إيران أمام مجلس الأمن: النفاق السياسي الأمريكي في أبشع صوره

نيويورك (الأمم المتحدة) ـ «القدس العربي»: عقد مجلس الأمن جلسة مفتوحة يوم الجمعة تحت بند «الحالة في الشرق الأوسط» لمناقشة الوضع الداخلي في إيران على ضوء المظاهرات التي انطلقت يوم 28 كانون الأول/ديسمبر الماضي، واستمرت لتسعة أيام في أكثر من مدينة وأدت إلى مقتل نحو 22 مواطنا. مندوبة الولايات المتحدة الأمريكية، نيكي هيلي، هي التي دعت لعقد الجلسة. وحاول المندوب الروسي تعطيل عقدها بالدعوة إلى عقد جلسة مشاورات مغلقة قبل الموعد الرسمي للجلسة بنصف ساعة والتي تتطلب تسعة أصوات إيجابية لعقدها وإلا تلغى. ولكن روسيا لم تتمكن من حشد سبعة أعضاء للاعتراض على عقد الجلسة فعقدت. المشكلة أن هناك ستة أعضاء جدد دخلوا عضوية المجلس غير الدائمة في غالبيتهم من حلفاء أو أصدقاء الولايات المتحدة مثل بيرو وبولندا وهولندا وساحل العلاج والكويت ولا يريدون أن يبــاشــروا عملهم في المجلس بنزاع مع الولايات المتحدة ومندوبتها نيكي هيلي.
الجلسة مخالفة لبنود الميثاق في ثلاث نقاط رئيسية: أولا – يختص مجلس الأمن بالمسائل التي تعتبر تهديدا للأمن والسلم الدوليين، ولا أحد يتفق مع وجهة نظر هيلي أن أحداث إيران تمثل تهديدا للسلم والأمن الدوليين. وما قالته نيكي هيلي حول البند 34 من الميثاق لا ينطبق على الحالة في إيران بل هي عملية ليّ عنق النص الذي يتحدث عن حق مجلس الأمن بالتحقيق في خلاف أو وضع قد يتطور ليشكل تهديدا للأمن والسلم الدوليين.
ثانيا: أن المظاهرات والإضطرابات الداخلية، ما لم تتحول إلى مجازر أو حرب أهلية بين مكونات البلد الواحد أو تنتقل إلى دول مجاورة، تبقى ضمن صلاحيات الدولة أو ما يسمى في الميثاق بالشؤون الداخلية والتي لا يجوز التدخل فيها حسب البند السابع من الفصل الأول في الميثاق.
ثالثا: مسائل حقوق الإنسان ليست من اختصاص مجلس الأمن بل من اختصاص مجلس حقوق الإنسان ومقره جنيف واللجنة الثالثة التابعة للجمعية العامة. ويقوم مجلس حقوق الإنسان بمراجعات دورية لحالات حقوق الإنسان في كافة الدول دون استثناء ومن بينها إيران. وإذا وجد أن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان تقع في بلد ما يقوم بتعيين مقرر خاص مهمته جمع المعلومات والتحقق وتقديم تقارير دورية للمجلس. وعين المجلس في تشرين الثاني/نوفمبر 2016 أسمى جهانغير مقررة خاصة لحالة حقوق الإنسان في إيران. وانتقد تقريرها الأخير المقدم إلى مجلس حقوق الإنسان واللجنة الثالثة الظروف القاسية في السجون، وحرمان السجناء من الوصول إلى العلاج الطبي الكافي، وخطر الموت. وطالب السلطات بـ «إنهاء القيود الواسعة الخطيرة على حرية التعبير والمعتقد، والاجتماع، وحرية التجمع السلمي باستخدام الفضاء المجازي أو خارج الحدود، وإنهاء المضايقات والترهيب وتعذيب المعارضين السياسيين، والمدافعين عن حقوق الإنسان، والناشطين في مجال الدفاع عن حقوق المرأة، والأقليات، والقيادات العمالية، ونشطاء حقوق الطلبة، ومنتجي الأفلام السينمائية، والصحافيين، والمدونين، ومديري صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، والعاملين في وسائل الإعلام، والقادة الدينيين، والفنانين، والمحامين، والأشخاص الذين ينتمون إلى الأقليات الدينية المعروفة وغير المعروفة، وأسرهم».
وناقشت اللجنة الثالثة التابعة للجمعية العامة تقرير جهانغير عن حالة حقوق الإنسان في إيران وصوتت في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي على قرار يدين إنتهاكات حقوق الإنسان التي تشمل اضطهاد الأقليات والاعتقال التعسفي وإعدام القاصرين وتضييق حريات التعبير والتجمع والتعذيب، كما يحث القرار إيران على القضاء على جميع أشكال التمييز وانتهاكات الحقوق ضد النساء والفتيات. وصوت لصالح القرار 83 دولة مقابل 30 دولة ضده بينما اختارت 68 دولة التصويت بـ «امتناع».
يبدو أن نيكي هيلي مولعة بتسجيل سوابق في الأمم المتحدة، فمن جهة تخفض مساهمات الدولة المضيف في ميزانية الأمم المتحدة ومن جهة تطالب الأمم المتحدة بتبني قضاياها فيما يتعلق بالبرنامج النووي لكوريا الشمالية والإضطرابات الداخلية في فنزويلا والآن جاء دور إيران. استغلت هيلي مظاهرات عارمة وقوية في إيران لكن لم تخرج عن كونها ضمن حدود المعقول، بل وسارت مظاهرات مثيلة أيضا تأييدا للحكومة. ولو أن مثل هذا النوع من المظاهرات يعرض على مجلس الأمن لتحول إلى جهاز يبت في شؤون الدول الداخلية. فمصر قمعت مظاهرات 2013 بالقوة ولم يدع المجلس للانعقاد والبحرين قمعت عام 2011 مظاهراتها السلمية بل واستعانت بجارتها السعودية للقمع ولم يدع المجلس للانعقاد، والولايات المتحدة قمعت حركة «احتلوا سوق المال» التي بدأت في أيلول/سبتمبر 2011، ومظاهرات لوس أنجيلوس عام 1992 وقتلت أكثر من 63 شخصا واعتقلت 12،000 شخص كما قامت قوات الأمن بالهجوم على اعتصام جماعة دايفيديان في واكو تكساس عام 1993 مخلفة 83 قتيلا من المدنيين، وفعلت كذلك فرنسا عام 2005 في اضطرابات مناطق المهاجرين المغاربة وبريطانيا قمعت المظاهرات عام 2011 واعتقلت أكثر من 3100 شخص، ولم نشهد في تلك الأحداث والعشرات غيرها دعوة لمجلس الأمن للاجتماع لبحثها.
إذن ما هو السبب الحقيقي وراء تلك الدعوة؟ الجواب كان في العديد من كلمات المندوبين. لقد تنبه الأعضاء إلى مآرب هيلي الحقيقية هي ورئيسها في البيت الأبيض، وهو التنصل من الاتفاق النووي مع إيران بحجة تفجر الأوضاع الداخلية. لكن الدول الأعضاء في المجلس كانت واعية لهذه النقطة وسلطت الأضواء عليها.
السفير الفرنسي، فرنسوا ديلاتر، تنبه إلى نقطة مهمة تتعلق بالطموحات الشخصية لهيلي والرئيس ترامب. وقال في كلمته إن اتفاقية الدول الست مع إيران حول الأنشطة النووية راسخة ولا يجوز التنصل منها.
انتهت جلسة مجلس الأمن بدون أي بيان صحافي أو رئاسي أو حتى عناصر بيان صحافي، بل كانت ممارسة في الخطابة وفرصة للتعرف على مندوبي الدول الست الجديدة. لقد أساءت هيلي لنفسها ولمجلس الأمن بعقد مثل هذه الجلسة التي تحولت إلى شبه محاكمة لموقف الولايات المتحدة التي أقحمت المجلس في مسألة داخلية بدأت تتراجع إلى طبيعتها العادية رغم دق طبول الحرب في إدارة ترامب وبعض حلفائها في بعض عواصم المنطقة العربية.

 

إيران أمام مجلس الأمن: النفاق السياسي الأمريكي في أبشع صوره

عبد الحميد صيام

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية