إيران رابحة في اليمن ما لم تخسر في غيره!

حجم الخط
1

منذ اندلاعها في آذار/مارس 2015 نجحت إيران كما تعتقد هي على الأقل، في تحويل الحرب العبثية التي يشهدها اليمن لصالحها، إذ غاب فيها الحسم والحزم منذ شهرها الأول، وأًصبحت حرب استنزاف كبرى تثقل كاهل السعودية عدوها اللدود في المنطقة بعد أن أخفقت ـ وما تزال ـ كل جهودها في تحويلها إلى صديق، خصوصاً بعد رحيل العاهل السعودي السابق الملك عبد الله، ودخول العلاقات بين طهران والرياض مرحلة جديدة من الصراع على مناطق النفوذ، قال عنها وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، الثلاثاء الماضي أمام مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية في نيويورك إنه صراع دمر المنطقة.
تحدث ظريف في نيويورك قائلاً: إن نتيجة الصراع بين إيران والسعودية على القوة والنفوذ في المنطقة كانت تدمير المنطقة، مشدداً على أن الحوار بين إيران والسعودية وباقي دول الخليج ومعها العراق واليمن على أساس احترام سيادة كل دولة على أراضيها، سيكون لصالح المنطقة برمتها، مضيفاً وهو يغمز من طرف خفي إلى تصريحات الرئيس الأمريكي رونالد ترامب إلى السعودية أن عليها أن تدفع مقابل حمايتها، وقال ظريف «الأمن لا يُشترى، وفي الصراع فان الكل خاسرون».
‏وأثناء وجوده في نيويورك مدافعاً عن الاتفاق النووي والسياسات الإقليمية لإيران، أجرى ظريف لقاءات مع مسؤولين غربيين وُصفت بالهامة، إذ تسربت معلومات أنه قدم مقترحات لحل الأزمة اليمنية كخطوة أولى تُعد أساسية لبناء الثقة قبل فتح باقي الملفات التي تقلق الغرب إذا تم حسم الاتفاق النووي بالإبقاء عليه.

العام الباليستي

وبينما ترفض إيران أي ربط بين ملف الصواريخ الباليستية ودورها الإقليمي الذي يوصف من قبل واشنطن وحلفائها بالعدواني، بأزمة الاتفاق النووي، أكدت أنها ستواصل التزامها بهذا الاتفاق طالما استمرت باقي الأطراف ملتزمة به وإنها «ستمزقه» إذا انسحبت منه الولايات المتحدة، ودعا وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف الزعماء الأوروبيين الاثنين إلى دعم الاتفاق وحل الأزمة في اليمن عن طريق الحوار ملمحاً إلى الخلط حينها بين كل الملفات إذا انهار الاتفاق النووي.
وكتب على حسابه في تويتر «إما كل شيء أو لا شيء. على الزعماء الأوروبيين تشجيع ترامب ليس فقط على البقاء في الاتفاق ولكن الأهم على البدء في تنفيذ جانبه بنية صادقة».
وبدا لافتاً في هذا السياق أن الحرس الثوري الممسك بقوة بكل ما يتعلق بالبرنامج النووي وحمايته من أي اعتداء داخلي أو خارجي، ويرفض الحديث عن مجرد التفاوض حول برنامج إيران الصاروخي، أطلق الجمعة على لسان العميد حسن سلامي نائب القائد العام تصريحاً له مغزى مشيراً إلى دور الحرس الذي سيتصاعد أكثر إذا ما تخلت واشنطن وأوروبا عن الاتفاق النووي: قلنا للحكومة (الإيرانية) إن عليها إبلاغ الغرب أنه إذا انسحبت واشنطن من الاتفاق النووي فان إيران ستنسحب أيضاً من الاتفاق ومن معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية وستستأنف برنامجها النووي دون قيود» بمعنى السير على خطى كوريا الشمالية التي انسحبت من معاهدة الحد من الانتشار النووي العام 2003 في السنة التي بدأت فيها مفاوضات إيران مع الترويكا الأوروبية (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) وأسفرت آنذاك عن انفاق «قصر سعد أباد» الذي قضى بتعليق إيران تخصيب اليورانيوم وكان بنسبة لا تتجاوز 5 في المئة مقابل الاعتراف بحقها في امتلاك الطاقة والتقنية النووية، وبدورها الإقليمي كلاعب أساسي في حل الأزمات، ويومها لم تكن هناك من أزمة إقليمية مستعصية عدا «التسوية» مع إسرائيل . وكأنه يشير إلى «العام الباليستي» كورقة قوية سيجري توظيف الجدل حول الدور الإيراني في اليمن بشكل خاص قال نائب قائد الحرس الثوري: «لا أهمية لانسحاب أمريكا من الاتفاق النووي لأن إيران ستحقق مزيداً من التقدم وتتخلص من العقبات، وقد أوجدت قوة عظيمة لها في سوريا والعراق واليمن ولبنان، بينما ليس لأمريكا قوة هناك، وهي لا تملك استراتيجية في سوريا والعراق، فمهما استخدمت من قوة لن يحدث أي تأثير لذلك».

لماذا اليمن؟

رغم أنها تنفي على الدوام التورط المباشر، تلعب إيران دوراً متعدد الأبعاد في الحرب الدائرة في اليمن. فما تعلنه في خطابها الرسمي وهو صحيح إلى حد ما ما عدا المقاربة التي تضعها في مواجهة إسرائيل على حدود باب المندب، فأن اليمن لا يتمتع بأي أهمية استراتيجية أو جيوسياسية مميزة لإيران، كما أن الحرب اليمنية لا تُشكل تهديداً لأمنها القومي مثلما الحال في سوريا والعراق، لكن هناك الكثير من الأسباب التي تدفع إيران للقيام بدور في العلن وخلف الكواليس، في الحرب اليمنية، لقلب الموازين لصالحها.
فعلى صعيد الدستور، تشكل المادة 154 ركيزة أساسية في سياسة الجمهورية الإسلامية الخارجيّة وهي تلزم إيران بتقديم الدعم للمسلمين والمستضعفين في العالم بشرط ألا يتعارض ذلك مع سيادة الدول ومبدأ عدم التدخل في شؤونها الداخلية. ولهذا ترى نفسها ملزمة دستورياً بعدم التخلي عن اليمن خصوصاً وهي لا تعترف بحكومة الرئيس هادي وتعتقد أنها غير شرعية، بما يسمح لها ذلك باستعراض قوّتها في وجه السعودية أحد أكبر منافسيها في المنطقة.
ومن الطبيعي في ظل قيام حكومة يمنية أخرى شعارها أيضاً «الموت لأمريكا» فان التحالف معها، سيمكن إيران من قلب الموازين في اليمن واستغلال مواجهة النفوذ الأمريكي هناك لصالحها.
وإلى جانب الالتزام الدستوري يبرز العامل الاستراتيجي، إذ تعتبر إيران نفسها أقوى دولة في منطقة الشرق الأوسط، لذا تسعى لإظهار نفسها الأقوى للأهمية الاستراتيجية وموقعها الجغرافي، وقدراتها العسكرية والاقتصادية وتعداد سكانها الكبير ومواردها الطبيعية.
ولذلك، اختار القادة في طهران تبني سياسات مواجهة النفوذ الدولي الذي تنامى في المنطقة، منذ حربها مع العراق الذي حملته مسؤولية ذلك، ومواجهة نفوذ السعودية فيها وتغيير موازين القوى لصالحها.
لكن وعلى عكس السعودية التي تمثل الأزمة اليمنية خطراً يهدد أمنها القومي بحكم الجوار في شريط حدودي يقرب من 1770 كيلو متر، فان إيران البعيدة تستفيد من هذا الجوار، لتحويله إلى تهديد مستمر لخصمها اللدود في السعودية وقد نجحت في إظهار هذه الصورة للمشهد اليمني وهي أنها تتحدى السعودية عندما اضطرت الأخيرة إلى نقل مكان القمة العربية من الرياض، إلى الدمام والاحتماء بالشيعة هناك بما يعكس ذلك من رمزية التحدي.
وعلاوة على هذا كله فإيران تسعى لإبقاء خصمها اللدود السعودية في مستنقع اليمن لتقييد تدخلها ونفوذها في أزمات المنطقة الأخرى، مثل العراق وسوريا ولبنان والبحرين. كما أنها تسعى من خلال الاستفادة من خطأ الرياض في اطالتها الأزمة اليمنية، لاستخدامها كأداة ضغط على المملكة لتغيير سياساتها حيال سوريّا بشكل خاص وردعها عن التفكير في إرسال قوات إلى هناك بينما هي عاجزة عن حسم عاصفتها في اليمن التي كان يفترض أن تستمر أياماً أو بضعة أسابيع فَطَال أمدها.
اقتصادياً لا تُعتبر اليمن مكلفة لطهران عكس السعودية، ونظراً للمنافسة التي يغلب عليها أحياناً الجانب المذهبي، ترى طهران نفسها الأقوى إذا ما حافظت على نفوذها في اليمن، لكسر شوكة الرياض.
من هنا فان الحرب في اليمن سواء استمرت أم توقفت، فان إيران، تعتقد انها ستكون الرابح الأكبر فيها ما لم تحدث انهيارات في صفوفها في سوريا والعراق ولبنان.

إيران رابحة في اليمن ما لم تخسر في غيره!

نجاح محمد علي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية