الأربعاء 7 يونيو/حزيران، في استهلاك معظم صفحاتها في القرارات التي اتخذتها السعودية والإمارات والبحرين ومصر ضد قطر.
وتواصل الاهتمام بالسياسة أيضا، بعد قرار إحالة اتفاقية جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، في الاتفاق الذي وقعه الرئيس السيسي مع الملك سلمان، وهو أنسب توقيت رآه النظام لتمرير الاتفاق في هذه الظروف، التي تتحالف فيها الدولتان. وهدد المحامي خالد علي برفع دعوى يطالب فيها بحل المجلس، إذا وافق.
والحقيقة أن النظام في مصر أخطأ عندما لم يقم بإحالة الاتفاقية إلى مجلس النواب مباشرة، بصفتها من أعمال السيادة. وطبعا تواصل الاهتمام بامتحانات الثانوية العامة والأسعار المرتفعة ومسلسلات رمضان والصيام والنصائح للصائمين، حيث أخبرنا الرسام في «الأهرام» فرج حسن أنه سأل بالهاتف عن صديق له فردت عليه زوجته وقالت له: هو صايم دلوقتي لما يصحى يكلم حضرتك. وإلى ما عندنا من أخبار متنوعة.
معارك مسلسل «الجماعة»
ونبدأ بأبرز ردود الأفعال على المسلسل التلفزيوني «الجماعة» الجزء الثاني للمؤلف للمؤلف وحيد حامد، ونبدأ مع الناصريين والمتعاطفين مع الزعيم خالد الذكر جمال عبد الناصر، حيث نشرت مجلة «المصور» في عددها الصادر أمس الأربعاء حديثا مع المؤرخ الناصري الدكتور جمال شقرة أستاذ التاريخ، ورئيس مركز الدراسات السياسية في جامعة عين شمس، أجراه معه محمود أيوب، وكان أبرز ما قاله عن المسلسل وإخوانية عبد الناصر: «مصادره معظمها إخوانية أو معادية لعبد الناصر أو لثورة 23 يوليو/تموز أو للضباط الأحرار. وأنا عندما اشتغلت على هذه الجزئية وبالاخص المصادر، كنت أتأكد من تاريخ انضمام كل شخص مثل عبد اللطيف البغدادي عضو مجلس قيادة الثورة، انضم إلى التنظيم في أي وقت، وبالتالي هو لا يعرف ما دار في التنظيم قبل انضمامه، فعندما أخذ عبد اللطيف البغدادي يكره عبد الناصر، فضلا عن أن عبد اللطيف انضم إلى التنظيم متأخرا تقريبا بعد 1945، ومن يعرف عن مجموعة صغيرة كان عبد الناصر تعرف عليهم في منقباد 1945 كانت معرفته بهم على أرضية الإخوان المسلمين، وبالتالي كل واحد يعرف وقت حضوره وفترته، وما حدث في 1945 لا يعرف حقيقته سوى مجموعة لا تتعدى أصابع اليد الواحدة. كما أن وحيد حامد اعتمد على الدكتور حمادة حسني، وهو في الأصل إخواني، وكذلك حسين حمودة فهو إخواني 100٪، وأيضا كمال الدين حسين. شباب الإخوان كانوا يعتقدون أن عبد الناصر أخ مبايع على المصحف والسيف، وصلاح شادي وعدد قليل كانوا يعرفون حقيقة عبد الناصر، لكنهم أوهموا الشباب بأن عبد الناصر حلف على المصحف والسيف. وعندما قامت الثورة والشباب لم يجدوا عبد الناصر معهم قالوا مش هو دا عبد الناصر اللي مبايعنا على المصحف والسيف بيضرب فينا ليه؟ ويسجنا ليه؟ وهذا الحوار دار في سجن جناح ومن يعرف الحقيقة هو صلاح شادي. وحيد لديه عدد كبير جدا من الكتب الإخوانية أعمته عن الحقيقة، وأنا اتساءل هل هو باحث بحيث يستطيع أن يأتي بالحقيقة على أسس علمية؟ بالطبع لا. وأؤكد أن هذه القضية عندما نقوم بالبحث عنها نكون أمام تل كبير من الكتب وتلال من الروايات، فلدينا شهادات كثيرة جدا من الإخوان، وللأسف هذه الشهادات تذهب بك إلى سكة أخرى غير الحقيقة. كل الدلائل تشير إلى أنه اتخذ موقفا من هذا الفكر، وكل الدلائل تشير إلى أن الطريقين، كما قال بالحرف مختلفان تماما، وأن هذا يتحدث عن دولة الخلافة وعبد الناصر يتحدث عن الدولة المدنية، وبالتالي هناك فرق بين طريقة التفكير وهذا ناتج عن صدام. بعد ذلك لو حلفت على المصحف والسيف فأنت إذن إخواني، لكن عبد الناصر لم ينضم. وتصورت في بداية الأمر أن عبد الناصر انضم إلى التنظيم بسبب الكثير من الروايات، لكن هو ابن عفريتة وكانت له واقعة مع حسن طلعت رجل البوليس السياسي، فقد أغمي عليه أثناء ثورة 23 يوليو، وعندما قامت الثورة، انعقد مجلس قيادة الثورة وكان طلعت صاعدا ليبارك، فأشاروا إليه بأن عبد الناصر هو قيادة التنظيم، فأغمي عليه، لأنه كان يراقبه على أنه شيوعي، فقام عبد الناصر وأنهضه من على الأرض. وهذه القصة منشورة في مذكرات حسن طلعت وروايات الإخوان تريد أن تقول إن تنظيم الضباط الأحرار في الأساس تنظيم إخواني، وهذا خطر فهو يلعب لعبة القط والفأر، وسيد قطب لم ينضم إلى الجماعة ولم يكن إخوانيا إلا سنة 1953، وعبد الناصر لم يكن إخوانيا وهو ما ذكره سيد قطب بنفسه في كتاب «لماذا أعدموني؟». عبد الناصر تعرض لعلاقته بجماعة الإخوان المسلمين، لكن ذلك سنة 1965، ويقول قبل الثورة كنت على صلة بكل الحركات السياسية الموجودة في البلد مثلا، كنت أعرف الشيخ البنا، لكن ماكنتش عضو في جماعة الإخوان، ابتدينا نتصل في الجيش بكل الحركات السياسية لكن ماكنتش أبدا في يوم من الأيالم عضوا في الإخوان المسلمين، لكن الإخوان المسلمين حاولوا يستغلونا فكانت اللجنة التأسيسية للضباط موجودة في ذلك الوقت وكان معانا عبد المنعم عبد الرؤوف، وضع اقتراحا قال إننا يجب أن نضم حركة الضباط الاحرار إلى الإخوان المسلمين، ولما سألته عن السبب قال دي حركة قوية إذا اتقبض على حد منا تستطيع هذه الحركة أن تصرف على أولاده وتؤمن مستقبله. وحدث اختلاف كبير، فقد صمم عبد المنعم عبد الرؤوف على ضم الضباط الأحرار إلى الإخوان، واحنا كلنا رافضين. وهذه من خطب جمال عبد الناصر وتصريحاته في 17 فبراير/شباط 1965. كما ذكر حسن الباقوري في مذكراته «ثائر تحت العمامة» في مجلة آخر ساعة أن وجود عبد الناصر لم يكن واضحا».
عبد الناصر وسيد قطب
وإلى علاقة عبد الناصر مع سيد قطب، حيث قام الإخواني السابق والمحامي والكاتب ثروت الخرباوي بكتابة مقال في «المصور» نفى فيه ما جاء في المسلسل عن علاقة عبد الناصر مع سيد قطب وقال عنه: «أؤكد أن عبد الناصر لم يلتق بسيد قطب قبل الثورة، ولم يجلس معه، وربما كان قد سمع عنه فقط، فإذا قال أحدهم إن عبد الناصر جلس في حضرة سيد قطب كتلميذ وإنه جمع له بعد ذلك بعض الضباط من تنظيم الضباط الأحرار، وقدمهم له واستمعوا إليه، فإنني أهيب بمن قال ذلك أن يضيف تلك القصة الخيالية إلى كتاب «ألف ليلة وليلة»، فعبد الناصر لم يكن مهتما بالجلوس مع أنصاف الكتاب أو بنقاد الأدب والشعراء، فمشروعه كان سياسيا، كما أن تنظيم الضباط الأحرار كان سريا، وعبد الناصر لم يكن ساذجا ليقول لقطب سأحضر لك زملاء من تظيم الضباط الأحرار، كما أن قطب لم تكن له أهمية على الإطلاق وقتها، فكان أولى بناصر أن يجلس مثلا مع العقاد أو طه حسين أو توفيق الحكيم، ولكن بعضنا يتعامل مع سيد قطب في فترة الأربعينيات وكأنه كان نجم مصر والعالم العربي وقتها، إذ يستدعي بعض السذج شهرة سيد قطب الحالية ويظنها كانت متوفرة له منذ سبعين عاما. والحقيقة أن قطب كان نكرة من النكرات مجرد تلميذ للعقاد، أراد أن يخرج من عباءة أستاذه فكتب كتابا عن العدالة الاجتماعية في الإسلام، وكتابا آخر عنوانه «التصوير الفني في القرآن» إلا أنه كاتب ليبرالي مغمور».
تجسيد شخصية قطب دراميا
وإلى سيد قطب نفسه أقصد إلى الذي لعب دوره في المسلسل وهو الفنان محمد فهيم، الذي نشرت له «الشروق» أمس الأربعاء في صفحتها العاشرة حديثا أجرته معه منة عصام ومما قاله:
«العمل في هذا المسلسل يعتبر فرصة كبيرة لأي فنان، لأسباب كثيرة أولها أنه من كتابة وحيد حامد، وهو مؤلف كبير وقامة مهمة في عالم التأليف. ثانيا إن الشخصية التي أجسدها وهي شخصية سيد قطب مهمة ولها تأثير كبير في التاريخ المصري، وفى مسيرة جماعة الإخوان المسلمين، خصوصا في الفترة التي يتناولها المسلسل، بداية من الأربعينيات وحتى منتصف الستينيات، فضلا عن أن وحيد حامد كتب سيناريو رائعا وعبقريا يصعب معه مجرد التردد حتى في قبوله، وأعتبر هذا العمل فرصة مهمة بالنسبة لي فقد فوجئت بمكالمة وحيد حامد لي والمخرج شريف البنداري، لإخباري أنه تم ترشيحي لدور مهم في الجزء الثاني من مسلسل «الجماعة» ووافقت، لأكتشف بعدها أنني مرشح لتجسيد دور سيد قطب، الذي يعتبر أساس وجوهر الجزء الثاني، وبالتالي هو مسؤولية كبيرة ملقاة على عاتقي. أنا لست مطربا بالمعنى المعروف، فأنا أشارك مع فرقة غنائية أحيانا. أما بالنسبة إلى أن الدور سيصنفني بعيدا عن الكوميديا فهذا حقيقي، بالفعل هو فرصة جيدة لإبعادي عن أي تصنيف يذكر، فأنا يهمني أن يراني الجمهور في شكل ودور مختلف، وأحب أن أقول لك، إنني في المسرح أقدم تراجيديا، حتى إن الجائزة التي حصلت عليها في التمثيل، كانت عن تجسيدي لدور هاملت في مسرحية «هاملت» لشكسبير. وكان ذلك ضمن مسابقة دولية للمسرح بمشاركة 45 دولة حول العالم. شخصية سيد قطب من أصعب الشخصيات التي قدمتها لعدة أسباب، منها أنه لا تتوافر عنه أي فيديوهات تذكر، وبالتالي لا نعرف نبرة صوته أو طريقته في التعبير والحركة، وكل المتوافر عبارة عن صور فقط، ومن هنا قررت أن اقرأ له وعنه. قرأت «معالم في الطريق» و«التصوير الفني في القرآن» و«أشواك» و«أفراح الروح»، فضلا عن ديوان الشعر الذي ألفه واسمه «ديوان سيد قطب». وقرأت له جزءا من كتاب «في ظلال القرآن»، ولم اكتف فقط بقراءة الكتب التي كتبها بنفسه، ولكن قرأت أيضا لبعض الأساتذة الذين تأثر بفكرهم، ومن أبرز ما قرأت قصة حياة ابن تيمية، الذي تأثر به جدا، وأيضا قراءاتي للعقاد ودروس لمحمد قطب، وبالإضافة إلى كل ذلك قرأت لمن أيدوه في فكره ومن عارضوه كذلك، لأعرف أسباب كل طرف منهم، فقد راعيت في قراءاتي أن أكون محايدا لأقصى درجة، كي أستطيع تجسيده على الشاشة. وفي النهاية قرأت سيناريو وحيد حامد».
مصطفى النحاس
وإلى ردود أفعال الوفد على مشهد تقبيل الزعيم خالد الذكر مصطفى النحاس باشا يد الملك فاروق، عندما قابله بعد فوز الحزب في انتخابات ديسمبر/كانون الأول 1949 وتشكيلة الوزارة في أول يناير/كانون الثاني 1950. وأمس الأربعاء لم يظهر أي دفاع عنه في الوفد أو هجوم على وحيد، في ما عدا مقال الدكتور محمود السقا أستاذ القانون في جامعة القاهرة والعضو السابق في الهيئة العليا للحزب، وكان عموده في الصفحة الثامنة دفاعا عن النحاس وإشادة به من دون أن يدخل في معركة مع وحيد ومما قاله عنه: «الإمام الفقيه أحمد بن حنبل ضد الوالي الذي أمر بحبسه لم يقل سوى هذه العبارة: لكم الدنيا ولنا الآخرة. ليس بيننا وبينكم إلا الجنائز. وفعلا مشت الأمة خلف جنازة الإمام الفقيه، ومات الخليفة غريبا فريدا وغاب عنه حب الناس ودعاؤهم. إذن الجنازة هي الحكم الحقيقي لعظماء البشر، إلا أن كل من عليها فان. وكما قال الحكماء: «ليست الرجال قيلا وقال بل أمجاد وفعال». كان النحاس»كما وصفه أولو العزم «صوفيا» لا يعرف إلا حقوق الله الخالق وحقوق الأمة التي عبر عنها «بأنها مصدر السلطات». وهكذا الفقيد العزيز على الأمة مصطفى النحاس قد شيد حياته مملوءة بالبطولات علما وخلقا وسياسة وعظات بالغات، وفى يوم من أيام ذكراه ذهبنا مجموعة وفدية لنجدد معه العهد أمام قبره، وكأنني بما قاله الشاعر في مناسبة ذكر الأحباب في قبورهم كأنه يرتل في حزن وكأنه يناجي مصطفى النحاس في قبره، يناجيه ويهتف باسمه حال حياته: اليوم نادى داعي الوفا انهض من قبرك يا مصطفى مصر الحبيبة قد ذكرت لك اسمها وأرى ترابك قد هفا فكأنني بالقبر أصبح منبرا وكأنني بك موشك أن تهتفا. وقد قالها حيا، «مصر في قلوبنا وديعة لها نحيا وفي سبيلها نموت». الحق عنده فوق القوة والأمة فوق الحكومة. رددها بالحب واليقين صادرة من فم زعيم الأمة وصاحبه في الكفاح والوطنية سعد باشا زغلول، وكما قلت عنه في خطاب في الاحتفال بذكرى وفاته: «ذكر يدوم أبد الآبدين ودهر الداهرين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين: ذكر يعطره الإيمان وحب الأوطان. ذكر يرتله السجد الركع، وهذا هو نبع القلب حين يحب زعيما مصريا خالص الوفاء للوطن إنه حقا وصدقا كما قيل عنه: «إن مصطفى النحاس من أولياء الله الصالحين» فسلام الله عليك يا مصطفى سلام عليك في الخالدين إلى يوم الدين».
السادات
وإلى الرئيس الراحل أنور السادات بمناسبة ذكرى عبور القوات المصرية قناة السويس في العاشر من رمضان، قال عنه أمس في «الأهرام» إبراهيم سنجاب مشيدا به ومهاجما خالد الذكر في عموده «وبعدين»: «كتب القدر على الشهيد السادات أن يتحمل خطأ الزعيم جمال عبد الناصر، وأن يُزعم أنه شريك له في كل قراراته، وهذا لم يكن صحيحا فلا جوار إلى جوار ناصر، ولكن المسيرة لا بد أن تكتمل، وكتب له القدر أن يكون هو تحديدا، وهو القائد الفذ والسياسي المخضرم، أن يصلح الخطأ ويحرر الأرض والعرض. وكتب عليه القدر أن يظل جنديا مجهولا حتى بعد انتصاره، وليعد من يشككون في قدرات الشهيد العبقرية إلى خطة الخداع الإستراتيجي، التي نفذتها مصر كلها، من دون أن تدرك أنها تشارك في الإعداد للحرب ومن دون أن يتكلم عن دوره فيها. كان الإعلام يروج لظهور فيروسات في غرف عمليات بعض المستشفيات، بحيث يتم إخلاؤها ويتحمل السادات سخط الرأي العام، في حين أنه كان يخليها استعدادا لاستقبال مصابي الحرب عند اشتعالها. أما على المستويات السياسية العسكرية فقد أعطى رجال السادات للعالم دروسا في فنون إعداد شعب كسير للحرب والنصر. رحم الله السادات».
معارك الإسلاميين
وإلى الاسلاميين ومعاركهم وسيبدأها معنا اليوم الكاتب وأستاذ الطب الدكتور خالد منتصر في عموده اليومي في جريدة «الوطن» (خارج النص) في الصفحة الثامنة، عن كتاب اشتراه حديثا عنوانه «لماذا النساء أكثر أهل الأرض نارا» وقال مندهشا: «المصيبة الكبرى أن كثيرا من النساء قد تم تزييف وعيهن، وتخيلن القيود التي علاها الصدأ أساور ذهبية، واعتقدن أن هؤلاء القراصنة من المتأسلمين قد هبطوا من الكهوف لإنقاذهن، مع أنهم في الحقيقة قد جاءوا لاغتيالهن مع سبق الإشباع والإصرار والترصد، وما زلت أتذكر ما قاله الشيخ صلاح أبو إسماعيل وهو يهاجم قانون الأحوال الشخصية الصادر سنة 1979، الذي كان يبيح للزوجة المتضررة من الضرة طلب الطلاق.
وقف الشيخ أبو إسماعيل حينها في مجلس الشعب وقال: «إن النبي لم يعتبر من الكذب أن يكذب الزوج على الزوجة ليرضيها، ولا كذب الرجل في الحرب فالحرب خدعة»، أو أن الزواج في نظرهم ببساطة هو معادلة أطرافها العبودية والرق وإذلال الكبرياء، وأخيرا حرب وخدعة! المرأة في نظر هؤلاء هي ماكينة تناسل، كيانها هبة من الرجل وحياتها نفحة منه وسعادتها مرتبطة برضاه، عليها الخضوع على مذبح نفاقه باسم التدين وكذبه باسم القيم وافترائه باسم الرجولة وعقده النفسية باسم الحفاظ على الشرف، فهل يتمرد القربان على السكين؟ أم يظل مستمتعا بالذبح ذلك هو السؤال؟».
الشيخ محمد الغزالي
أما ثاني المعارك فستكون من نصيب أحمد عبد المعطي حجازي في «الأهرام» الذي شن أمس الأربعاء هجوما عنيفا على المرحوم الشيخ محمد الغزالي دون أن يذكر اسمه وذلك في مقاله الأسبوعي في الصفحة العاشرة وقال عنه: «الشيخ الأزهري والزعيم الإخواني الذي ابتعد عن جماعته حين اصطدمت بعبد الناصر ووقف إلى جانب النظام الناصري، الذي احتضنه وسمح له بالتعبير عن آرائه بشرط الابتعاد عن السياسة، فلم يجد أمامه هدفا متاحا وميدانا مباحا إلا الثقافة والمثقفين، الذين سلط عليهم غضبه وأمطرهم بوابل من سهامه المسمومة، فهاجم نجيب محفوظ حين نشر روايته «أولاد حارتنا» فصولا في «الأهرام»، وبهذا الهجوم أهدر دمه. وهاجم فرج فودة بعنف شديد في المناظرة التي دارت بينهما في معرض الكتاب، وبعد اغتيال فرج فودة استدعته المحكمة، التي نظرت القضية للإدلاء بشهادته فيها فأعلن على الملأ أن فرج فودة مرتد، والمرتد عقوبته القتل، والخطأ الوحيد الذي وقع فيه الجناة أنهم نفذوا العقوبة التي كان يجب على الدولة أن تنفذها، كأنه أراد أن يقول إن الدولة لم تقم الحد على فرج فودة، فعلينا أن نلومها لأنها لا تطبق الشريعة، وأن نشكر هؤلاء القتلة لأنهم طبقوها، ولأنهم رأوا المنكر فغيروه بأيديهم، وأقاموا الحد على المرتد. في هذه القضية أين كان على هذا الشيخ أن يقف وأن يوقفه القضاة؟ في مكان الشاهد أم في مكان المتهم؟ في القاعة أم خلف القفص؟ لكننا مع هذا نستطيع أن نجد له عذرا، لأن آراء هذه وشهاداته ليست اجتهادا خاصا، ولم يدفع ثمنها فرج فودة أو نجيب محفوظ وحدهما وإنما هي الثقافة التي تربى عليها الكثيرون، ودفع ثمنها الكثيرون ولايزالون يدفعونه حتى الآن».
إطفاء الحريق
«أكثر ما استوقف الكاتب فهمي هويدي في «الشروق» كانت عناوين الصحف المصرية التي صدرت في (السادس من يونيو/حزيران يوم النكسة الكبرى) عنوانان أحدهما «قطر تحت الحصار»، وقد نشر بحروف كبيرة وباللون الأحمر تعبيرا عن الحفاوة والبهجة، التي بدت في بقية العناوين ذات الصلة التي غطت كامل الصفحة الأولى لـ«الأهرام». العنوان الثاني نشرته صحيفة «المصري اليوم» على صفحة داخلية وكان كالتالي «نتنياهو أمام قمة دول غرب إفريقيا: حققت حلمي بالمشاركة» ــ وتحت العنوان صورة لرئيس الوزراء الإسرائيلي الذي وقف مبتسما ومنشرحا وسط رؤساء دول غرب إفريقيا، الذين عقدوا اجتماعهم في ليبيريا.
جيلي أو بعضه على الأقل تشكل وعيه بحيث توقع أو تمنى أن تكون إسرائيل هي التي تحت الحصار، في حين أن الرئيس المصري الذي يمثل أكبر وأهم دولة عربية هو الذي يقف وسط القادة الأفارقة، لذلك لك أن تتصور الصدمة التي أصابتني حين وقعت على الوضع مقلوبا. ولعلك تعذرني إذا لم أصدق لأول وهلة ما وقعت عليه عيناي، واضطررت إلى قراءة الكلام المنشور أكثر من مرة، متمنيا أن أجد خطأ ما في مضمون العناوين. وحين تأكدت من أن العناوين لم تخطئ، خطرت لي على الفور العبارات التي استخدمها ابن الأثير في كتابه «الكامل في التاريخ»، الذي استعظم ما فعله المغول في بغداد (القرن الثالث عشر الميلادى) فوصفه بالحادثة العظمى والمصيبة الكبرى التي عقمت الأيام والليالى عن مثلها، وصدم من هول ما جرى حتى قال: يا ليت أمي لم تلدني ويا ليتني مت من قبل هذا وكنت نسيا منسيا.
كنا نظن إلى عهد قريب أن منطقة الخليج هي الوحيدة المستقرة والمتماسكة في المشرق العربي. وأن مجلس التعاون الخليجي نجح في احتواء الخلافات والحيلولة دون انفراط عقد الدول الخليجية طوال العقود الثلاثة الماضية، إلا أننا اكتشفنا أن ذلك كان تقديرا مبالغا فيه، وانه في لحظة الغضب المسكون بالطيش صار كل ذلك في مهب الريح، وأن الانفعال تجاوز الحدود، بحيث أصبح حصار قطر واقعا يحظى بتهليل وسائل الإعلام ومباركتها. وبدلا من أن تسارع المؤسسات القائمة إلى محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، أو يتداعى العقلاء إلى حوار حول إجابة السؤال ما العمل. فإننا وجدنا أن قرع طبول الحرب وهتافات الغاضبين والمحاكمات السياسية والتراشق الإعلامي، ذلك كله طغى على ما عداه. فلا فهمنا شيئا مما جرى، ولا رأينا ضوءا يطمئننا في النفق المظلم الذي دخلنا فيه. يهدئ من روعنا ويخفف من الصدمة الجهد الذي بذلته القيادة الكويتية منذ انفجرت قنبلة الغضب وغاب صوت العقل. وإذا صح أن سلطنة عمان لها دورها الهادئ في محاولات إطفاء الحريق، فإن ذلك الدور يستحق التقدير والحفاوة. وفي كل الأحوال لابد أن يذكر للسلطنة أنها نأت بنفسها عن الانخراط في الصراع الحاصل عملا بالقول المأثور، إذا لم تكن عونا على الإصلاح فلا تكن شريكا فى الإفساد. إن المشهد المقلوب الذي وجدنا فيه قطر تحت الحصار العربي، في حين أن إسرائيل يغازلها بعض العرب وتتمدد وتختال في محيطنا الإفريقى، هو تعبير عن الانقلاب الحاصل في الخرائط السياسية العربية التي تشوهت وانقلبت فيها الموازين والمعايير، وهو ما أوصلنا إلى المشهد العبثي الذى أصبحنا نعانى منه، نكاد لا نصدق أحداثه وعناوينه».
إجراءات وزارة الأوقاف غير المسؤولة
ومن دار الإفتاء إلى وزارة الأوقاف التي اتخذت إجراءات لم يصدقها محمد أمين بسبب تغيير أسماء المساجد التي تبرع بانشائها مواطنون قطريون من أهل الخير في كثير من المحافظات، وقال أمس الأربعاء في عموده اليومي في «المصري اليوم» (على فين): «هالني أن وزارة الأوقاف أزالت لافتات 24 مسجدا تحمل أسماء شخصيات قطرية، والله أعلم ربما تفعل ذلك في جميع محافظات الجمهورية، وهي مشروعات خدمية وصحية وخيرية من مواطنين، وليس من نظام حكم. ربما بعضهم كان مدينا لمصر في مشوار حياته التعليمية، فأراد أن يقدم لها بعضا من الفضل، فهل يعقل أن نعاقب الناس بجريرة نظام؟ فلماذا الاندفاع والتهور؟ فهل «نستيقظ» ذات صباح لنرى وزيرة الاستثمار قد أغلقت المصانع والشركات القطرية في مصر، بحجة أننا قطعنا العلاقات مع قطر؟ نحن لم نقطع العلاقات مع الشعب، نحن قطعنا العلاقات مع النظام فلا داعي لأن تتعرض المصالح الإنسانية والاقتصادية لأي ضرر، ثم لا بد أن نضع في اعتبارنا أن هذه الأزمة سوف تمر وتبقى علاقاتنا بالشعب «الشقيق» على أحسن ما يكون! الفارق كبير بين قرار ضد نظام سياسي وقرار ضد الشعب، ما حدث من وزارة الأوقاف ينبغي عدم السكوت عليه، ولا بد من إعادة أسماء الذين تم رفع أسمائهم ما علاقة ذلك بقطع العلاقات الدبلوماسية؟ على الأقل لم يتضمن القرار قطع العلاقات الإنسانية، لم يتضمن قطع العلاقات الاقتصادية ولم يتضمن قطع العلاقات الثقافية، لا نريد من يزايد أو ينافق علينا فلا نداوي جراحنا أبدا».
النفاق الرخيص
ومن محمد أمين إلى جمال سلطان رئيس تحرير «المصريون» ورأيه في الموضوع نفسه: «لم أتصور أن يصل الإسفاف إلى حد توظيف مباني المساجد وأسمائها في الصراعات السياسية العابرة، ولكن هذا مع الأسف هو الذي حدث على يد وزارة الأوقاف المصرية، التي أرادت أن «تجامل» الرئيس في الأزمة التي نشبت بين دولة قطر وعدد من دول الخليج العربي وبعض الدول العربية ومنها مصر، فتورطت في سلوكيات مشينة، لا ترجو لله وقارا، ولا تحترم قدسية بيوت الله وحرمتها، كما لا تحترم شروط الأوقاف التي يفترض أنها أمينة عليها، وذبحتها ذبحا كقربان لنفاق سياسي لم يطلبه منهم أحد. لقد أذهلني ما قرأته من أن مديرية الأوقاف في البحيرة قررت تغيير أسماء عدد من المساجد في المحافظة، التي أُنشئت بتمويل من مواطنين من دولة قطر، وتحمل أسماءهم، وأن لجنة موسعة من مديرية الأوقاف قامت بإزالة لافتات 24 مسجدا من مساجد مركز أبو حمص وأتت بلافتات أخرى تحمل أسماء الله الحسنى، وأسماء الشهداء والشخصيات العامة المصرية. وكما ورد على لسان وكيل وزارة الأوقاف في محافظة البحيرة، الشيخ محمد شعلان، قوله إنه جار حصر جميع المساجد والمؤسسات الدينية التي تحمل أسماء مواطنين من قطر لتغييرها على الفور، تدعيما لجهود الدولة في مواجهة الإرهاب، خاصة مع قطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر، وفق قوله الأسطوري في فجاجته. وأضاف الأخ شعلان أنه تم تشكيل لجنة من إدارة أوقاف أبو حمص؛ ضمت مدير الإدارة ومفتش المساجد والإدارة الهندسية والتفتيش والمتابعة، لإزالة اللافتات القديمة التي تحمل أسماء مواطنين قطريين، واستبدال أخرى بها، وأشار إلى تغيير أسماء 24 مسجدا أقيمت بتبرعات رجال أعمال قطريين، وتحمل أسماء قطرية تخليدا لذكراها. ولزيادة الطين بلة، دافعت عضو برلمانية في لجنة الدفاع والأمن القومي في مجلس النواب عن هذا القرار، وقالت النائبة أمل زكريا إنها خطوة على الطريق لتقليص النفوذ القطري داخل مصر، أي والله ، هكذا نقلت الصحف عنها. ما دخل هذه الروح الدينية الخالصة والمتبتلة في صراع سياسي هنا أو هناك، وما هو النفوذ القطري أو غير القطري في مسجد يتم تسليمه للدولة لتديره وتشرف عليه وتحدد خطباءه ووعاظه بمعرفتها، ودون أدنى تدخل في الأمر، هل يصل الإسفاف إلى هذا الحد، هل يصل النفاق الرخيص إلى حد الاعتداء على قدسية المساجد والتنكيل بذكرى من بنوها أو أسمائهم، رغم أنهم مواطنون عاديون لا صلة لهم بأي خلاف سياسي أو غير سياسي، وأغلبهم أفضى إلى ربه قبل أن يكون هناك أي خلاف أساسا بين الأشقاء في الخليج، أو بين مصر وغيرها.
أرجو أن يكون هناك عقلاء في هذا البلد يوقفون هذا التهريج الذي يتورط فيه البعض في وزارة الأوقاف، بل أطالب بإخضاع من جرؤ عليه للتحقيق حول فعلة السوء التي فعلها، وأرجو أن يكون للأزهر الشريف وهيئة كبار العلماء موقف مع وزارة الأوقاف وسلوكياتها النفاقية الرعناء، التي تشوه سمعة المؤسسات الدينية في بلادنا، بل وتشوه سمعة البلد نفسه.
أبعدوا المساجد عن العبث السياسي، ونزهوا بيوت الله عن التجارة الرخيصة».
حسنين كروم