نجاح محمد علي: منذ الاحتجاجات التي تلت الانتخابات الرئاسية التي جرت في العام 2009 لا يفوت متشددو الاصوليين الذين يحسبون أنفسهم أنصار المرشد الإيراني الأعلى سيد علي خامنئي أي فرصة سواء في وسائل إعلامهم أو منابرهم الأخرى خصوصاً في البرلمان أو التجمعات الدينية، طرح مسألة استبدال النظام الرئاسي الذي يمكن الناخبين من انتخاب رئيس البلاد عبر الاقتراع المباشر، بآخر برلماني يتم عن طريق تصويت نواب البرلمان.
ويرتفع بارومتر الحديث هذه الأيام، في وقت يحتدم الجدل حول أداء التيارات السياسية في إيران من التطورات في شمال العراق، والحديث عن تداعيات استفتاء انفصال كردستان، وتلويح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسحب الثقة من الاتفاق النووي مع إيران وبصدد إطلاق خطة شاملة لمحاربة ما يسميه «دعم وتمويل إيران لميليشيات مزعزعة للاستقرار» من خلال نقضها لما يسميه أيضا «روح الاتفاق».
تعديل دستوري!
اثنان من النواب في مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان) وهما من التيار الاصولي المتشدد، تحدثا عن احتمال تغيير النظام الرئاسي في البلاد واستبداله بالبرلماني، وكأنه بات المشكلة الأساسية التي يواجهها النظام في ضوء تحديات إقليمية ودولية خطيرة يفترض أن تحظى بالاهتمام أكثر من تغيير النظام الرئاسي. وقال أحدهما أن الكتلة النيابية للتيار الاصولي، ستطلب من المرشد الأعلى علي خامنئي، إصدار أوامر بإعادة النظر في بنود الدستور المتعلقة بهذا الخصوص.
وقال عزت الله يوفيان ملا رئيس لجنة صياغة اللوائح الداخلية في مجلس الشورى «إن المرشد الأعلى خامنئي، كان قد طرح في العام 2011 أثناء سفره لمدينة كرمنشاه فكرة تغيير النظام الرئاسي إلى البرلماني». ومنذ ذلك الحين والفكرة شغلت بال صناع القرار والخبراء رغم أنها لم تكن جديدة أصلاً بعد أن خطط لها اليمين الديني المتطرف الذي تمثله «جمعية المؤتلفة» منذ الفوز الكاسح للرئيس الاصلاحي محمد خاتمي في انتخابات عام 1997.
وأضاف متجاهلاً النقاش الذي أثاره مؤخراُ الزعيم السنّي البلوشي الأكثر اعتدالاُ إمام أكبر مسجد للسنّة مولوي عبد الحميد حول تهميش السنّة ومنعهم من تبوء مناصب حكومية عليا «إن تغيير نظام الدولة يحتاج إلى تغيير الدستور ولهذا السبب فإن عدداً من نواب مجلس الشورى الإسلامي بصدد إرسال رسالة للمرشد الأعلى لمطالبته بإصدار أوامره من أجل الشروع في إعادة النظر في مفاد الدستور».
وقال النائب الاصولي جليل رحيمي جهان آبادي رئيس اللجنة القضائية والحقوقية في المجلس «سيكون في صالح البلاد إذا تم إحياء النظام البرلماني الذي يمنح رئيس الحكومة صلاحيات الرئيس الفعلي، وهذا يستلزم تغيير الدستور». وأضاف «إن فكرة المرشد الأعلى في إيجاد نظام برلماني تمت دراستها بشكل موضوعي».
ثنائية الرئيس والمرشد
رغم أن الدستور الذي تمت صياغته بعناية في بدايات الانتصار على الشاه السابق، منح الولي الفقيه (المرشد) صلاحيات كبيرة أضيف لها «الولاية المطلقة» في التعديل الأول الذي تم في العام 1989 بُعيد وفاة المؤسس آية الله الخميني، إلا أن ما هو ظاهر في السياق التاريخي لعلاقة المرشد بالرئيس أنها ظلت قلقة بغض النظر عن «الأسماء»، فلم تكن على ما يرام بعد انتهاء فترة ولاية الرئيس، وربما يكون هذا هو الذي يدفع بالتوجه صوب النظام البرلماني الذي يحول الرئيس إلى مجرد «موظف صغير» بيد البرلمان يقيله متى يشاء ويأتي بغيره دون الحاجة إلى انتخابات مباشرة، وصداع الجدار الشعبي الذي يتبجح به دائماً «الرئيس المنتخب» ويا دار ما دخلك شر!
وبنظرة سريعة إلى أسماء من تعاقبوا على الرئاسة في إيران منذ أبو الحسن بني صدر أول رئيس منتخب بعد سقوط نظام الشاه عام 1979، فالراحل محمد علي رجائي الذي قتل مع رئيس وزرائه في مقر رئاسة الوزراء عام 1981 وخامنئي، فالراحل أكبر هاشمي رفسنجاني والرئيس الأسبق محمد خاتمي والذي خلفه محمود أحمدي نجاد فانهم – طبعاً عدا الراحل رجائي لأنه توفي وخامنئي الذي أصبح الولي الفقيه – فجميعهم لم تكن علاقاتهم «ودية» مع الولي الفقيه خصوصاً بعد خروجهم من الرئاسة، لسبب أو لآخر!
وعموماً، فأثناء احتدام الخلاف بين المرشد الأعلى علي خامنئي والرئيس السابق محمود أحمدي نجاد في 2011 بسبب إقالة نجاد لوزير الاستخبارات آنذاك حيدر مصلحي، وخلال زيارته لمحافظة كرمنشاه وأثناء لقائه بأساتذة الجامعات هناك قال خامنئي «في الظروف السياسية الحالية التي تمر بها الجمهورية الإسلامية فان المناسب لنا هو العمل بالنظام الرئاسي حيث يتم انتخاب الرئيس عن طريق الاقتراع المباشر للشعب، لكن إذا شعرنا في المستقبل (البعيد) أن من الأفضل إذا كانت البلاد بحاجة لنظام برلماني يقوم بدوره في اختيار المسؤولين في السلطة التنفيذية، فلا أرى مانعاً في تغيير الآليات المعمول بها حالياً».
ماكينة المرشد
وفور تصريحات خامنئي، قام عدد من المسؤولين والمقربين من المرشد في التيار الاصولي بدعم الفكرة، من بينهم علي لاريجاني رئيس مجلس الشورى الذي قال «يمكن لنا اختيار رئيس الجمهورية من داخل أروقة البرلمان، أي مثل المرشد الأعلى الذي يتم اختياره في مجلس الخبراء الذين اختار الشعب أعضاءه».
وتطور الموضوع لدرجة أن بعض الاصوليين قام بترويج فكرة احتمال إلغاء الانتخابات الرئاسية المقبلة. وقال محمد دهقان عضو الهيئة الرئاسية في الشورى أن «مكتب المرشد الأعلى شكّل خلال العام الماضي فريقاً من المتخصصين والحقوقيين وأوكل إليهم إعادة النظر في إشكاليات الدستور» إلا أن مكتب المرشد نفى ما ورد على لسان دهقان لاحقاً، وهكذا تعمل ماكينة المرشد لتهيئة الأجواء لهكذا حدث هام.
كان الدستور الإيراني الذي أُقر مباشرة بعد تأسيس نظام الجمهورية الإسلامية في عهد مؤسسها آية الله روح الله الخميني، ينص على أن إدارة أمور الدولة تقع على عاتق رئيس الوزراء، وكان رئيس الجمهورية منصباً شرفياً، لكن في عام 1989 ومع إعادة النظر فيه، تم حذف منصب رئيس الوزراء وأوكلت إدارة شؤون الدولة إلى رئيس الجمهورية.
لكنْ مع تكرار الخلافات بين رؤساء الجمهورية السابقين مع خامنئي واستمرارها في مراحل مختلفة، فربما تكون من بين الأسباب التي دفعت خامنئي وأنصاره إلى طرح فكرة تغيير النظام الرئاسي واستبداله بنظام برلماني وذلك للحد من سلطات رئيس السلطة التنفيذية وتقليصها، وحتى لا يتم تفسير اختيار رئيس الجمهورية على أنه معارضة الشارع للمرشد ورأيه في اختيار المرشح المفضل له كما حدث في عدد من الانتخابات الرئاسية السابقة عندما لمح خامنئي أو أشار أنه يفضل عدداً من المرشحين.
وعلى أي حال يرى البعض أنه لا معنى لوجود نظام سياسي (نظام سياسي ثنائي السلطة) الذي يقولون إنه اتسم بقمع منتقديه، وبوجود رقابة مشددة منافية للدستور الإيراني، ويقولون إن «الانتقال إلى النظام البرلماني لا يعدو كونه محاولة لإنهاء ما تبقى من الديمقراطية التي تحتضر أساساً» وذلك لصالح فئة وصلت للسلطة من دون المرور بالعملية الديمقراطية والانتخابات مثل أعضاء مجلس صيانة الدستور المسؤول عن كل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.ويرى المعترضون أن هذه الخطوة تهدف لتغيير الوجه السياسي تدريجياً وبشكل سلمي في العلن على الأقل، ما ينبئ بمستقبل سياسي خطير جداً.
وكتب المعترضون أن هذا المشروع السياسي، لن يمر مرور الكرام «ولن يتخاذل الاصلاحيون والمعتدلون، رغم حضورهم الباهت في حكومة روحاني ومجلس الشورى الإسلامي»، لأن هذا المشروع كما يعتقدون، لا يسعى إلا لتدمير آخر ما تبقى من الديمقراطية النسبية التي تتيح للشارع الإيراني المشاركة في العملية السياسية كل أربع سنوات، والتقليل من تأثيره في المسار السياسي للبلاد. أما ما يسوِّق له أنصار استبدال النظام الرئاسي بالبرلماني، فليس من وجهة نظر المعترضين، سوى ضحك على الذقون وصرف الرأي العام عن حقيقة ما يجري من مساع تخريبية لما تبقى من النظام الديمقراطي في البلاد. ويحذرون «أن السكوت أمام تلك المؤامرة ليست سوى حلم خطير وخيانة واضحة لأصحاب الصوت الحقيقي، ألا وهو الشعب الإيراني المظلوم» حسب تعبيرهم.
ويرى سياسي بارز قريب من الاصلاحيين ومن التيار الوطني الديني، أنه سيتم الكشف قريباً عن مدى جدية هذه «المؤامرة» ومن يعيد طرحها بين فترة وأخرى وخباياه؛ ويتساءل عما «إذا كانت هنالك رسائل مغلفة يتم إرسالها من مجلس الشورى الإسلامي إلى أعلى سلطة في النظام، أو إذا تبث هذا الأمر وتنشره، فسيترتب عليه القلق بشدة على مستقبل المطالبين بالإصلاحات والتغيير في إيران، وحينها سيكون من واجب المجتمع المدني ووسائل الإعلام، معارضة هذا المشروع الخطير»!