عند تجريب مكبّر الصوّت في حفل ما قد يَقول السّاهر على أجهزة الصوت وهو يجربها: واحد، اثنان، ثلاثة. إنّه عمل بسيط وقد يكون مألوفا ويمرّ دون ملاحظة الجمهور؛ لكنّ هذا العمل يعدّ من وجهة النّظر اللسانيّة حدثا عَلاميّا كبيرا، ولا سيّما عند من يرصدون حياة العلامات وكيفيّات عملها، وقد يكون حدثا دلاليّا رمزيّا عند العميقين من الشعراء.
يفرّغ من يجرّب مضخّم الصّوت تلك العلامات العدديّة من مدلولها القديم و يشحنها بمدلولات جديدة ولنكون أكثر دقّة سنقول إنّه يجعل المدلول القديم دالاّ لمدلول جديد. فالواحد وأخواته من الأعداد لم تُفرغ تماما من دلالتها فهي ما تزال تدلّ على الأوليّة والثانويّة والثالثيّة، ومَا تزال ترتّب الترتيب المفيد الذي لها من الأصغر إلى الأكبر. صارت تعني عند المجرّب أصواتا يراقب بها جودة الآلة يمكن أن يعوَّضها بأيّ صوت آخر كأن يقول: (ألو، ألو، ألو) أو يقول أيّ كلام آخر، المُهمّ فيه أن يرى به جاهزيّة آلات الصّوت. وأيّ كلمة تقال في هذا السياق تبطل دلالتها الأصلية التواضعية الأولى أو تتراجع لتحلّ محلّها دلالة جديدة وهي ههنا: جهاز الصوت يشتغل بشكل رديء أو جيّد هذا هو معنى (واحد، اثنان، ثلاثة).
لمحمود درويش نصّ في مجموعته «أثر الفراشة» (ط. رياض الريس ، ص 99 ـ 100) عنوانه: «واحد، اثنان، ثلاثة» تُفرغ منه على هذا النّحو دلالة هذه الأعداد الأصليّة وتُشحن بدلالات جديدة. يروي النصّ حكاية ممثّل نسي دوره الذي حفظه وحين وقف أمام الجمهور لم يبق في ذهنه إلاّ «واحد، اثنان، ثلاثة» التي سمعها من مهندس الصوت وهو يجرّب المصد : جاء في طالع النصّ:
صعد الممثّل إلى خشبة المسرح مع مهندس
الصوت: واحد، اثنان، ثلاثة، توقّف!
سنجرّب الصوت مرّة ثانية: واحد، اثنان،
ثلاثة، توقّف! هل تفضّل قليلا من الصّدى؟
وجاء في آخر النصّ:
.. وفي المساء، حين
امتلأت القاعة بالمشاهدين ورفعت الستارة،
وقف واثقا من سلامة الصمت.. نظر
إلى الصفّ الأمامي، وتذكّر نفسه جالسا
هناك، فارتبك. نسي النص المكتوب
وتبخّر النصّ المرتجل.. ونسي المشاهدين
واكتفى بتجريب الصوت: واحد، اثنان، ثلاثة
ثمّ كرّر: واحد، اثنان، ثلاثة.. حتّى
أغمي عليه وضجّت القاعة بالتصفيق
مقطع (واحد، اثنان، ثلاثة) هو المقطع الذي يتكرر في النصّ يعيده الممثل مع مهندس الصوت ويكرّره أثناء العرض المسرحيّ في خروج اضطراري عن النصّ سببه نسيان النص الحقيقي. حين يكون الممثل مع مهندس الصوت يكون لـ(واحد، اثنان، ثلاثة ) دلالة جديدة هي التي رأيناها أعلاه وتتراجع تلك الدلالة من جديد لتُحشى العبارة بدلالة أخرى، فحين ينسى الممثل النص يكون لها معنى آخر مثل: سيأتي النص، سيأتي النص، سيأتي النصّ.. ولكنّ الذاكرة تنساه ولا تجود به حتّى يغمى على البطل من فرط الإجهاد وعبث التكرار، وعندئذ يكون ذلك بمثابة نص جديد مشبع بالدلالات الرمزية حول تعثّر البدايات وانقضاء الوقت ونحن نجرب البدايات، أو نمهّد لها، وكيف أنّ التمهيد يصبح هو البداية والمتن والنهاية؛ إنّها حياة تقف عند العتبات؛ التكرير فيها هو الجوهر وما دونه العرض، أو قل إنّ الأعراض تصير جواهر. هكذا يمكن أن يفهم المتفرّجون( واحد، اثنان، ثلاثة) لذلك انخرطوا في التصفيق في أكبر عمليّة سوء تفاهم يمكن أن تحدث على خشبة المسرح.
يصبح العدد علامة أخرى لا تعيّن ما كانت تعيّنه من أرقام، لأنّها ستنخرط في نظام علامي جديد يكسبها الاستعمال في مجتمع ما أو ثقافة معيّنة مدلولا جديدا سيصبح (واحد، اثنان، ثلاثة) لغة في هندسة الصوت، وحين يروج هذا الاستعمال بهذا الشكل في هذا الميدان، يمكن أن تصبح العلامة أسطورة جديدة بالمعنى الذي ذكره رولان بارت في «ميثولوجيات». فلقد اعتبر بارت الأساطير علامات موجودة في الكلام اليوميّ، وفي أيّ علامات أخرى نصادفها أو تصادفنا في حياتنا اليومية، كالصور الإشهارية، والثياب التي نرتديها يوميا أو في المناسبات أو حتى في تحيات الصباح والمساء وفي الأكل وغيرها. ويرى بارت أنّ الأساطير بهذا المعنى (الأساطير الجديدة) أبرز ما يميّزها أنّها تحوّل المعنى إلى شكل، وأنّها إن وردت في الكلام العادي فإنّها تكون «سرقة للغة» فهندسة الصوت سرقت الأرقام وسلبتها دلالتها القديمة وأعطتها دلالة تجريبية في نظامها. وسوف يسرق الممثل هذا الترميز الجديد (الأسطورة الجديدة) من نظام الهندسة الصوتية ليكسبها دلالة جديدة في النصوص المسرحية المهمّ أن (واحد، اثنان، ثلاثة) تستلب في النص دلالتها وتكتسب وهي علامات لغوية هويّة علامية جديدة.
(واحد، إثنان، ثلاثة) يمكن أن تكون ذات دلالة خُطَاطية فهي على درجة كبيرة من التجريد لأنّها تفترض دلالات شتى غير دلالتها المألوفة على ترتيب صحيح للأعداد في ميدان الحساب، وفي سيرورة النطق بها تباعا. كلّ واحد من الجمهور الحاضر افتراضا في النصّ قد يفترض دلالة ما لقول الممثّل الواقف بين عتبة التذكر والنسيان (واحد، اثنان، ثلاثة) ولا أحد يستطيع أن يتكهّن بما يدور من دلالات في أذهان أيّ متفرّج في المسرح. وحين نقرأ النصّ سنجد أنفسنا نعطي (واحد، اثنان، ثلاثة ) دلالات أخرى غير تلك التي شحنها فيها الجمهور لأنّنا نعرف أكثر ممّا يعرفه الجمهور: نعرف حقيقة نسيان الممثل الدّور والوهم الذي فيه الجمهور وهو وهم يدور حول إسناد دلالة جديدة لعلامة قديمة. في المسرح يحضر الجمهور للمشاهدة ويحضر الممثل للعرض وعندها يصبح كل شيء دالا، فعلى الرّكح يولد الرمز وأطرافه جميعا ويصبح الممثل مولّدا للرمز وتصبح الرسالة مضمونَ الرمز ويضحى الجمهور الطرف الذي يفكك الرّمز. ليس الرمز صعبا فيكفي أن تعيد تعبئة علامات مألوفة دارت في سياق ما دورانا عاديّا وتشحنها شحنا جديدا حتى تكسبها حياة جديدة تلك هي حياة العلامات الثانية.
لكن عند قراءاتنا للنصّ ستكون لدلالة (واحد، اثنان، ثلاثة) معان أخرى هي من فعل القراءة لا من فعل الفرجة، لأنّنا سنقرأ «حقيقة» (واحد..) لا ما قَرأه الجمهور الممثّل عليه؛ نحن سنقرأ أنّ الممثّل يعيد تقمّص دور مهندس الصوت ولا يتقمّص دوره الحقيقيّ وعندئذ يكون لـ(واحد، اثنان، ثلاثة) دلالة أخرى غير التي قيلت على لسان مهندس الصوت: هي تمثيل دور مهندس الصوت وهو يقول حقيقة (واحد..) أي سيكون لـ(واحد، اثنان، ثلاثة) إنجاز حقيقي وإنجاز مُحَاكٍ وكانت العبارة قبل هذا إنجازا واحدا. وسنقرأ دلالة الأعداد عند الجمهور قراءة مزدوجة بين حقيقتها والرموز التي يحمّلونها إيّاها عبثا.
لكن من سيقول للجمهور إنّهم واهمون؟ ومن قال إنّنا نحن أيضا لســنا واهمين؟ نحن نعتقد أنّنا نملك الحقيقة ولكنها حقيقة بسيطة عن ممثل لا يمثّل ويعتقده الناس يؤدّي دوره بنجاح؛ حقيقة عن جمهور يصفّق لشخص غاب عن وعيه؛ والحقيقة كلها تدور في عالم قدّت سطوره من طبقات من الخيال الفنّي يمكن عدّه عدّا لانهائيّا يبدأ بـ (واحد، اثنان، ثلاثة) وهلمّ جرّا.
٭ أستاذ اللسانيّات في الجامعة التونسية
توفيق قريرة