إنه وقت المقاومة وليس التهدئة

حجم الخط
2

■ الثورة الفلسطينية حقيقةً انطلقت في منتصف ستينيات القرن الماضي، عندما استشهد كل من محمد وسعيد اليماني (الاخير شقيق القائد المرحوم أبو ماهر اليماني) وخالد أبو عيشة من حركة القوميين العرب في الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني عام 1964. الحركة أرسلت أعضاء من الحركة لمصر في عهد الرئيس عبد الناصر، وإلى معسكر أنشاص تحديداً في أواخر الخمسينيات من القرن الزمني الماضي للتدريب، استشهد الثلاثة المذكورين على الأرض الفلسطينية أثناء عودتهم بعد تنفيذ عمليات عسكرية. بذلك تبنّت الحركة نهج الكفاح المسلح من أجل تحرير فلسطين بدون الإعلان الرسمي عن ذلك. في أول يوم من عام 1965 أعلنت حركة فتح رسمياً انطلاقتها وبدء الثورة الفلسطينية والكفاح المسلح، من أجل تحرير فلسطين. العمليات العسكرية ضد إسرائيل آنذاك وضمن الإمكانيات المتواضعة للحركتين، والحراسات العربية الشديدة للحدود مع دولة الكيان، كانت قليلة نسبيا. الانطلاقة الرسمية للثورة الفلسطينية المعاصرة كانت حقيقةً بعد هزيمة عام 1967، فتحولت حركة القوميين العرب إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التي تألفت منها ومن تنظيمين آخرين. وصلت فتح إلى الفصيل الفلسطيني الأول في الترتيب. محمود عباس وكما تقول المصادر من أوائل الذين انتموا لفتح واحتّلوا مواقع قيادية فيها، أي من المفترض أن يكون قد اعتنق أهداف فتح وتبنى مبادئها. صحيح أن تغييرات سياسية عديدة طرأت على الساحة الفلسطينية في تبني برنامج النقاط العشر في دورة المجلس الوطني الفلسطيني في القاهرة عام 1970، ولكن رغم اتفاقيات أوسلو وتشكيل السلطة الفلسطينية، إلا ان الذراع العسكرية لحركة فتح «كتائب الأقصى» يقوم بعمليات ضد العدو الصهيوني، إلى أن جاء الرئيس عباس إلى السلطة وأصدر قراراته باعتبار الأذرع العسكرية للفصائل، تنظيمات غير شرعية، وقامت الأجهزة الأمنية للسلطة بجمع السلاح (تحت طائلة السجن لكل من لا يقوم بتسليم سلاحه) مع ضمانة من الرئيس: بأن إسرائيل سوف لن تلاحق المسلحين. (كانت قد وعدت الرئيس بذلك وحنثت كالعادة بوعدها فاغتالت العديد من الناشطين واعتقلت آخرين منهم). في هذه المرحلة فإن من تطلق على نفسها «الأجنحة العسكرية لحركة فتح»من غزة، تقوم بقصف العدو الصهيوني بالصواريخ، وقد وصلت إلى كاتب هذه السطور البيانات التي أصدرتها وما تزال، ومن نشاطاتها أيضا على الشبكة العنكبوتية.
الرئيس محمود عباس وصل إلى عضوية اللجنة المركزية لحركة فتح، وتسلم منصب رئيس الوزراء الفلسطيني في السلطة، ومن ثم وبعد اغتيال إسرائيل للرئيس عرفات عن طريق تسميمه، وصل عباس إلى رئاسة السلطة الفلسطينية، وإلى رئاسة حركة فتح، وإلى رئاسة منظمة التحرير الفلسطينية. الرئيس عباس لا يُخفي إيمانه بأن طريق الوصول إلى الحقوق الوطنية الفلسطينية يتم فقط من خلال نهج المفاوضات. هو يصل إلى حالة عداء مع الكفاح المسلح: يعتبره «عنفاً» وفي بعض التصريحات «إرهاباً». الرئيس عباس يفتخر بأنه مهندس اتفاقيات أوسلو، وقبل توقيعها وكما يُروى: فإنه وفي احدى دورات المجلس الوطني الفلسطيني نظّر لاستراتيجية المفاوضات فقط مع إسرائيل، ونبذ الكفاح المسلح، فأجابه الرئيس عرفات غاضبا على مضمون كلامه، حتى قبل أن يستكمل خطابه أمام المجلس: «اللي تِعبْ يرتاح يا أبو مازن». الرئيس عباس وبعد تجربة واحدٍ وعشرين عاماً من التفاوض مع الكيان الصهيوني، مايزال، يؤمن بها رغم عبثيتها وعُقمها، وزيادة النهم الصهيوني للتنازلات الفلسطينية في جولاتها، عن الحقوق الوطنية، والاشتراطات التعجيزية على الفلسطينيين، حتى في ظل العدوان الصهيوني على شعبنا الفلسطيني ما زال الرئيس يدافع عن «التنسيق الأمني» مع الكيان ويعتبره: ضرورياً ومقدسا، لأنه يمنع الفوضى في الأرض الفلسطينية، كما كان يجري في الانتفاضة الثانية. هذا هو بالنص تصريح حديث للرئيس عباس.
في لقائه مع فضائية الميادين مؤخراً، قال الرئيس «جرّبنا المقاومة المسلحة لكنها لم تَفِدْ». وقال أيضاً «إن موازين القوى في القتال الدائر حالياً تميل لصالح إسرائيل. واستطرد «بالتالي لا فائدة من القتال وكذلك لا فائدة من الصواريخ، فهي تزيد من الخسائر في صفوف الشعب الفلسطيني». كما قال أيضاً بما معناه، ان هناك اتجاراً بالحرب من قبل بعض أطراف الجانبين و..إننا لا نريد الانجراف لمربع العنف مع الاحتلال. قبل اللقاء مع الميادين كانت هناك تصريحات كثيرة للرئيس أبومازن في سياق النصوص والمضامين التي أوردناها قبل بضعة أسطر، ونود مناقشة الرئيس في خطأ وجهة نظره.
بدايةً، فإن شعبنا الفلسطيني ما يزال يمر بمرحلة التحرر الوطني، ويخوض كفاحاً مريراً، ويعيش معاناة فائقة في سبيل إنجاز حقوقه الوطنية. انطلقت الثورة الفلسطينية على أساس تحرير كل فلسطين من النهر إلى البحر. جرى تبني النقاط العشر وكانت اتفاقية أوسلو المشؤومة، وكانت المساومة التي يعتبرونها «تاريخية» على حل الدولتين، الذي تضع إسرائيل العثرات في سبيل تحقيقه، بحيث أصبح مستحيل التنفيذ، فهي ترى الحقوق الفلسطينية في حكم ذاتي هزيل على كانتونات معزولة في الضفة الغربية، مجرّد من أي نوع من أنواع السيادة. وبدواعي الأمن الإسرائيلي واحتياجاته، فإن القوات الاحتلالية الصهيونية لابد أن توجد في كل منطقة الغور مع الأردن (وإسرائيل بصدد بناء جدار جديد عازل على الحدود مع الأخيرة)، ثم إن من حق قوات الاحتلال الدخول إلى مناطق السلطة، كلما اعتبرت ذلك ضرورياً، كل ذلك مع رفض مطلق لكافة الحقوق الفلسطينية، لكن الرئيس عباس مازال يؤمن بحل الدولتين. ومن حيث موازين القوى فإن الحرب الشعبية طويلة الأمد مع الاحتلال (كل احتلال) ليست بحاجة إلى موازين قوى عسكرية متساوية. الفلسطينيون ليسوا دولة ولن يصلوا إلى مستوى متكافئ ومتوازن مع إسرائيل عسكرياً. بالثورة والكفاح المسلح استطاعت كافة قوى التحرر الوطني في آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية، هزيمة محتلي أراضيها ومغتصبي إرادات شعوبها، والوصول إلى الحرية والاستقلال. الكفاح الفلسطيني ليس استثناء رغم فارق الظروف. لو طبقّت كل من الثورة الفيتنامية، والثورة الجزائرية وثورة جنوب افريقيا قانون موازين القوى، لما قامت، ولظلّت هذه البلدان مستعمرة من قبل محتليها. المهم في الثورة أن تحوّل المشروع الاحتلالي إلى مشروع خاسر على الصعيدين البشري والاقتصادي للعدو، حيث يظل ينزف من جسده، حتى الاعتراف بحقوق الطرف الآخر. بأسلحة بسيطة كالصواريخ تستطيع المقاومة الوصول إلى حالة من الردع المتبادل مع العدو والوصول إلى جبهته الداخلية. بالتأكيد نحن ننزف أيضاً، ولكن هذا النزيف والمذابح والاعتقالات والاغتيالات وهدم البيوت والتنكيل البشع تمارسه إسرائيل حتى في ظل التهدئة معها، ولم تتوقف عنه مطلقاً، أكانت هناك مقاومة أم لم تكن، ثم ان الحرية لها أثمان باهظة في سبيل إنجازها، وشعبنا الفلسطيني لم يبخل يوما وما يزال لا يبخل من أجلها. كذلك، فإننا نواجه عدوا استثنائيا في عدوانه المتواصل، عدوا اقتلاعيا عنصريا بشعا، شايلوكيا في تعطشه ونهمه المستمر لدمائنا، عدوا تجاوز النازية والفاشية وكل القتلة في التاريخ، في أساليبه المجرمة ومذابحه المتواصلة ضد شعبنا وضد المفاهيم الإنسانية، عدوا لا يتقن سوى المذابح والقتل وكل ما هو بشع.
المقاومة هي التي حققت الهوية الوطنية الفلسطينية، وإنجازات أخرى كثيرة: اعتراف عالمي بقضية الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة ونضاله العادل في سبيل قضيته وإنجاز هذه الحقوق. لذا فما يجري هو ليس «قتالاً» كلاسيكياً بين دولتين، إنه اعتداء صهيوني وعدوان من قبل الفاشية الصهيونية، شعبنا يرد على هذا العدوان وفعل الاحتلال، وهذا حقه. كل الشرائع والقوانين الدولية والمواثيق الإنسانية، أجازت للشعوب المحتلة أراضيها، مقاومة محتليها بكل وسيلة، بما في ذلك الكفاح المسلح، وللأمم المتحدة قراران واضحان بهذا الشأن. بالتالي، فالمقاومة والرد على العدوان والاحتلال، لا يحمل في طيّاته «تجارة حرب» من قبل البعض الفلسطيني كما اتهم الرئيس هذا البعض من الطرف الفلسطيني. إسرائيل عدوانية وتتاجر بالحروب هي وحلفاؤها، الفلسطينيون يردون على العدوان ويقاومون الاحتلال وهذا من حقهم. وكما أوضحنا من قبل، فالمقاومة ليست «عنفاً» أو «إرهاباً»، بل هي كفاح مشروع، فنحن المحتلة أرضنا. للعلم صواريخ المقاومة هي التي تُرهب الشارع الإسرائيلي، وتحوله إلى حالة من الفزع والرعب التي لم يصل إليها الا على يدي المقاومة، وهي التي تحوله إلى باحث عن الملاجئ، وتمنع هجرة اليهود والمستوطنين إلى دولته، وتزيد من الهجرة المعاكسة منه. كل الشعوب المحتلة تدفع أثمان حريتها. للأسف الرئيس أبو مازن يتصرف وكأنه آتٍ من كوكب آخر، وكأن الرد الفلسطيني هو رد شعب آخر، للأسف هذا ما يحصل.
الرئيس للأسف لم يقم بإقالة سفير السلطة إبراهيم الخريشة في مجلس حقوق الإنسان في جنيف من منصبه، نتيجة منعه من مناقشة تقرير غولدستون في المجلس بعد عدوان 2008 – 2009 على قطاع غزة (مصادر كشفت أن الرئيس هو من اشار على السفير باتخاذ ذاك الموقف.. ولهذا لم يحاسبه، تماما كما يرفض الانضمام حاليا لمحكمة الجنايات الدولية)، ولا نتيجة لتصريحه قبل أيام في المجلس «بان صواريخ المقاومة التي تنطلق باتجاه إسرائيل هي جريمة حرب، وجريمة ضد الإنسانية لانها تستهدف مدنيين»، كما أشاد بإسرائيل، قائلا «ان إسرائيل تحذر سكان غزة قبل قصف البيوت، وبالتالي تتجنب الانتقادات الدولية». كان يفترض في ( أبو مازن ) الانتقال إلى غزة منذ اليوم الاول للعدوان، والبقاء هناك طيلة استمراره، للتواصل مع شعبنا ولكن هيهات.

٭ كاتب فلسطيني

د. فايز رشيد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية