في أواخر تموز/يوليو الماضي، حذّر السيد حسن نصر الله رئيس الحكومة تمام سلام من مغبّة تلويحه بالإستقالة، ودعا «تيار المستقبل» للاستجابة إلى مطالب تيار العماد ميشال عون الحكومية، وقصد السيّد كما بيّنه في الحالتين ضرورة الحفاظ على الحكومة في الوضع الحالي.
يوم أمس، ردّ السيد على تلويح وزير الداخلية نهاد المشنوق بانسحاب «تيار المستقبل»، بأنه، وللقصد نفسه، أي الحفاظ على الحكومة، يرفض الابتزاز، وبالتالي «اذا شعرتم بالاحراج والمنّة ببقائكم في الحكومة فالله معكم، واذا قررتم البقاء فأهلاً وسهلاً».
شهران ونصف بين التلويحين بالاستقالة، وبين الموقفين لنصر الله.
طوال هذين الشهرين، كانت المطالبة باستقالة الحكومة، أو تحديداً استقالة وزيري البيئة محمد المشنوق والداخلية نهاد المشنوق، من المطالب التي رفعها التحرك الاحتجاجي للشباب اللبناني الذي عُرف، على خلفية أزمة النفايات، باسم «الحراك». «المشنوقان»، رفضا وبشكل قاطع، اعارة أي انتباه لهذا المطلب. اعتبرا عنادهما تحقيقاً، وتجسيداً، لمفهوم الدولة. ساهم ذلك بمزيد من تخلّع هذا المفهوم، وبإيهام شريحة من الشبيبة بأنّ السلطة هي نهاد المشنوق، وأنّ نهاد المشنوق هو السلطة. لم يأت الوهم من عبث طبعاً، فالسهم المتواضع للمشنوق في السلطة الفعلية تعامل معه، هو قبل غيره، كما لو أنّه السلطة كلّها، أو أقلّه، حامي السلطة والنظام السياسي والنظام العام كلّه. بقي أن سلطة خرطوم مياه تفريق المتظاهرين، والقنابل المسيّلة للدموع، واحالة الموقوفين للقضاء العسكري بدلاً من المدني، هي سلطة فاقدة لأساس السلطة: الإمْرَة. يمكن أن تستخدم السهم الذي لك في السلطة التنفيذية بشكل فظّ، لكن الفظاظة لن تجعل بالضرورة سهمك سهمين، وفي كل الحالات لن توطّد لك الإمرة.
في المقابل، أظهر السيد حسن، بين تحذيره في أواخر تموز لسلام من مغبة التلويح بالاستقالة، وبين قولة «الله معك» للمشنوق و»تيار المستقبل»، لمن الإمرة. «الأمر لي» في جعلك فعلاً تستقيل أو لا تستقيل، في جعلك تحكم أو لا تحكم. لا يعني ذلك أنّ السيد هو الحاكم، لا. الإمرة له، لا السلطة. أما السلطة، السلطة التنفيذية، فسواء تواضعت، حا ل تمام سلام، أو تشاوفت، حال نهاد المشنوق، فهي في الحالتين، سلطة بلا إمرة.
يشارك «حزب الله» في السلطة التنفيذية التي للحكومة، لكنّ بما يضمن «عدم تطاول» السلطة على الإمرة. في المقابل، ولو تسلّط وزير في الحكومة من خارج حصة «حزب الله» فيها، فإنّ تسلّطه سيبقى «فقاعياً» في خاتمة التحليل، تسلّط هش، تسلّط بلا إمرة.
والإمرة التي يحرص السيد حسن نصر الله على تذكير الغافلين، والمغفلين، بأنّها لحزبه، وأنّها له، ليس لديها ما تخشاه من تسلّط بلا إمرة، بالعكس. تسلّط بلا إمرة يمارسه وزير الداخلية يسهم باظهار إمرة الحزب التعبوي المسلّح، والمتدخل في الحرب السورية، على إنها إمرة بلا تسلّط، إمرة رشيدة، وإرشادية، سلطة أبويّة عليا، فوق نظام الحكم، فوق الجميع، وفي الوقت نفسه مظلومة، ومستضعفة، ومتجرّدة.
الوهم الذي أكل الكثير من رصيد الحراك المدني الشعبي في هذه الفترة كان وهم الاشتباك مع «السلطة». وهم الاشتباك مع سلطة بلا إمرة. اعتقاداً بأن تسلّط الوزير هو تسلّط صاحب الإمرة. اعتقاداً بأنّ الحكومة تشارك بها معظم الأطراف السياسية، اذاً هي السلطة المركزية لـ»الطبقة السياسية» جمعاء، التي يراد مقاربتها بالشعار النافع تعبوياً للحظة، العديم المنفعة توصيفاً للتركيبة اللبنانية وتأثيراً ايجابياً على اصلاح حالها، شعار «كلن يعني كلن». فاذا كانوا كلهّم – باستثناء حزب «القوات اللبنانية» – يتشاركون في الحكومة، فهناك حزب واحد هو صاحب الإمرة، «حزب الله». واذا كانوا «كلّهم» يتشاركون في سلطة تنفيذية بلا إمرة، فهذا يعني أيضاً أنّ لا سلطة مركزية بالمعنى الحقيقي للكلمة، أو لنقل، في ترتيب آخر، أنّها «سلطة مركزية هامشية»، على هامش الإمرة. جواب صاحب «الإمرة» على صاحب «الداخلية» جاء من هذه الناحية إمعاناً في إظهار تلك الهامشية. في المقابل، موقف الدكتور سمير جعجع، الذي لا يشارك في الحكومة، السلبي جداً من المشروع النووي الإيراني، والمحذّر من تبعاته الوخيمة على لبنان، جاء يظهر مركزاً جديّاً لمواجهة الإمرة، لكن هنا، من خارج السلطة «المركزية الهامشية».
كم هي مسيئة مصطلحات «الطبقة سياسية» و»السلطة» التي ظلّت تعترض تثمير الطاقة الاحتجاجية الشبابية بشكل برنامجي، تفكيكي، ضد التركيبة الجاثمة فوق صدور اللبنانيين. كم هي مسيئة لأنها لا تفقه مغزى سلطة بلا إمرة وإمرة خارج وفوق السلطة.
سهل أن تجمع كل أخصامك في مركز واحد في ذهنك، أو على لسانك. سهل أن تثبت لنفسك تواطؤ كل أركان التركيبة السياسية الفوقية، الأوليغارشية، على عامة الناس. لكن الواقع ينبذ هذه السهولة. الواقع يجعل السلطة المركزية القائمة حالياً في لبنان بلا مركز داخلها، وبمركز مسلّط فوقها، بإمرة من خارجها، وبمركز منادد لهذه الإمرة، أيضاً خارج الحكومة.
صحيح مع ذلك أنّ كل هذه التركيبة متواطئة ضد مصالح العدد الأكبر من الناس، لكنه تواطؤ دفين، بلا قوام. كان ماكس فيبير يقول ان «السلطة مفهوم لا شكل له سوسيولوجياً». وبهذا المعنى، ثمة تركيبة فوقية متواطئة بين مراكزها المختلفة ضد العدد الأكبر من الناس، وتمثّل ككل «سلطة لا شكل لها»، سلطة سائلة، سائبة، تتجاوز ثنائية السلطة التي بلا إمرة، والإمرة التي فوق السلطة. لكن هذه السلطة التي لا شكل لها، أبعد ما تكون عن التمركز في واقع حالها. هي من حيث تدري أو لا تدري سلطة لامركزية. كل ما ينبغي فعله هو دفعها لتعترف بما هي حقاً عليه.
فبدلاً من سلطة حكومية مركزية وهامشية، وإمرة حزب الله، غير تسلّطية لكن «تسلبطية»، وبدلاً من تركيبة متواطئة أوليغارشية جماعية تتناقض مع المصالح الحياتية للعدد الأكبر من الناس، تبرز الحاجة إلى تفكيك نموذج الدولة الذي يسمح بكل هذا في نفس الوقت، ما يعني اعادة تركيبه، بحيث تصير حالته المخلّعة المراكز، والتي ترفض نفسها حالياً، حالة تقبل نفسها، بشكل مريح.
في لبنان، السلطة المركزية هامشية. إذا أرادت أن تخرج من هامشيتها وجب عليها تخفيف مركزيتها بشكل حاسم، ومصادق لواقعها الحالي.
وفي لبنان، الإمرة تهمّش السلطة، بما في ذلك حصّتها من السلطة، أو سلطة صاحبها هي. فالتغلّب الفئوي له الإمرة لكن إمرته تعني في الوقت نفسه لا استقراره، وليس فقط لا استقرار التركيبة أو الكيان.
٭ كاتب لبناني
وسام سعادة