إيران في الجنوب السوري: حكومة معتدلة بيدها بندقية

حجم الخط
2

«وانجلت الغبرة في الجنوب السوري وإذا بسوريا وحلفائها كلهم بضمنهم إيران موجودون على الأرض يتقدمون نحو منطقة الحدود بثبات دون أن يواجهوا صعوبة أو مقاومة تذكر، لا من الفصائل المسلحة، ولا من المعارضة السورية السياسية».
هذا ما تروج له أو تعتقد به إيران حول معركة الجنوب السوري، وقد ظهر فيها وحدة في الموقف وفِي الخطاب من القادة الإيرانيين الذين أجمعوا سياسيين وعسكريين، على اعتبار معركة الجنوب، الفيصل الذي يرسم الطريق نحو شكل المسار السياسي للحل في سوريا وفق المقاس الإيراني الذي يعكسه تأسيس فيلق كامل في الحرس الثوري أسمته إيران منذ عقود «فيلق القدس»، وشعار الإيرانيين الذي يبقى يدوي للتعبئة وجذب المتطوعين منذ الحرب الطويلة مع العراق، وحتى يومنا هذا: طريق القدس يمر عبر كربلاء.
وليس بعيداً عن معركة الجنوب السوري، تلك التصريحات اللافتة جداً التي أطلقها الرئيس الإيراني حسن روحاني أمام الرئيس السويسري في جولته الأوروبية الأخيرة التي قادته أيضاً إلى النمسا، وأكملها بمحادثات هاتفية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية ميركل، عندما وصف روحاني إسرائيل بالكيان الصهيوني غير الشرعي والغارق بالعدوان، رافضاً دعوة للاعتراف بها ومعها حزمة من الإغراءات نقلتها سويسرا راعية المصالح الأمريكية في طهران.
حصل موقف روحاني من إسرائيل ومن التلويح بمنع تصدير النفط من المنطقة إذا منعت إيران من تصدير نفطها، على إشادة مميزة من قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الجنرال قاسم سليماني الذي سارع إلى إرسال رسالة مكتوبة تضمنت تمجيد مواقف الرئيس بشكل غير مسبوق، بل أن سليماني قال إنه يقبل يدي روحاني لموقفه «الصائب والقاطع والمناسب» مبديا استعداده لأي مهمة تصب في صالح النظام الإسلامي.
ويبدو أيضا من تصريحات مشابهة غير مسبوقة أطلقها القائد العام للحرس الثوري اللواء محمد علي جعفري، أن الاصوليين والمعتدلين ومعهم الإصلاحيون، باتوا متحدين في مواجهة التحديات الخارجية والتي يعتبرها الإيرانيون تأتي بسبب موقفهم من إسرائيل والقضية الفلسطينية، خصوصاً ما يتعلق بدورهم في المنطقة وسوريا تحديداً.
وقد أشارت إلى هذا الواقع الجديد صحيفة «سازنديغي» أي البناء الإصلاحية بمانشيت عريض مع صورة كبيرة لسليماني بالزي العسكري وهو يبتسم ابتسامة رضا عريضة.
وكتب حسين مرعشي المتحدث باسم حزب «كوادر البناء» الاصلاحي مقالا عكس «الجو» الجديد مما يجري في الجنوب السوري حتى لو جر إلى حرب مباشرة بين إيران وإسرائيل واصفاً روحاني بعنوان مقال نادر بأنه «رجل السلام ورجل الحرب» بعد أن كان الإصلاحيون يضعون أنفسهم على مسافة بعيدة من موقف النظام إزاء الأزمة السورية، وهم الذين أطلقوا أول مرة في احتجاجات عام 2009 على نتائج الانتخابات الرئاسية آنذاك شعار «لا غزة لا لبنان روحي فداء إيران» وإيران أولاً وقبل كل شيء.

بين الضرورات والمحظورات

قبل الشروع بعمليات استعادة درعا، وفِي ذروة احتدام المواجهة بين إسرائيل وإيران، كتبت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية في عددها الصادر الثلاثاء 23 أيار/مايو حول الدور الذي من المتوقع أن تلعبه إدارة ترامب في المرحلة المقبلة لا سيما فيما يتعلّق «بالاشتباك» مع إيران، معتبرة أن الأرض السورية ستكون مسرحاً لهذا الاشتباك.
الصحيفة رأت «أن مساعي إيران للتمدد عبر المجموعات الموالية لها إلى جنوبي سوريا يمكن أن تمثل فرصة بالنسبة للولايات المتحدة لوقف التمدد الإيراني في سوريا».
فالولايات المتحدة تدرك جيداً أن إيران تحاول بسط سيطرتها على ممر استراتيجي من لبنان وسوريا عبر بغداد إلى طهران، وفي حال نجحت في مساعيها فإن ذلك سيشكل تحولاً جذرياً في الوضع الأمني الإقليمي، بالإضافة إلى أن الوجود الإيراني هناك سيعرقل جهوداً أمريكية لتدريب وإعداد قوة «سُنية» قادرة على تحقيق الاستقرار على المدى الطويل.
ومن هنا قصفت المقاتلات الأمريكية أرتالا تابعة لفصيل في الحشد الشعبي العراقي، وهو ما كان يعني يومها أن الولايات المتحدة بدأت تدخل في سوريا بشكل أكبر.
وبينما كانت إيران تنفي رسمياً أي وجود عسكري لها في الجنوب السوري إذ قال أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي، الأميرال علي شمخاني، إن المستشارين الإيرانيين سيواصلون دعمهم لسوريا، نافيا وجود أي مستشارين إيرانيين في جنوب سوريا، أو قيامهم بأي دور هناك، خرجت تسريبات من وسائل إعلام «عربية» تدعمها إيران روجت لما وصفته بالاتفاق بين موسكو مع الأردن وواشنطن يقضي بأن تسيطر الدولة السورية على الجنوب السوري وإلغاء تواجد الفصائل المسلحة في منطقة خفض التصعيد الجنوبية، وقالت أن هذا الاتفاق أُبرم في صيف السنة الماضية بالتنسيق والتفاهم مع إيران والدولة السورية على غرار ما حصل في المناطق الأخرى التي خضع فيها المسلحون إلى اتفاق مماثل انتهى بتسليم الأسلحة وإجراء المصالحة أو مغادرة المنطقة التي يقاتلون فيها.
غير أن ما تنشره وسائل الإعلام الإيرانية باللغة الفارسية يتجاهل ذكر الاتفاق في منطقة الجنوب تحديداً، وينشر محللون قريبون من صنع القرار في إيران أن المسلحين راهنوا على الدعم الأمريكي والأردني وعلى دعم إسرائيل التي كانت تسعى إلى إنشاء حزام أمني بهذه المجموعات مرّة وإلى منطقة عازلة مرّات أخرى، فخذلهم الجميع.
لكنْ، ومع اقتراب قمة ترامب بوتين المقررة في العاصمة الفنلندية، هلسنكي، والموضوعات التي قال ترامب إنه سيناقشها، وعلى رأسها الحرب في سوريا والوضع في أوكرانيا مع نظيره الرّوسي، تكشف مصادر مطلعة أن هناك تفاهمات جديدة قد تبرز إلى السطح رسمتها وقائع الميدان على الأرض، منها وضع قوات فصل دولية، بعد الانتهاء تماماً من إنهاء وجود المسلحين في تلك المنطقة الحيوية للجميع والتي بإمكانها أن تتحول إلى بداية الشرارة التي تندلع منها حرب شاملة.
فهل ستسفر معركة الجنوب السوري عن انسحاب الإيرانيين وحلفائهم من المنطقة بعد استكمال الجيش السوري سيطرته عليها أم أن «الضرورات تبيح المحظورات» وهي واحدة من القواعد المقررة في الشريعة الإسلامية خصوصا بعد أن صارت إيران تتحدث بلسان واحد: حكومة «معتدلة» وبيدها بندقية؟

11HAD

إيران في الجنوب السوري: حكومة معتدلة بيدها بندقية

نجاح محمد علي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية