إضراب الأسرى.. تضاريس الجوع الفلسطيني

وكما هي الحال في أمور كثيرة فإن فلسطين ما زالت تشهد مجموعة من الظواهر البائدة من العالم بأسره، ومع المعازل العنصرية والمستوطنات تبقى قضية الأسرى إحدى الإشكاليات ذات الطبيعة الفلسطينية التي لا يمكن أن تندرج ضمن المواصفات القياسية لأية تعريفات شائعة أو متداولة في إطار المتعارف عليه في أي مكان في العالم.
فالأسير لا يمكن أن يعتبر من الأشخاص الذين تقيد حريتهم بناء على فعل جنائي أو جزائي أو سياسي، كما أن معظمهم لا يمكن أن يصنفوا على أي درجة من الخطورة التي تتطلب احتجاز الحرية، فكل ما في الأمر أن جزءاً من الشعب الفلسطيني يجب أن يبقى أسيراً لدى اسرائيل لتتوازى محنة الإنسان مع أزمة الأرض، فالسياسات الإسرائيلية المطبقة تجاه أبناء الشعب الفلسطيني وخاصة من جيل الشباب يمكن أن توصف فعلياً وحرفياً بالسادية السياسية والأمنية، ودون أن يضطر المحللون لتتبع أية أسباب أخرى ضمن العلاقة المشوهة بين الاحتلال الإسرائيلي ومن تبقى من الفلسطينيين على أرضهم التاريخية.
إسرائيل تطبق منذ سنوات طويلة سياسة تقييد الحريات بصورة عشوائية ودون وجود أسباب واضحة أو مبررات مقبولة من أجل إهدار فعلي لحياة عشرات الآلاف من الفلسطينيين، أو ما يمكن وصفه بالإعدام المعنوي، وهذه السياسة لا يمكن أن تعتبر وقائية أو ذات أي قيمة أمنية في ظل أن حالة الأسر تعتبر من العوامل الملهمة للمقاومين الفلسطينيين، وتمثل في حد ذاتها تحريضاً مبطناً على استهداف اسرائيل من أجل الوصول إلى صفقات التبادل التي كان لها دور في إطلاق سراح أعداد كبيرة من الأسرى.
وما تستفيده اسرائيل هي الإبقاء على الرعب الثقيل لمحنة الأسر على مئات الآلاف من الشباب الفلسطيني الذين يقفون على تخوم الفعل المقاوم الإيجابي ودفعهم للعناية بمشاريعهم الشخصية وبالغة الفردية والتخلي عن الواجبات الوطنية.
الفلسطينيون يقاومون من خلال مؤسساتهم  المحدودة لاستيعاب الأسرى في المجتمع من جديد وبصورة احتفائية من الناحية المعنوية على الأقل، وفي بعض الأحيان من الناحية المادية، ولكن تراجع المجتمع المدني الفلسطيني أضر بقدرة الفلسطينيين على إدماج أسراهم بعد انتهاء سنوات الاحتجاز، فالأمر يتطلب أن يحتوي المجتمع على طاقات كبيرة وفاعلة من أجل استيعاب الكهول الذين يخرجون من الحياة وهم دون الصفر وبحيث يقدمون نموذجاً مقبولاً للشباب الفلسطيني من أجل استمرار روح المقاومة، وحتى مع تراجع القدرة المؤسسية على استيعاب الأسرى فإن اسرائيل ما زالت تواجه الحس البطولي الذي يترجم نفسه بالقصص الملهمة التي تمنح جانباً من القدسية الملحمية للأسير، فتتوارد القصص عن تهريب النطف خارج القضبان لتزرع في الحياة طفلاً لم يتمكن أبواه من مجرد العناق العفوي البسيط.
الحرب بالرمز هي ما يرد به الأسرى الفلسطينيون اليوم، فإذا كانت اسرائيل تقدم الإنسان المحطم والذي يخرج من الحياة صفراً في منجزاته الشخصية لتعزز من حالة الأنانية لدى جيل جديد من الفلسطينيين، فإن الأسير الفلسطيني يقدم الرمز المقابل والذي يفضح ممارسات اسرائيل التي تنتمي لعصور الممارسات الفاشية والعنصرية التي أصبحت تنتمي إلى تاريخ ظلامي يحاول العالم تجاوزه، ولذلك فإن المعركة التي تجري اليوم بين عزيمة المضربين عن الطعام من الأسرى في مواجهة منظومة القمع والتخويف الاسرائيلية لا تقتصر على الزنازين الصغيرة وإنما تتسع في آفاقها لتشمل العالم بأسره، وتقدم الأسير مروان البرغوثي بوصفه المعادل الموضوعي لنيلسون مانديلا، وهو الأمر الذي بدأ يمثل تهديداً حقيقياً لاسرائيل.
الشباب الفلسطيني المقصود بسياسة التخويف من الأسر المجاني الذي يحمل مظاهر إخصاء احتمالات الحياة الكريمة ووأد الأحلام الشخصية ويحرض الدافع الأناني ليس وحده المستهدف اليوم في حرب الرموز بين الأسير المجرد من كل شيء والذي يدخل المعركة بأمعائه الخاوية، فقطاع واسع من الشباب الإسرائيلي سيجد نفسه في موقع العزل الأخلاقي في المجتمعات التي يتماس معها، وسيجد نفسه يحمل على كتفيه ميراث الكهنة والحاخامات القدامى الذين دفعوا بالسيد المسيح إلى الصليب، وسيجد نفسه مضطراً لأن يردد وبكثير من الاستجداء والتهالك النفسي مونولوجات شايلوك الشكسبيرية.
ويتواصل التقصير مع الأسرى، كما أن عمليات الدعم والإسناد التي كان يفترض أن تتدفق من الدول العربية تغيبت وتراجعت، فإن الإعلام يقف اليوم في صورة المتفرج وكأنه ينقل بحيادية مجموعة من الأخبار التي لا تمثل له أي قيمة معنوية، فبينما يفترض أن تتزنر الشاشات الفضائية العربية بما يعني التضامن مع الأسرى، وأن يتكاثف حضور قضيتهم في وسائل الإعلام، فإن الأداء الرسمي والإعلامي وحتى الشعبي يبقى دون المستوى المطلوب، وكأن رياح الربيع العربي حملت معها جرثومة اللا مبالاة وعقيدة قارب النجاة الذي يحاول الجميع اللحاق به ونسيان وجوه الغرقى ومعاناتهم وصرخاتهم من أجل التهرب من ضريبة تأنيب الضمير.
ربما القيادة الفلسطينية ما زالت تقف بعيدة عن المستوى المطلوب تجاه قضية الأسرى، ولكن لا يتوقع الكثيرون أن تستطيع السلطة الفلسطينية بتركيبتها الحالية أن تمتلك القدرة على مجاراة طموح الإضراب المفتوح للأسرى في السجون والمعتقلات الاسرائيلية، ولكن ذلك لا ينفي المطالب بألا تتيح السلطة الفرصة لأي أحد من أجل اجهاض الزخم الرمزي والنضالي لإضراب الأسرى كما فعلها من قبل سري نسيبة عند توقيعه اتفاقية التعاون الأكاديمي والثقافي مع رئيس الجامعة العربية في الوقت الذي كان المجتمع الأكاديمي البريطاني يتوجه لتطبيق عقوبات تجاه جامعات اسرائيلية احتجاجاً على سياسة التجهيل الاسرائيلية تجاه الفلسطينيين.
لم يكن أحد يستمع للفلسطينيين عندما كانوا يتحدثون عن اسرائيل في صورة المغتصب والمعتدي، فحمى التعاطف مع اليهود بعد المحرقة جعلتهم في دور الضحية، وبعض المتحمسين اعتبروهم رسلاً للحضارة الغربية من أجل تمدين الشرق المتخلف والتائه عن طريق الحداثة، والبعض اعتبر المحنة الفلسطينية وكأنها أعراض لكارثة طبيعية أو مجاعة نتجت عن انحباس المطر وليست نتيجة عملية تهجير غير قانوني وغير مشروع وغير أخلاقي لمصلحة مهاجرين قادمين من بلدان وثقافات أخرى يحملون تراثاً دينياً كهنوتياً منبوذاً من أوروبا العلمانية والحداثية، واليوم فإن العالم يلتفت للمعاناة الفلسطينية مع الصرخة الصامتة من الأسرى وأمعائهم الخاوية وجوعهم الذي يدين الضمير الإنساني، وفي الوقت نفسه يشهد تساقط الأقنعة الدعائية عن اسرائيل ويظهر وجهها العنصري والعصابي ويؤكد استمرار الضغينة التوراتية وتجذرها في الشخصية الإسرائيلية التي اضطرت لاستدعاء كل ذلك الماضي الدميم من أجل البحث عن هوية معاصرة تلملم شتات هذه الشعوب المختلفة في شخصية قومية واحدة.
لذا يجب على مناصري القضية الفلسطينية سواء من خلال الالتزام القومي أو الإنساني أن يساعدوا الأسرى اليوم على أن يواجهوا السادية الاسرائيلية.
كاتب أردني

إضراب الأسرى.. تضاريس الجوع الفلسطيني

سامح المحاريق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية