لأقل بدءا إنّ هذا النصّ ليس لي فيه من فضل سوى تقديمه لقرّاء «القدس العربي»، وتحديدا لأيّ ناشر عربي يعنيه أمر المخطوطات العربيّة المركونة في المكتبات الخاصّة والعامّة، العربيّة والأجنبيّة. وما أزال أتذكّر بصفاء كبير، مخطوطات عربيّة ثمينة في بيت السيّدة سيغريد كاهل ابنة المستشرق السويدي نوبورغ. كان ذلك عندما استضافتنا في بيتها في «انشوبينغ» قرب ستوكهولم؛ بمناسبة انعقاد أوّل ملتقى شعريّ عربيّ سويدي عام 1984(وأظنّه الأوّل والأخير). ثمّ علمت منها قبيل وفاتها أنّها أهدت المخطوطات إلى دار الكتب المصريّة بالقاهرة، وإلى المكتبة الوطنيّة بتونس، وإلى مكتبة بالقدس. العام الماضي أطلعني زميلي في قسم الفلسفة رمضان بن منصور، على جزء من عمل كان بصدد إنجازه وتحقيقه أو إعادة تخريجه، وسألني، لحسن ظنّه بي بعد أن قرأ مقالا لي في «القدس العربي» عن ابن رشد؛ ما إذا كان هناك ناشر يقبل بنشره. وحاولت، ولكن دون جدوى؛ فللناشرين اليوم هموم ومشاغل أخرى. وقلت له: كلّ ما أقدر عليه أن أقدّم عملك في هذا المنبر، «القدس العربي»، عسى أن ينتبه إليه أحد الناشرين الجادّين.
العمل هو»مقالة اللاّم» وهي المقالة الحادية عشر من كتاب ما بعد الطبيعة، أسُّ القول الميتافيزيقي الأرسطي في الحقبتين: الهلينيّة اليونانيّة والعربيّة الإسلاميّة المبكّرتين. وقد عدّها كلّ من الإسكندر الأفروديسي وهو أحد أشهر الفلاسفة المشّائين الأرسطيّين، عاش ما بين القرنين الثاني والثالث ميلادي، وابن رشد؛ البداية الفعليّة لميتافيزيقا المعلّم الأوّل. وجاء في الفهرست لابن النديم أنّ الإسكندر الأفروديسي فسّر هذه المقالة، التي نقلها إلى العربيّة أبو بشر متّى ابن يونس. ويُفهم من إشارة للفارابي في»الإبانة» أنّ الأفروديسي اقتصر على جزء منها، أو ما قد يكون غمض منها ودقّ. ومن المفيد أن نشير هاهنا إلى أنّ التفسير كان يعني قديما التأويل، وليس الشرح. وفي «شرح أدب الكاتب» للجواليقي: التأويل هو التفسير؛ وهو ردّ فرع إلى أصل، واشتقاقه من آل يؤول؛ إذا رجع. فإذا قيل أوّلت كذا، فمعناه ردَدتْه إلى أصله. وقال بعضهم: أصل التأويل من الإيالة وهي السياسة؛ فكأنّ المتأوّل للكلام سائسه وواضعه موضعه. وأقدّر أنّ هذا ما قام به زميلنا رمضان بن منصور، وهو يتقصّى بلغة مفهوميّة (من المفهوم) صارمة، مختلف النصوص الفلسفيّة التي تدور في فلك مقالة اللام. على أنّ مصطلح التأويل نفسه ذو سياق مضلّل مراوغ، وقد يكون قرين «التأصيل» ما أخذنا بالاعتبار جذر كلّ منهما:»أ.و.ل» و»أ.ص.ل». والتأصيل عوْد إلى أصل ومبتدأ وجوهر، أو هو عوْد عليها.
وعلى أهميّة التفسير/ التأويل الذي وضعه الإسكندر في تدبّر فهم القدامى لعبارة أرسطو الغامضة في القول الميتافيزيقي، فإنّ ضياع التفسير في لغته اليونانيّة الأصليّة، وفقدان الترجمة العربيّة القديمة التي وضعها أبو بشر متّى؛ هو، كما يقول زميلنا، ممّا حجب عن أهل الصنعة من المتخصّصين في الفلسفة الأرسطية والفلسفة العربية، غربا وشرقا، كثيرا من المعطيات التاريخيّة في إدراك التطورات اللاحقة على علوم ما بعد الطبيعة. أمّا اليوم، فقد حُقّق في الغرب الأنغلو ـ ساكسوني تفسير الإسكندر لكتاب ما بعد الطبيعة لأرسطو ونُشر؛ ما عدا «مقالة اللام» المفقودة في أصولها اليونانية كما سلفت الإشارة.
ولكنّ تفسير ما بعد الطبيعة لابن رشد، كان أشبه بطرس يحتفظ بأثر من أصل؛ فهذا الفيلسوف الفذّ يسوق كلاما على اللفظ، هو مقتبس حرفيّا من تفسير الإسكندر (الترجمة العربية المفقودة اليوم) الذي استند إليه أبو الوليد بداية من توطئته في تفسير هذه المقالة. إن مهمّة جمع هذه الشذرات، التي تغطي الفصول السبعة الأولى من جملة عشرة فصول تؤلف جميعا مقالة اللام، على غاية كبيرة من الأهمية ليس فقط لاستكمال النشرة المعاصرة لتفسير الإسكندر لكتاب ما بعد الطبيعة لارسطو فحسب؛ وإنما أيضا لجسر الهوّة بين الفلسفة اليونانية والفلسفة العربية، أو إعادة عقد الصلة بينهما، مما يقود كذلك للكشف عن جذور بعض التصوّرات الرشديّة التي تبدو غير مفهومة إذا ما لم نقرأها في سياق ما يذكره الإسكندر الأفروديسي.
وللأفروديسي مؤلّفات شتّى أكثرها مفقود مثل الكتب المنطقيّة: كتاب أنالوطيقا الثانية لأرسطوطاليس، وتفسير كتاب طوبيقا والكتب الطبيعيّة: شرح تام لكتاب السماع الطبيعي لأرسطو، وتفسير بعض المقالة الأولى من كتاب السماء والعالم لأرسطو، وتفسير كتاب الكون والفساد لأرسطوطاليس، وتفسير كتاب الآثار العلوية لأرسطوطاليس، وكتاب النفس، ومقالة في الفرق بين الهيولى والجنس، ومقالة في الردّ على من قال إنّه لا يكون شئ إلاّ من شئ، ومقالة في أن الإبصار لا يكون إلاّ بشعاعات تنبث من العين والردّ على من قال بانبثاث الشعاع، ومقالة في اللون وأي شئ هو على رأي الفيلسوف، ومقالة في الماليخوليا، ومقالة في الردّ على جالينوس في الزمان والمكان، ومقالة في الردّ على جالينوس فيما طـعـن عـلــى قول أرسطوطاليس إن كلّ ما يـتـحرّك فإنما يحرّك عن محرّك…
هذا التخريج أو «التحقيق» أو إعادة تحقيق التفسير، الذي قام به الأستاذ بن منصور على أسس علميّة مثل الاستئناس بالنسخة الوحيدة لمخطوط تفسير مقالة اللام لابن رشد، وهي تحتوي على أغلب شذرات تفسير الإسكندر الأفروديسي في مكتبة جامعة ليدن بهولندا، وتفسيرالأب موريس بويج، المنشور عن دار المشرق البيروتية سنة 1967، وغيرها ممّا هو فصّل فيه القول في مقدّمته؛ ممّا ييسّر لنا نحن العرب قبل غيرنا أن نعود إلى قراءة أمّهات النصوص الفلسفية الفارابية، والسينوية، والرشدية، في سياق تاريخ الفلسفة الكوني بكلّ ما يعنيه من تطور المعارف الفلسفية النظرية منها والعملية؛ بدءا بأثينا فبغداد فقرطبة. ومن هنا مأتى قيمة هذا العمل « تفسير مقالة اللام» الذي يعود تقريبا إلى ما بين نهاية القرن الثاني وبداية القرن الثالث ميلادي. وهو بهذا التاريخ يأتي قبل تلخيص تامسطيوس للمقالة نفسها في القرن الرابع ميلادي. أمّا بالنسبة إلى تيوفراسط، وهو أحد تلامذة أرسطو وأحد أوصياﺋﻪ على دار التعليم بعده في القرن الثالث قبل الميلاد، فتذكر كتب التراجم أنّ له كتابا في ما بعد الطبيعة من تأليفه الخاص وليس شرحا أو تلخيصا لكتاب الميتافيزيقا لأرسطو.
أمّا الناحية الأخرى الجديرة بالاعتبار، فهي تأثير تفسير اﻹسكندر في تفسير ابن رشد، لا لمقالة اللاّم فحسب، وإنما أيضا لبقية المقالات السابقة عليها. والفهم الذي أثبته اﻹسكندر لعبارات أرسطو مقارنة بما فهمه المشّاؤون، مثل تامسطيوس، ونيقولا الدمشقي، وابن سينا، هو في أغلب الأحيان الأقرب لتعاليم الفلسفة الأرسطيّة كما يبيّن الأستاذ بن منصور . لذلك كان فهم تفسير مقالة اللاّم لابن رشد يقتضي بالضرورة، حسب رأينا، الاطلاع على تفسير اﻹسكندر خاصة فيما يتعلق بمساﺋل مثل كيفية تقدّم مقولة الجوهر على بقية المقولات؟ ماهية الجزء الخالد في الإنسان: هل هو العقل المكتسب أم العقل الهيولاني؟ وكيفية وقوع العناية الإلهية: هل هي بالنوع أم بالعدد؟
إنّ تفسير الإسكندر يتعلّق بمتن مقالة اللاّم؛ ممّا اقتضى من المحقّق أن يعود إلى كلام أرسطو (المشار إليه بلازمة قال أرسطو) وأن يشفع ذلك بإيراد تفسير الإسكندر تماما كما هي عادة ابن رشد في التفسير. وسعياً منه إلى تسهيل عودة القارئ إلى النص الأصلي، وهو تفسير ما بعد الطبيعة لابن رشد، أثبت على رأس كل قول لأرسطو ترقيما يفيد أوّلا رقم الفقرة، ثمّ ثانيا رقم السطر، ثمّ ثالثا رقم الصفحة المثبتة جميعها في النصّ الأصلي. إضافة إلى التمييز بين كلام أرسطو وتفسير الإسكندر؛ فقد عمد المحقّق إلى تقسيم المقالة المحققة إلى سبعة فصول؛ يحمل كلّ فصل منها عنوانا يؤدّي مضمون ما قاله أرسطو. علما بأنّ الترتيب الذي أنجزه المحقّق للفصول والعناوين، إنّما هو مطابق لتحقيق تريكو لكتاب ما بعد الطبيعة.
وما يُحمد للمحقّق المقدّمة التحليليّة التي صدّر بها العمل حيث فكّ استشكالات الفصول، وأوضح التباس العبارات وغموضها؛ سواء في نص أرسطو أو في تفسير الإسكندر. ولقد بلغ غموضها إلى حدّ تشكّي ابن رشد نفسه منها في مواضع عديدة كما يذكر الأستاذ. وعسى أن ينتبه أحد ناشرينا العرب إلى هذا العمل؛ عسى أن ندرك أنّ المقارنات المعروفة بين أرسطو، والإسكندر، وابن رشد، تحتاج إلى قدر غير يسير من التدبّر وإعادة النظر وحسن التأتّي. فلم يكن العرب القدامى كلّهم عيالا على الفلسفة اليونانيّة، بل هناك إضافة إلى ميتافيزيقا أرسطو وغيرها. ومثل هذا العمل محاولة محمودة لربط حلقات تطوّر الميتافيزيقا من أرسطو إلى ابن رشد مروراً بالإسكندر، في ظرف تاريخيّ دقيق، يُفترض فيه أن نعود إلى تراثنا وعليه؛ عسى أن ندرك أنّ الأمر قد لا يتعلّق عندنا بتاريخ وعي ذواتنا، وإنّما إبداعها أيضا.
كاتب تونسي
منصف الوهايبي